تجرك الصدفة أحيانا إلى كشف أوراق متساقطة من أوراق التاريخ الزاخرة بالتجارب, فتبدو أمامها ضئيلا متواضعا رغم سعة الادراك والالتقاط والتعلم, ووفرة القراءة والوقوف عند أدق التفاصيل . وقديما قالوا: إذا أردت أن تستجلي المستقبل وتستشرفه جيدا فاقرأ الماضي وتمعن في أوراقه ودروسه وعبره.. ويبدو ان أغلبنا لا يستشرف المستقبل, بل يقف عند أطلال الماضي وينوح. أقول ذلك منتزعا ورقة من تجربة عشتها, ففي العام 1995 حضرت وغيري من المهتمين العرب مهرجان سينما المتوسط الذي أقيم في جزيرة ايطالية تدعى بانتالريا وقد حاولت والضيوف الذين حضروا المهرجان أن نعيش كذبة كبيرة تسمى التنظيم الأوروبي, ففي الواقع العربي يظل الربط بين تنظيمنا للفعاليات المختلفة والتنظيم الأوروبي والأمريكي ظالما, إذ يتفوق علينا النموذج الأوروبي في تصورنا الجاهز, وفي تصور الآخرين كذلك, بدءا من التقاء نظرنا بالفتاة الشقراء ذات العينين الزرقاوين وانتهاء بها أيضا. وفي ايطاليا حاولت أن أقارن النموذج المعد سلفا عن التنظيم, وما رأيته فعلا ووجدت أننا متواضعون بالمعنى الذي يحمله التواضع وليس الامكانيات والقدرات البشرية, فنحن نملك قدرات تنظيمية تفوق ما يقدمه الأوروبيون مئات المرات ولكننا لا نقدّر أنفسنا ذاك القدر, ولا نعطي أنفسنا حق الدعاية التي نستحقها فعلا. لقد حاولت والضيوف الذين عاشوا صدمة سوء التنظيم أن نجد مخرجا آخر يجعلنا نتنفس هواء لم تلوثه كذبة المهرجان, ومن هنا كان البحث عن لغة حوارية مع أهالي جزيرة بانتالريا, تلك اللغة التي أفرزت مفاجآت لم يتوقعها الحاضرون, فقد اكتشفنا (ان الأرض بتتكلم عربي) فمباني هذه الجزيرة المحاذية لجزيرة صقلية وشوارعها وجبالها وأزقتها وأسواقها تتحدث العربية رغم ان أهلها لا يتحدثونها, فبانتالريا هي تحريف واضح لبنت الريح, وهناك مفردات أخرى كثيرة تستعمل في الحياة اليومية منها كالأكادير أي قلعة قادر, وكيمه بمعنى خيمة, ومكزان بمعنى مخزن, وكالات نيسا أي قلعة النساء, ومرسالا بمعنى مرسى الله, وكاربيا أي الغربية, وبابو الريه بمعنى باب الريح, ومزارات لوادي أي مزارة الوادي, وكنيترو بمعنى قنيطرة, وكدير هي غدير, وجبل ألي أي جبل علي. ويبدو ان التأثير العربي كان واضحا في عملية البناء بطريقة الدمس التي نقلها أهالي تونس لهذه الجزيرة التي ظلت تحت الحكم العربي حتى العام 1623م فجزيرة بنت الريح لا تبعد عن الساحل التونسي سوى 70 كيلو مترا مربعا ولا يتشدد أهاليها الذين يبلغ عددهم حوالي ثمانية آلاف ساكن في تعاملهم مع السياح ولا يجدون حرجا في التحدث معهم بالاشارة إذا تعذرت لغة الكلام. وتلك اللغة المليئة بالمفردات العربية هي حال كل أهالي بنت الريح وصقلية, فمنذ مائتي سنة قدم العرب إلى صقلية وبنتالريا من تونس فحولوا خرائبها إلى حدائق غناء ونقلوا إليها أشجار النخيل وزرعوا فيها أشجار البرتقال والفستق والزعفران والموز. لقد تحولت تلك الجزيرة الفقيرة بالقطن وقصب السكر إلى بلد يزخر بالخيرات وجزيرة رائعة تزدان بالقصور المثيرة والمساجد, واستخدم المتعلمون فيها أثناء كتاباتهم ورقا أبيض كان أول ورق عرفته أوروبا, وبالتالي انتقلت اللغة العربية من هذا البلد ومن اسبانيا إلى أوروبا بل وأثرت في الكثير من مفردات لغتها عندما كانت تعيش قرون الانحطاط, فقد كان طبيعيا أن يندمج النورمانديون وهم لا يملكون حضارة ولا موهبة بما وجدوه من حضارة عربية في صقلية, ومن هنا نهجوا نهج الأمراء العرب برغم ارتباطهم بعقود الطاعة مع البابا, فخصصوا لهم ولرجال دولتهم قصور العرب, بل بنوا قصورا جديدة على الطراز العربي تتوسطها الحدائق الغناء مزدانة بالنافورات والزينات العربية, وزادوا بأن أطلقوا عليها أسماء عربية وأن يتصدرها اسم الله, ففي احداها كتب (بسم الله الرحمن الرحيم) , قف وانظر فسترى عملا رائعا يخص أحسن ملوك الأرض: فيلهلم الثاني. ومن هنا نجد واضحا ان الكثير من المفردات العربية انتقلت من صقلية واسبانيا إلى أنحاء أوروبا, ومن يقرأ القاموس الألماني مثلا يكتشف هذا التأثير الواضح فنجد كلمات مثل ماكزن أى مخزن, ومكاما أي مقامه, وماسكرا أي مسخرة, أو قناع وماستابا أي مصطبة, ومسكين بنفس المعنى, ومكاترا بمعنى مخاطرة, وميره بمعنى مر, وسفاري من سفر, وسموم من ريح السموم, وشك من صك, وصوفه من صفه وهو المقعد المظلل, وتأريف من تعرفه, وزيبيب من زبيب, وأسكري من عسكري والموناخ بمعنى المناخ وغيرها من المفردات والكلمات التي تأخذ نفس التركيب والمعنى والتي تفوق الخمسمائة كلمة في التعامل اليومي بألمانيا وحدها فما بالنا لو قمنا ببحث متأن في القاموسين الاسباني والايطالي. أعود من حيث بدأت فأقول انها تجربة مثيرة لم تتحقق إلا في ظل سوء تنظيم المهرجان, ويبدو ان مصائب قوم عند قوم فوائد!