شيعت بعد صلاة ظهر امس الثلاثاء جنازة الاديب والصحفي الكبير فتحي غانم, انطلقت الجنازة من مسجد محمود بحي المهندسين في القاهرة, وشارك فيها عدد محدود من كبار الصحفيين والمبدعين والنقاد . كان فتحي غانم قد وافته المنية ليلة الثلاثاء في مستشفى الصفا حيث كان يعالج من عدة امراض, أهمها الفشل الكلوي وسرطان الكبد, وكان غانم قد عولج قبل اكثر من عام من سرطان بالامعاء واستئصلت له اجزاء من امعائه... كذلك اجرى جراحة في عينيه العام الماضي. وكان قد رفض عرضا بسفره للعلاج بالخارج على نفقة الدولة قائلا: ( أشعر انني سأموت لو سافرت, ولن اسافر للعلاج مهما كانت حالتي) . شغل غانم قبل وفاته منصب مقرر لجنة القصة والرواية بالمجلس الاعلى للثقافة منذ عام ,1997 وخلال ترؤسه لهذه اللجنة تحمس لإبداعات الروائيين الجدد وتبني أعمالهم داخل المجلس, وقد كان وراء منح جائزة الدولة التشجيعية سنة 97 لفتحي امبابي عن روايته (راعي القتل) رغم اعتراضات بعض النقاد نظراً لجرأة الرواية وخروجها على المألوف, كذلك كان وراء نشر رواية ادريس علي (انفجار جمجمة) وأعد مقدمة لها, رغم الاعتراض السياسي عليها, وقد نالت تلك الرواية تكريم وزارة الثقافة والرئيس مبارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام واعتبرت أفضل رواية لعام 1998. ولد فتحي غانم بالقاهرة وتخرج من كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول ــ القاهرة حاليا ــ سنة ,1947 وعمل محققا بوزارة المعارف, وكان زميلاً لكل من عبد الرحمن الشرقاوي وأحمد بهاء الدين, وكان الثلاثة في مكتب واحد.. وارسلته وزارة المعارف في مهمة قانونية الى (القرنة) في صعيد مصر بالقرب من الاقصر - ليحقق في اعتداء الأهالي على بعض المباني والأملاك الحكومية, وهناك كان حسن فتحي يقيم مشروعه المعماري ليترك الاهالي مساكنهم من جوار الآثار في الاقصر للمباني التي اعدها لهم, ورأى فتحي غانم بعينيه رفض الاهالي ان يتركوا مواقعهم, وتعاطف معهم, وتلك كانت بداية روايته (الحيل) التي دخل بها عالم الادب, وبعد ثورة 1952 ترك العمل بوزارة المعارف واستقطبه احسان عبد القدوس للعمل بالصحافة في مجلة (روز اليوسف) ولمع اسمه بسرعة كصحفي وكاتب, وتولى فتحي غانم في عهد الرئيس عبد الناصر رئاسة تحرير جريدة الجمهورية , ثم وكالة انباء الشرق الاوسط .. وفي عهد الرئيس السادات تولى رئاسة تحرير (روز اليوسف) وانضم بعد ذلك الى الحزب العربي الناصري ثم استقال منه, وتفرغ للحياة الادبية. واقتصرت علاقته بالصحافة في السنوات الاخيرة على صفحة اسبوعية يكتبها لروز اليوسف. قدم الراحل عدة روايات بالغة الأهمية, (الساخن والبارد) تجربة شاب شرقي في الغرب وتحديداً في البلاد الاسكندنافية و(حكاية تو) التي تعرض فيها لتجربة التعذيب داخل السجون والمعتقلات وماينتج عنه من جرائم انسانية وتمزقات نفسية وقدم رواية أحمد وداود عن اوضاع الفلسطينيين داخل الاراضي المحتلة وهي أول رواية مصرية تدور كل احداثها داخل معسكرات اللاجئين الفلسطينيين والتي نشرت وقت نشوب الانتفاضة الفلسطينية أواخر الثمانينات وقدم ايضا رواية (قليل من الحب كثير من العنف) والرواية تقوم بتشريح الطبقة الجديدة في مصر, التي طفت على سطح المجتمع مع اتجاه الرئيس السادات منذ 1975 إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي.. كذلك قدم رواية (بنت من شبرا) تدور أحداثها في العشرينات وما بعدها, وتعكس الرواية جو التسامح الذي كان يسود هذا الحي - شبرا - ومن ثم كل المجتمع, مقارنا بأحداث العنف والتطرف التي شهدها ذلك الحي منذ أواخر السبعينات. تلك المجموعة من الروايات صدرت في العشرين عاما الأخيرة, وعالجت القضايا الساخنة في المجتمع, قضية الحريات السياسية والديمقراطية, وقضية الصراع العربي - الاسرائيلي ومستقبل القضية الفلسطينية, ثم مسألة الحراك الاجتماعي والاقتصادي وتوحش الطفيليين, وأخيرا قضية التشرد والتطرف بين الجماعات الجديدة في المجتمع .. وأكدت هذه الروايات قدرة الروائي والمبدع على أن يصوغ كل قضايا الوطن ويعبر عنها بصدق وبعمق ــ وإذا كان فتحي غانم قد ابتعد في العقدين الأخيرين عن المطبخ الصحفي فإن إحساسه ووجدانه ظلا حيين ومتابعين. لكن شهرة فتحي غانم الروائية والأدبية جاءت من روايتيه الشهيرتين (الرجل الذي فقد ظله) وصدرت في جزءين ورواية (زينب والعرش) والروايتان تدوران في كواليس الصحافة المصرية أيام تأميم المؤسسات الصحفية, وتشيران بالتلميح إلى شخوص من كبار الصحفيين. وقد تحولت كلتا الروايتين الى أعمال درامية عرضت على الشاشة عدة مرات في مصر وخارجها.. وقد سئل فتحي غانم ديسمبر سنة 1997 في هذا الجانب, فقال: حين اكتب لا اقصد شخصا بعينه, ولو قصدت ذلك فسأكتب المقال, وليس الرواية, انا اعني في الفن بالحالة كلها.. ويمكننا القول ان فتحي غانم افضل من قدم حالة الصحافة المصرية من داخلها, الصراع والتنافس بين اجيال الصحافة, الصراع بين السلطة والصحفيين وغيرها. وأول من التفت الى اعمال فتحي غانم الادبية النقاد الاجانب لقد بهرت الرجل الذي فقد ظله ديزموند ستيوارت واعد دراسة مهمة عنه, واعتبرها رواية كاشفة للاوضاع السياسية في مصر في الستينات. وحين صدرت رواياته الاخيرة قال انهم في اسرائيل يعدون دراسة دكتوراة عنها. في العام الأخير كان غانم يحلم بأن يكتب الرواية عن كواليس النوادي والفرق الرياضية المصرية, ورغم عدم اهتمامه بكرة القدم, فإنه كما قال: أتابع الصحافة الرياضية, وأشعر بالحيوية داخل النوادي وبين الفرق, مؤامرات ومقالب, انتصار وهزيمة, صعود وهبوط, نجوم يجيئون بسرعة ويرحلون بسرعة, هذا يذكرني بأمر الألاعيب السياسية في الأربعينات وكان يرى ان تلك النوادي تتمتع بروح ديمقراطية حقيقية تمنى ان تنتقل إلى المجتمع كله, ولكن حالته الصحية لم تكن تسمح له بكتابة مثل تلك الرواية. نال فتحي غانم جائزة الدولة التقديرية, ووسام الدولة من الرئيس مبارك في عيد الاعلاميين, واختير العام الماضي عضوا بهيئة مكتب المجلس الاعلى للثقافة بمصر, ورغم كل هذا التكريم فان النقاد المصريين تجاهلوه طويلا, ولم يكن غاضبا من ذلك وكثيرا ما سخر من تلك الحالة. والحقيقة ان الروائيين الكبار الذين عملوا بالصحافة, ظلموا من النقاد وقد اصروا على انهم صحفيون فقط حدث هذا مع احسان عبدالقدوس وصالح مرسي وايضا فتحي غانم. تميز فتحي غانم عن معظم الروائيين والقصاصين في نموذج المرأة الذي قدمه في رواياته, المرأة لدى نجيب محفوظ ضعيفة ومهزومة ومستسلمة وربما غانية كما في روايته بداية ونهاية والثلاثية وغيرها, وهي عند احسان عبدالقدوس مستسلمة وساقطة احيانا, ولدى يوسف ادريس ضحية الظلم الاجتماعي, لكنها في النهاية (خاطئة) الحرام والعيب نموذجا, ولكنها عند فتحي غانم ايجابية جدا, قوية مواجهة, صريحة ومتسقة مع نفسها. وربما ينتبه نقادنا يوما إلى اعماله وقيمته الادبية, ولعل وفاته تقنعهم بذلك. القاهرة ــ مكتب البيان