الدكتور صوفي ابو طالب من ابرز السياسيين المصريين الذين عاصروا فترة ساخنة في حياة مصر والعالم العربي, كما انه تولى رئاسة مصر بضعة ايام في المرحلة الانتقالية عقب اغتيال الرئيس الراحل انور السادات , وكان ابو طالب يومها رئيسا لمجلس الشعب, وشاهدا على حادث المنصة. (البيان) التقت نائب محافظة الفيوم الحريص دائما رغم اعتزاله العمل السياسي, على ان يتواجد بين ابنائها ليلتف حوله الابناء والاحفاد. وتحدثنا مع ضيفنا في هذا الحوار حول القضايا المطروحة على الساحة الاسلامية, وعلاقة المسلمين بالغرب ومقولات صراع الحضارات والحوار بين الاديان, وقضايا اخرى عديدة. الحوار لتخفيف الصراع تتعالى صيحات الحوار بين الغرب والعالم الاسلامي من آن لآخر.. ما رؤيتكم لاهمية هذا الحوار؟ ــ العالم يمر اليوم ــ ونحن على مشارف القرن الجديد بمرحلة تطور هامة في تاريخ البشرية نتيجة لثورتي المعلومات والاتصالات التي جعلت العالم قرية صغيرة تتلاقى فيها الحضارات المتباينة والثقافات المختلقة تتفاعل حينا وتتصارع اخرى حيث ظهر اتجاهان عالميان متناقضان.. يستهدف احدهما التكتل الاقتصادي والسياسي الاقليمي بينما يسعى الاخر الى احياء الصراعات العرقية والطائفية والدينية والحضارية بين الدول وداخل الدولة الواحدة بهدف تفتيت العالم بالقوة المسلحة, وصاحب هذه الاحداث انقسام العالم الى دول متقدمة واخرى متخلفة فقيرة وتحولت الفجوة بينهما الى جفوة , انتهت باستعلاء اصحاب الحضارة المنتصرة ومحاولة فرض مبادئها وقيمها على الشعوب الفقيرة الاضعف. والعالم الاسلامي كان في ساحة هذا الصراع خاصة مع تزايد الصحوة الاسلامية بين ابنائه والتي تسعى نحو احياء التراث الاسلامي والعمل بأحكام الاسلام في تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مستمدين ذلك من الكتاب والسنة لان الاسلام دين ودولة, ويرفض العالم الاسلامي الانسلاخ عن اصوله الدينية والثقافية والحضارية, بينما يحاول الغرب فرضها بالقوة مما رشح بوادر ظهور الصدام واذكى هذه الروح الدور السلبي للاعلام الغربي في تشويه الصورة الحقيقية للاسلام والمسلمين عن قصد, وفي خضم هذه الاحداث يصبح الحوار الاسلامي المسيحي ضرورة لوضع الامور في نصابها وتبصرة العالم بحقيقة الاسلام والسعي نحو تحقيق التعايش والتفاعل الايجابي بين مختلف الحضارات والشعوب التي تدين بدين سماوي انطلاقا من قول الله تعالى (ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى, ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا) . وهذا الحوار يهدف الى التأكيد على القيم المشتركة والايمان بالله والاخلاق الفاضلة وتكريم الانسان ونبذ التعصب والكراهية بين اتباع الاديان والتخفيف من حدة العداء وغرس قيم الاحترام المتبادل بينهما وحسن الجوار وافساح المجال للمحبة والتسامح الديني لانقاذ الانسانية مما تتردى فيه من الالحاد والفساد الاخلاقي والاضطهاد الديني والطائفي والعنف والارهاب. يثور الجدل من آن لآخر حول (الجزية فما رؤيتكم لهذه القضية اليوم؟ ــ بداية لابد من التأكيد على ان الاسلام يسمح لغير المسلم ان يشغل سائر الوظائف العامة في الدولة ادارية كانت او سياسية وعلى رأسها منصب الوزارة, ولكن يستثنى من ذلك المناصب ذات الطابع الديني مثل الخلافة والامارة على الجهاد, وهو امر طبيعي لان الاسلام دين ودولة وان الكثرة الساحقة من ابناء دار الاسلام من المسلمين. كما ان بعض الدساتير الحديثة في الدول المعاصرة المتقدمة مثل دول اسكندينافيا تشترط في رئيس الدولة ان يكون من دين اكثرية السكان. والجزية نظام معروف في كل الشرائع القانونية القديمة وسقطت بقيام الثورة الفرنسية ولكن اسباب وجوبها وشروطها تختلف في الاسلام عنها في هذه الشرائع والتي كانت الجزية فيها دليلا على الخضوع والتبعية للدولة الفاتحة وتطبق على كل ابناء البلاد دون تفرقة بين ذكر وانثى ودون تفرقة بسبب الدين او الجنسية ولا يعفي منها الا ابناء البلد المنتصر, بينما الجزية في الاسلام حسبما انتهى اليه رأي الجمهور فهي تجب على اهل الكتاب في دار الاسلام مقابل حقن دمائهم وارواحهم وممتلكاتهم وتوفير الامان لهم فضلا عن كونها بديلا عن ضريبة الدم لانهم كانوا لايجندون في الجيش الاسلامي اذ كانت الخدمة العسكرية تطوعية ولذلك كانت لاتجب الجزية على غير القادرين على حمل السلاح مثل الشيوخ والنساء والاطفال والرهبان.. الخ وهذا ليس دليلا على تحقيرهم وانما في حالة انخراط ابناء اهل الكتاب طواعية في الدفاع عن دار الاسلام تسقط عنهم الجزية وهو مانراه اليوم حيث ينخرط ابناء غير المسلمين من المسيحيين في الدفاع عن ارض الوطن من خلال التجنيد في الجيوش في الدول الاسلامية مما يجعل الجزية اليوم ساقطة بلا جدال لان الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. تسامح تعاني الاقليات الاسلامية في بعض الدول غير الاسلامية لجنوب افريقيا وغيرها صعوبة الاحتكام الى الشريعة في قضايا الاحوال الشخصية ماهو موقف الاسلام من الاحوال الشخصية لغير المسلمين؟ ــ مصطلح الاحوال الشخصية ظهر حديثا في كتب القانون تأثرا بالفقه الغربي وهو يعني مجموعة الاحكام التي تنظم حالة الشخص كانسان وما يتمتع به من صفات طبيعية او وضع عائلي او ديني ومن اهم هذه الاحكام تلك التي تنظم اهلية الانسان وعلاقاته الاسرية من خطبة وزواج وطلاق وحقوق وواجبات للزوجية واثار الطلاق وما يتعلق بالابوة والبنوة والنفقة بين الاقارب, وهذا المصطلح لم يعرفه الفقهاء المسلمون. وقد ربط الفقهاء الاحكام التي تنظم الاسرة بالعبادات لاتصالها الوثيق بالدين وانطلاقا من التسامح الديني, اعترف الاسلام بالديانات السماوية السابقة وكفل حرية العقيدة وممارسة موجباتها, كما انه انفرد بين الديانات السماوية بالسماح بتطبيق ما تأمر به الديانة السماوية التي يعتنقها غير المسلم ولو خالفت هذه الاحكام تلك التي يأمر بها الاسلام. كما تدل كتابات الفقهاء والمؤرخين ووثائق اوراق البردي وغيرها على ان امور الاحوال الشخصية المتعلقة بالانفس دون الاموال قد ترك امر القانون الواجب التطبيق الى ما تأمر به ديانة اهل الكتاب, كما ترك لهم حق الالتجاء الى رؤسائهم الدينيين للفصل في المنازعات التي تثور بشأنها ولا ينتقل الاختصاص الى الشريعة الاسلامية والقاضي المسلم الا اذا اختلفت ديانة الخصوم او كان احد طرفي الخصومة مسلما في حين ان كل ما يتعلق من الاحوال الشخصية بالاموال واهمها الميراث والوصية فانها تخضع لاحكام الشريعة الاسلامية. وقد ظل هذا الوضع سائدا طيلة العصور حتى اصدرت بعض الدول الاسلامية قوانين بتوحيد الاختصاص القضائي ومنها مصر بقانون صدر عام 1955 ولكن المحاكم ملتزمة بتطبيق احكام الديانة بخصوص الاحوال الشخصية لغير المسلمين اذا تعلقت بالنفس مثل الزواج او الطلاق والخطبة.. غيرها. نكران الجميل ماهو الدور الحضاري للعرب والمسلمين في الغرب؟ ــ لاينكر احد ان عصر النهضة في اوروبا تأسس على اكتاف وعقول المسلمين والعرب سواء في مجال العلوم الطبيعية او الفلسفية او الانسانية, وتشهد على ذلك معاهد الترجمة من اللغة العربية الى اللغات الاوروبية منذ القرن الثاني عشر الميلادي, ثم انقطعت الصلة بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية الفتية, ومنذ الحرب العالمية الثانية بدأ المهاجرون المسلمون والعرب في المشاركة بقدر محدود في الحضارة الغربية ونبغ منهم اسماء يشار لها بالبنان. وحدث نفس الامر في امريكا, كما كان لهم دور لاينكر في تعمير اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فضلا عن ان كثيرين من المسلمين الذين تجنسوا بجنسية الدول الاوروبية او الامريكية دافعوا بدمائهم عن حضارة العالم الغربي ضد النازية والفاشية والشيوعية كما دافعوا عنها باقلامهم في دور العلم والجامعات وما ان قامت اوروبا من كبوتها حتى بدأ المسلمون يلقون جزاء (سنمار) . ما هو جزاء (سنمار) , هل يعني ذلك عدم تمتع المسلمين بحقوقهم كما هو حال غير المسلمين في بلادنا؟ ــ يتعرض المسلمون المقيمون في اوروبا الى عدد من المشكلات الخارجة عن ارادتهم والتي تعكس مدى تنكر الاوربيين لهم بعد بنائهم للنهضة الاوروبية جنبا الى جنب مع ابنائها ودفاعهم ضد الشيوعية والنازية والفاشية.. حيث تنتشر ضدهم مؤخرا موجة الكراهية والتعصب القومي والديني, وتعددت القيود الاجتماعية والقانونية المفروضة عليهم ولا نستطيع حصر الامثلة ولكن ندلل فقط بمثالين من فرنسا والمانيا. ففي فرنسا معقل ثورة الحرية والاخاء والمساواة منعت دخول العرب والمسلمين اليها منذ بداية هذا العقد وضايقت الطالبات المسلمات اللائي ارتدين زيهن المحتشم بدعوى حماية النظام العام والقيم العلمانية.. في الوقت الذي يسمح لليهوديات بلباس غطاء الرأس الخاص بهن ,وكذلك المسيحيات باظهار صلبانهم باسم الحرية الشخصية, وموجة الكراهية والاضطهاد بلغت مداها من جانب احزاب اليمين اذ يصرح زعيمهم (لوبان) بان مستقبل فرنسا في خطر اذ سيأتي اليوم الذي يضطر فيه الفرنسي ان يمد يده لطلب الصدقة على ابواب المساجد يوم الجمعة. احياء التعصب الممقوت وفي المانيا يتصاعد اضطهاد الاقليات الاسلامية بها حتى ان بعضهم تعرض للاحراق حيا في المنازل هم واطفالهم اثناء نومهم ويصل التحدي لمشاعر المسلمين مداه حينما تعمد انجلترا الى حماية (سلمان رشدي) ونشر كتبه التي تتهجم على الاسلام كما منح البرلمان الاوروبي في ستراسبورج عام 1994 جائزة سخاروف الادبية الرفيعة الى (نسرين تسليمة) المرتدة عن الاسلام والمتعصبة ضده. وعلى العكس من ذلك قامت وسائل الاعلام الصهيونية الغربية باثارة الجماهير حينما منح اتحاد الناشرين الالمان السيدة (آنا ماري شميل) جائزة السلام عام 1995 لما قامت به من اعمال وكتابات دفاعا عن الاسلام على مدى نصف قرن من حياتها. وفي الولايات المتحدة الامريكية المدافعة عن حقوق الانسان تنتشر جماعات التنصير وتكوين الجمعيات التي تدعم الفكر المنحرف عن الاسلام مثل القاديانية والبهائية وغيرها. بل ان فرنسا بلد الحرية والتنوير انشأت عام 1967 اكاديمية لاحياء اللغة البربرية وكتابتها لتضعف اللغة العربية في الجزائر لغة القرآن وتشق وحدة الشعب الجزائري في الوقت الذي ترفض فيه الاعتراف بلغة الاقليات التي تعيش في فرنسا منذ اقدم العصور. وهكذا ترد الدول الاوروبية الى العالم الاسلامي الجميل باحياء التعصب الصليبي الممقوت وتنشر ثقافة الكراهية ضد الاسلام والمسلمين ويزيد من خطورة هذا الموقف ان الغرب يحتكر وسائل الاعلام في العالم كله ولايستطيع ان ينفذ اليها صوت يدافع عن الاسلام والمسلمين. القاهرة ــ مكتب البيان