الكتابة لديه تعني المغامرة والاكتشاف.. يحرص من خلالها على تقديم الاحداث والشخصيات بصورة حيادية.. لا يحاول ان يورط ذاته في العمل الروائي أو القصص .. فالرواية هي رحلته الطويلة تلاحق معطيات الواقع المتجدد.. اما القصة فهي نغمة مفردة.. تعبر عن حالة.. عن موقف الانسان. انها مسيرة الروائي والقاص, والكاتب الصحفي فتحي غانم.. الذي رحل يوم الثلاثاء الماضي بعد نصف قرن من الابداع والعطاء الفكري والادبي استطاع ان يحقق صوته المتميز.. من خلال ابداعه الذي يتفاعل مع هموم الانسان العربي.. ان فتحي غانم من الرموز الادبية الساطعة في عالمنا العربي. هذه رحلة الى أعماق عالم الروائي العربي الكبير فتحي غانم, في محاولة لاستكشاف ابعاد تجربته الخاصة, بعد تلك المسيرة الابداعية.. هل أدرك فتحي غانم تعريفا مطلقا للرواية؟ ـ اعتقد انه لا توجد اجابات نهائية وحاسمة, لأن الاجابات تتغير باستمرار ودائرة الكشف لا نهائية بالنسبة للعقل البشري.. ان الذي يحيط بكل الاجابات هو الله سبحانه وتعالى, اما البشر فعليهم ان يجوبوا آفاق الكون بحثا عن اجابات.. وبما ان الكون بأفلاكه وسماواته بعيدا عن مدى وطاقة البشر, ولا نهائي أيضا, فأعتقد ان نفس الشيء بالنسبة للاجابات, فالاجابات غير نهائية. الكثير من اعمالك الروائية همشت الخيال لصالح الواقع فما صحة ذلك؟ ـ الابداع قد يكتشف منطق الواقع.. قد يدركه.. قد يرى كشفا جديدا, يساعد هذا الكشف في تغيير هذا المنطق لكن ليس هناك تلازم حتمي بين انطلاقات الخيال والواقع, قد يكون (تكسير الواقع) هو انطلاقات الخيال, لكنني ارى اننا يجب الا نهمل حقيقة الواقع, وهذا ما تسير عليه اعمالي الروائية. الى اي مدى تستلهم سيرتك وتجاربك الذاتية في الكتابة؟ ـ العلاقة مع الكتابة أساس مع الرغبة في التعبير عن الذات او الاكتشاف او الدخول في مغامرة ما.. وفي الحقيقة انني لم افكر في تلك الخصوصية التي تسأل عنها لأن غالبا ما تكون معركتي في الكتابة هي معركة الغاء شخصيتي مع مواجهة شخصيات أعبر عنها على الورق, فالأمر يحتاج منى ان اتراجع بشخصيتي, واحاول الا اتقدم والا اكون احد ابطال الرواية, فهناك امر هام احرص عليه في اعمالي, وهو ان اقدم الاحداث والشخصيات بصورة حيادية. سياسة وأدب في كل اعمالك الروائية والقصصية تبدو السياسة خلفية لأحداث ابداعك.. فهل كان للصحافة وقربك من مراكز اتخاذ القرارات السياسية تأثير مباشر لهذه المسألة, خاصة في روايتك (زينب والعرش) , واخيرا (أحمد داود) ؟ ــ معظم اسئلة السياسة يجيب عنها الفن ومعظم اسئلة الفن تجيب عنها السياسة.. بمعنى أن كثيرا من المشاكل التي تبدو في السياسة المواجهة أو رؤية السياسيين لها تبقى محدودة.. بينما الفنان يستطيع ان يقدم رؤية اشمل, وابعد بكثير من رؤية السياسي, لذلك فان السياسي المحنك يرجع دائماً للفن والأدب. هل ساهمت الرواية العربية في تجسيد الواقع العربي؟ ــ كل الروايات الجيدة العربية قد عبرت بصدق عن واقع الأمة العربية.. وعبرت عن الواقع الذي تعيش فيه الأمة, سواء كان واقعاً سياسياً أو اجتماعياً او نفسياً.. ومازلنا في حاجة إلى المزيد من تلك الروايات التي تعبر عن واقعنا بصدق دون تزييف. كيف ينظر فتحي غانم الى اعماله بعين النقاد؟ ــ عندما أعيد قراءة رواية لي اكتشف أحياناً معاني جديدة لم تكن حاضرة في ذهني اثناء الكتابة.. وتفسيري لذلك ان التعبير الادبي هو تعبير عن معان غامضة تحتاج الى ايضاح, وإلى أن يبذل الكاتب جهداً في السيطرة بالصياغة على المعنى الذي يريد قوله.. ولكن تظل تلك الصياغة عاجزة عن ايضاح المعنى تماماً.. بل قد يكتشف الكاتب انها ادخلته في جوانب خفية عندما يعيد القراءة. اهتمام نقدي هل تعتقد أن النقد استطاع ان يستوعب ابداعك الروائي؟ ــ نعم اهتم النقد الجامعي بما اكتب.. سواء كان على مستوى الجامعات العربية أو على مستوى جامعات العالم, وهناك دراسات كثيرة كتبت عن أعمالي.. وصدرت في كتب أما بالنسبة لما نتعارف على تسميته بالنقد الصحفي الذي هو نوع من الشهرة بالنسبة للكاتب, فهذا امر لا اهتم به, وهو يحتاج الى نوعية من الاهتمام لا تتوافر لدي لأني ارفضها, فهذا الاهتمام يتطلب اهداء كتب للنقاد الذين يهتمون بالنقد الصحفي, ويتطلب زيارات مني اليهم, ومكالمات تليفونية, وغير ذلك من انواع الاهتمام.. ان أعظم تقدير هو تقدير القراء, لما اكتب, فاثناء نشر روايتي (الرجل الذي فقد ظله), مسلسلة في مجلة (صباح الخير) , وصلتني مئات الخطابات من القراء, وكنت لا أنشرها واحتفظ بها. ان هذا كان يسعدني كثيراً, وكنت لا انشر تلك الرسائل, ان الامتناع عن طلب الشهرة هو صيانة للنفس والأديب في حاجة الى هذا ليواصل رحلته الأدبية الى ابعاد غير عادية في حياة البشر. حداثة كل الازمات شاع في حياتنا الثقافية مصطلح (الحداثة) , واحتدمت حوله المعارك, كيف ترى هذا المصطلح؟ ــ (الحداثة) لا تعنى الجديد بمعناه المطلق, لكنها الملاءمة مع تطورات الحياة ومتطلباتها. أي الرؤية الجديدة التي تعتمد على الأصول والتراث وتستطيع ان تحرر عن طريق مواصلة السير في ركب الحياة! وهناك مصطلح (الرواية الحديثة) , الذي كثر النقاش حوله أيضاً.. ما مدلول هذا المصطلح في اعتقادك؟ ــ يستخدم بعض الكتاب اللغة التي فيها طنطنة أو إيقاعات شعرية.. وهذه الأخيرة لا تعكس عن الواقع بقدر ما هى نوع من التعبير عن نغمات ذاتية داخل الفنان نفسه, وهذا نوع من الأدب لكنه أقرب الى الشعر أو الى تجارب النثر, يسميها البعض رواية حديثة لكنها ليست رواية. ماذا تعني القصة القصيرة لك وأنت كاتب روائي؟ ــ القصة القصيرة عبارة عن نغمة مفردة, تعبر عن حالة عن موقف انساني, لا تحتاج إلى استطراد أو متابعة فيجب أن تكون قائمة بذاتها. بالنسبة لي القصة القصيرة عندما أحاورها تكون رؤية متكاملة لموقف, بمعنى التقاط لحظة بها مشاعر خاصة تعبر عنها بذاتها, وهذا يختلف تماماً عن الرواية, لان الرواية رحلة طويلة فيها متابعة للواقع وشخصيات وأحداث طبيعي جدا بالنسبة لي أن أكتب قصصا قصيرة, أثناء كتابتي لعمل روائي, وكتابة الرواية لدي قد تستغرق ثلاث سنوات أو يزيد. لمن يقرأ فتحي غانم من الروائيين العرب؟ ــ أقرأ لجبرا ابراهيم جبرا, عبد الرحمن منيف, حنا مينا, غسان كنفاني, عبد الرحمن الربيعي, الطيب صالح, لكن النقص الحقيقي في قراءتي لروائيين من المغرب العربي, ولكني قرأت لهم بالفرنسية. والآن إذا انتقلنا من التنظير الى التطبيق على أعمالك الأدبية, فسنجد أنك في رواية (ست الحسن والجمال) (1991) قد اعتمدت النقلات السريعة المتنوعة لمختلف وجهات النظر, في إيقاع لاهث متغير, بما ساعد على أن يعكس جو التفكك والأزمة وعدم الاستقرار وربما الفوضى, التي عانى منها أبطالها, بدا ذلك في الفصول السبعة الأولى, التي قدمت فيها عالم السينما ودخول و صعود (دينا) ــ بطلة الرواية ــ الى عرشه, وكان هذا التكنيك ناجحا أيضاً, في أن يعكس سنوات عدم استقرار المجتمع المصري (الخارجي), الذي اجتاحته التغيرات بعد قيام ثورة ,1952 وعاد نفس التكنيك السريع, اللاهث, المضطرب في الفصلين العاشر والحادي عشر, خلال هزيمة 1967 وما ترتب عليها من تفكك وعدم استقرار, وكشف لعمليات الاعتقال والتعذيب, حتى مجيء سنوات الانفتاح وصعود طبقات جديدة إلى (العرش) ثم انطلق تكنيك التفكك وعدم الاستقرار ــ مرة ثالثة ــ على عالم (دينا) , في الفصلين الثالث عشر والرابع عشر, بعد أن تآكل عالمها وذبل جمالها فتباعد عنها المنتجون, وهي تحاول التشبث بعالمها القديم بجنون, سواء بالحقن المخدرة أو بالحبوب المهدئة, وكان يقابل هذه الفصول, فصول أخرى (الثامن, التاسع, الثاني عشر, والفصل الأخير) إنساب فيها تيار القص هادئاً, ليواكب الهدوء والاستقرار النسبي كيف تأتى لك هذا الأداء؟ ــ كان الموضوع الذي أريد أن أتناوله ومغامرة التعبير عنه, هي في الأصل التي تحدد الأسلوب وبالذات ايقاعاته, وهذه الظاهرة المميزة للأسلوب في تقديري, سواء أكانت الايقاعات نفسية, موسيقية ــ إذا صح التعبير ــ وسواء أكانت هذه الايقاعات سريعة, مضطربة, أكثر حيوية, مستقرة, كما يقولون في الموسيقى, من حيث التعبيرات التي تصحب كل حركات الأداء السيمفوني : سريع, بطيء, سريع بحيوية .. إلخ. إن امكانيات التعبير من خلال هذه النقلات السريعة, كما قلت في مناسبة سابقة, أول من لفت نظري إليها, أو من جعلني أراها بشدة, هو قراءتي للقرآن الكريم في سورة سيدنا يوسف؛ لأنني لا أعتقد أنه مهما كان هناك سرعة في الأداء أو النقل والابهار, شيء يعادل هذه النقلات بطريقة العرض الموجودة في القرآن الكريم: بين إلقاء الصبي في الجب, إلى خروجه, إلى عملية الاغراء مع امرأة العزيز, إلى نسوة يقطعن أيديهن بالسكين, إلى دخول السجن, إلى تفسير الأحلام, إلى عودة الاخوة, إلى السنوات العجاف. كل هذا التتابع, وهذه الرؤى بنقلاتها السريعة, جعلتني أفكر كيف يكون الأداء في كتابة القصة, وينطبق عليه باستمرار كلمة (الحداثة) . وهي حداثة معجزة, لانها حداثة كل الأزمان! بالاضافة إلى ذلك, كانت هناك محاولات لهذا الآداء, تستخدم أيضا في تجارب الأدب, في الحضارة الأوروبية من كتاب ظهر أغلبهم مع بداية القرن العشرين وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى, فكانت متابعتهم ومشاركتهم تأكيدا لهذا المعنى. بمعنى انه من الممكن أن يكونوا قادرين على التعبير عن أنفسهم وعن ظروفهم ومجتمعهم بحيوية أكبر, بنفاذ أكبر, والدخول إلى أعماق أبعد, من خلال هذه الأساليب الجديدة, التي هي ــ كما قلت ــ قديمة في نفس الوقت, لانها موجودة في عقيدتنا وتراثنا. ولعلك حاولت هذه التجربة في قصص وروايات أخرى؟ ــ لقد حاولتها بدرجات مختلفة في قصصي ورواياتي, فمثلا في رواية (تلك الأيام) , هناك أجزاء كثيرة منها اتبعت فيها الأساليب والنقلات السريعة والمونولوج الداخلي وتيار الوعي. أيضا في رواية (الغبي) , وفي الجزء الثالث (محمد ناجي) من رواية (الرجل الذي فقد ظله) , وفي أحلام زينب في رواية (زينب والعرش) . في هذه الأعمال تجد ان تلك النغمات موجودة عندي بايقاعاتها السريعة, بحيويتها. لكن الصورة تجمعت, في نهاية الأمر, بشكل واضح, وأكثر تعبيرا, لانها كانت في اطار تجربة أشمل, وذلك في رواية (ست الحسن والجمال) . نعتقد انك حاولت هذه التجربة أيضا, في رواية (قليل من الحب.. كثير من العنف) (1985)؟! ــ نعم, حاولت هذا في رواية (قليل من الحب.. كثير من العنف) , ربما لان حجمها كان صغيرا نسبيا, ولأن موضوعها يتناول العلاقة بين الحب والعنف, فكان من الطبيعي أن أبحث عن شيء ملئ بالحيوية واستمرار النقلات الحية, حيث لا بطء ولا استرخاء! الايقاع والموسيقى تواترت, خلال اجابتك حول اعتمادك للنقلات السريعة في رواية (ست الحسن والجمال) كلمة (ايقاعات) , تارة محددة (ايقاعات نفسية موسيقية) , وتارة أخرى موصوفة (ايقاعات سريعة, مضطربة) . كما يقولون في الموسيقى هل هناك معنى خاص وراء هذه التعبيرات؟! ــ إذا كان هناك سر خاص بهذه التجربة, هو انها مرتبطة إلى حد بعيد ــ كما قلت لك ــ بالايقاعات الموسيقية بمعنى ان هناك نوعا من الايقاع أشعر به أثناء الكتابة, قد يكون قريبا من الايقاع الذي يشعر به الشاعر بالتعديلات المختلفة, التي يعبر ويصوغ بها كلماته. ولكن هنا لم تكن الايقاعات محددة, ذلك التحديد الذي يلتزم به الشاعر. وشعرت انه باستخدام هذه الايقاعات, يمكن أن أعبر عن مشاعري نحو هذا الموضوع الذي أتناوله, تعبيرا أقرب إلى ما أريد أن أصوره بالفعل, أو ما أريد أن أقدمه للقارئ. أما الفترات المستقرة, أو الأجزاء شديدة الاضطراب في الرواية, فهي أقرب إلى مشاعري الخاصة, بالحركات المختلفة للسيمفونية الموسيقية. وربما لو كنت أعرف التأليف الموسيقي كنت كتبت هذه المشاعر بالنوتة الموسيقية, وليس بالكلمات, كما فعلت في الرواية! ديوان العرب بعد الشعر أصبحت الرواية هي ديوان العرب الآن هل توافق على ذلك؟ ــ الشعر يشكل الأساس في كل لغة, فهو يأتي في المقدمة, لأنه المصنع الحقيقي لصياغة الكلمات بل ان صك العملة الأدبية يبدأ من مدارس الشعر لأن الجرأة والاقتحام والابتكار الحقيقي في اللغة يبدأ من نزوات الشعراء, ولكن قيامهم بهذا لا يعني بالضرورة الاقبال عليهم إذ ان الرواية تستفيد من الشعر والفنون التشكيلية لأنهما يكونان في مقدمة أي ثورة فنية أدبية ثم تأخذ الثورة الفنية مجرى أكثر اتزانا من خلال القصة ثم الرواية, وهنا أنا لا أنكر وجود الشعر,ولكن الرواية تلقى رواجا في الوقت الراهن في العالم العربي من خلال انتشار السفر المستمر. قدمت السينما العديد من أعمالك فما هو تقييمك لها؟ ــ مهمة الكاتب هي الكتابة فقط, أما مسؤولية اخراج العمل والسيناريو وغير ذلك فهي مسؤولية غيري وإذا كان سيخالف النص, فمن الأمانة التنوية في مقدمة العمل المرئي إلى انه مأخوذ عن قصة الأديب, ويكفيني ان لدي قصة منشورة ومن يريد المقارنة فليقرأ القصة الأصلية. هل ترى أن ثمة غزوا ثقافيا للعقل العربي؟ ــ أنا أتخوف من ان تصبح الكلمات شعارات عامة وتستغل اعلاميا وسياسيا, وفي هذه الحالة فإنها تحدث تضليلا كبيرا للرأي العام, أنا لا أحبذ كلمة الغزو الثقافي لأننا في عالم اليوم مطالبون لكي نعيش فيه بتعلم أكثر من لغة والاطلاع على ما يحدث فيه. لقد أصبح العالم قرية صغيرة وإذا لم تصلنا المعلومات الكافية, فأنها ستفقد صلاحيتها للتعامل مع هذا العالم بما يسبب أضرارا كثيرة للمجتمع الذي نعيش فيه, فثمة قوى كبيرة تتحرك وينبغي تكوين كادرات من المثقفين القادرين على التعامل مع الآخرين, بل ان أي انتاج لم يعد قادرا على ان يكون محليا. القاهرة ـ مكتب البيان