عرفت العرب منذ أزمنتها القديمة وحتى يومنا هذا روح الفكاهة والظرف, وزخر التاريخ العربي قديمه وحديثه بأولئك المتفكهين, الذين يتمتعون بروح الدعابة والنكتة, ولهذا لا عجب أن نرى ونسمع في مجالسنا وبين اصدقائنا من يروي النكتة ويسبكها, بل ويتفنن في سردها بأشكال وقوالب مسرحية مثيرة. ومن منطلق هذا الفن الحكائي الجميل استوقفتني بعض الحكايات الطريفة والروايات المسلية والمواقف التي يمر بها بعض الاشخاص. هذه الطرائف والقصص والحكايات, جميل ان تسمعها على لسان اصحابها, والراوي هنا شخص ظريف خفيف الظل, يمتاز بهدوء الاعصاب بدرجة كبيرة, فهو طيب المعشر لا يغضب ولا يفقد اعصابه, ولا يثور ولا يتأفف, ولا يتنرفز, وفوق هذا وذاك لا يحمل الدنيا على رأسه أبداً. صديقنا هذا الابتسامة لا تفارق شفتيه, دائماً يحكي قصصاً وحكايات مسلية نذكر أطرفها كما رواها لنا.. زميلنا عبدالله جمعته (عشرة عمر) مع (ابو الشوارب) وابو الشوارب بالمناسبة ايضا رجل طيب وعلى (ويهه) كما يقول مثلنا الدارج.. جمعت الاثنين زمالة دراسة بدأت بمدينة العين وانتهت في (بين السرايات) بمصر. عندما يروي عبدالله قصص وحكايات, أبو الشوارب يتفاعل معها بمشاهد درامية مؤثرة, ويحكيها في سيناريوهات جميلة ممتعة, فهو يروي (الحدوتة) بجميع تفاصيلها الدقيقة, بل ويضيف عليها ملحاً وبهاراً. يقول عبد الله عن أحد مواقفه مع أبو الشوارب: كنت مشغولا ذات مرة بمراجعة بعض الدروس في منزلنا بمدينة العين التي احببتها وعشقتها انا وزميلي ابو الشوارب الذي كان يحلم دائماً ان يصبح من الأثرياء. فرغم انه كان طالبا يسكن القسم الداخلي الا ان طموحه كان كبيراً.. ويأخذه غالباً الى عالم الاحلام المثيرة. أبو الشوارب ومن دون سابق انذار صرخ مجلجلاً بأعلى صوته في ذاك اليوم (ياك الخير يا عبدالله) ! إلتفت مذهولاً بعد أن رميت الكتاب الذي كنت أقرأه من شدة الصرخة وإذ أبو الشوارب ينبطح أرضاً وكأنه في معركة, وبشكل لا إرادي وجدتني مثله انبطح أرضاً وأخفض رأسي خوفاً وهلعاً... وما هي إلا ثوان حتى وجدت صاحبي قابضاً بكلتا يديه على ملاءة السرير في لحظة استعداد للوثوب على شيء ما, فالخوف أعمى عيوني, فلم أر إلا سواداً... قلت بصوت خفيض: ما الذي حدث... لماذا تنبطح أرضاً وفي يديك هذه الملاءة... هل أقتحم الشقة حرامي, وأين هو؟ ــ قال بصوت أكاد لا اسمعه... هس, لا ترفع صوتك حتى لا يسمعك! ارتعدت خوفاً فربما كان يمسك في يديه مسدساً أو ساطوراً. اردفت من جديد... أين هو الحرامي؟ ــ قال: أين ذهب نظرك, من قال انه حرامي, ألا ترى ذاك الصقر الواقف على (البلكونة) ... انه العطية التي جاءت من السماء. وما هي إلا لحظات حتى رأيت ابو الشوارب قافزاً بملاءته على الصقر ممسكا به دون مقاومة حيث كان مستسلماً له فتسمرت في مكاني مندهشا من عنفوان صديقي العزيز الذي بدأ يضحك بصوت عال ويرقص فرحاً, ويقول وداعاً للفقر وأهلاً بعالم الاغنياء! وفي اليوم التالي اقترح ابو الشوارب أن يرتدي (بشتاً) أسود ليبدو وكأنه من تجار الصقور وهي (عدة الشغل المعروفة) . وجد ابو الشوارب في اليوم التالي احتفالا بزواج في مدينة العين فكان بالنسبة له الفرصة المواتية لبيع الصقر.. لكن (يا فرحة ما تمت) فقد تقدم أحد الحاضرين وسأل أبوالشوارب عن ثمن الصقر فأخبره بمائة ألف درهم فضحك بصوت عالٍ مما لفت انتباه جميع الحاضرين, وقال له هذا صقري ولقد (هديته) ــ أي تركته ـ يهيم في الفضاء لأنه منهك ويعاني من عدة أمراض ولا يسوى شيئاً وما منه فائدة. ورجع الى بيته خاوياً وتحطمت آماله ورجع بخفي حنين!! ويضيف عبد الله في موقف آخر: أتانا صديق من قطر بنوع فريد من الجبن وفي تلك الأيام نادراً ما نجد مثله في الامارات, الجبن معبأ في انبوبة على شاكلة معجون أسنان قمت بوضعه على طاولة الطعام, وإذا بي مرة تجمعنا الصدفة مع أبو الشوارب الذي نادراً ما نجتمع انا وهو سويا معاً. قال يا أخي عبدالله كيف تستعمل معجون الاسنان هذا مع الخبز؟ أنا كل يوم آخذه وأفرك به أسناني ولكنه (ما يزبد) أي لا تخرج منه رغوة؟! هذا مكانه ليس طاولة الطعام. لقد كانت المفاجأة كبيرة لابو الشوارب عندما علم أن ذلك ليس معجون اسنان ولكنه نوع من الجبن محشو في انبوبة على شكل معجون الاسنان وكانت دهشته كبيرة للغاية لأنه لم يكتشف طعم الجبن رغم استخدامه (المعجون) لمدة اسبوع. ومن النوادر التي تحكي المقالب التي يتعرض لها البشر والخلط بين معجون الاسنان والحلاقة تحضرني قصة أخرى.. ذات يوم قررت إحدى السيدات أن تقضي الليل وتنام عند صديقتها, حيث ان زوجها مسافر. وفي الصباح الباكر استيقظت الصديقة ودخلت الحمام ونسيت تلبس نظارتها الطبية فاذا بها تتناول كريم الحلاقة بالنعناع بدلا من معجون الاسنان وتنهمك في دعك اسنانها بالكريم ذي الرغوة. وكانت المفاجأة عندما علمت انه معجون الحلاقة وليس معجون الاسنان عندها صرخت بأعلى صوتها منك لله يا فلانة, إيه اللي عملتيه فيّ يا أم... ** أما الموقف الآخر والذي لا ينساه عبدالله عندما انتقل الزميلان الى المقاعد الدراسية في القاهرة وأثناء حرب الاستنزاف بين مصر واسرائيل. كان أبو الشوارب يتمشى في أحد شوارع القاهرة مرتدياً (كندورة) وبشتاً, وإذا بالاهالي ينهالون على أبو الشوارب ضرباً بكل قوة و(بالجزمة القديمة) ظناً منهم أنه طيار المقاتلة الاسرائيلية التي اسقطتها وسائل الدفاع المصرية وأن ابو الشوارب هو الطيار الذي نزل عليهم بالبارشوت, حيث قال أحدهم (أنه شافه وهو ينزل بالبارشوت).. بعدها حرم ابو الشوارب الخروج من البيت. أما عبدالله فمازال يذكر تلك الايام لأنها مواقف قد لا تحدث للكثيرين ولكنها ليست كالأفلام أو الروايات القصصية ولا هي من نبع الخيال.. بل هي مواقف حقيقية يقع فريستها ظرفاء القوم, فهي مواقف تستحق أن تسجل. وفي تراثنا الكثير من المواقف المضحكة والتي لا تخلو من الطرافة والنكتة كموقف الأمير الذي أمر ان يغلق باب المدينة للقبض على طائر طار منه.. ومن الروايات الظريفة أن أحد أمراء العجم دعا خادمه ليلاً وكان الخادم نائماً فقام فزعاً فسقط على الأرض فلما سأله ما هذا الصوت الذي سمعته قال الخادم عباءتي وقعت, فقال له سيده لم يكن ذلك الصوت صوت عباءة, قال: أنا كنت في جوفها!!