كان أول ما فعله صاحبي عندما رآني أن بادرني بالحديث قائلا: هل تعرف أنني ظللت أراجع كتبي بالأمس لأعرف المزيد من الدراسات النفسية الحديثة عن العقم من حيث هو نقيض للإبداع على كل المستويات , فاكتشفت دليلا جديدا على ما سبق أن انتهيت إليه من أن التركيز على دراسة الجمال يدفعنا الى عدم التعمق في دراسة القبح, فأغلب ماعثرت عليه من دراسات يتصل بالإبداع, ولا يتعرض للعقم إلا من حيث اتصاله بعوائق الإبداع, وليس من حيث هو موضوع للدراسة في ذاته, قلت لصاحبي: ولكنك لا تعرف أستاذا لي, أعتز بأستاذيته كل الاعتزاز, تولى دراسة العقم من حيث هو نقيض للابتكار في الشعر, وكان هذا الأستاذ الجليل هو الوحيد بين أقرانه في هذا الفعل, فلا أعرف بين أساتذتي أو حتى غيرهم من الكتاب العرب من اهتم بدراسة مشكلة العقم مثلما فعل أستاذي عبدالعزيز الأهواني عليه رحمة الله, في كتابه التأسيسي (ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر) الذي صدر عن مكتبة الأنجلو المصرية في القاهرة سنة 1962 منذ ما يزيد على خمسة وثلاثين عاما. ولا أعرف على وجه التحديد السياق الذي دفع الأهواني إلى إصدار هذه الدراسة التي تدور حول الشاعر المصري القاضي السعيد ابن سناء الملك الذي عاش في العصر الأيوبي, ومدح صلاح الدين, ونسبه المؤرخون الى مدرسة البديع التي عدوا القاضي الفاضل زعيما لها, وجعلوا من تلاميذها ابن سناء الملك وابن النبيه وعمر بن الفارض ومحيي الدين بن عبد الظاهر وابن نباته وغيرهم, وذلك مقابل مدرسة المعاني التي عدوا البهاء زهير زعيما لها مع صديقه جمال الدين بن مطروح, وجعلوا من تلاميذها أبا الحسين الجزار والسراج الوراق ونصير الدين الحمامي. ربما كان من دفع الأهواني إلى هذه الدراسة هو اهتمامه بالهوامش الشعرية, فقد بدأ حياته بدراسة الموشحات الأندلسية, وأتبعها بدراسة فن الزجل في الأندلس, فدفعته حماسته لحيوية الإبداع المتصل بالجماهير الى مراقبة غياب هذه الحيوية عندما يغيض الشعور بالحياة ويختفى من وجدان الشاعر, فتنقطع صلته بالجماهير التي يستبدل بها صلة بديلة مع الشعراء الموتى الذين يتبعهم اتباعا. ربما كان الأمر كذلك, وربما كان شيئا آخر. لكن المهم أن عبدالعزيز الأهواني توقف عند ظاهرة العقم, وحاول أن يكتشفها, ويسلط عليها الضوء, محاولا الوصول إلى أسبابها, وذلك بدراسته شعر ابن سناء الملك بوصفه نموذجا لدراسة قضية أكبر, ظلت تشغل الأهواني الى نهاية حياته. وقبل أن ألفظ الكلمة الأخيرة صاح صاحبي الذي عاد الى مشاكسته القديمة وقال: ها أنت تعود إلى حيلك إياها, وتجرني الى منطقة تخصصك لكي تدفعني الى الإنصات إليك, وعدم الإسهام الفاعل معك في الحوار, لكن قل لي أولا: كيف فعل الأهواني ذلك؟ قلت: ذلك هو الفرق بين دراسة الأهواني لشعره ودراسة أقرانه للمعاصرين لابن سناء الملك وغيره من شعراء البديع أو المعاني, فزملاء الأهواني درسوا هؤلاء الشعراء كما تعود أساتذتهم الدرس من دون تفكير في المنهج المتبع, كما لو كانوا ينظرون إلى موضوع دراستهم بالعدسات نفسها التي استخدمها غيرهم بوصفها الأداة الطبيعية في النظر, أما الأهواني فقلب القاعدة, ونظر الى العدسات نفسها في الوقت الذي نظر فيه الى الموضوع. فاكتشف أنه لابد من تغيير العدسات, وضبط زوايا الرؤية على نحو مختلف حتى يستطيع أن يرى على نحو أدق. وعندما صنع ذلك, فعل الأمر نفسه الذي فعله ريتشاردز مع الاحتراز في التشبيه بالطبع, ونظر من حيث لم ينظر الآخرين, فخرج على القاعدة الموروثة مستبدلا بالمعتاد غيره الذي لا يبدأ من الابتكار أو الإبداع وإنما يبدأ بالعقم. هم صاحبي يمقاطعتي ولكني أوقفته بيدي أن انتظر, ومضيت في الكلام قائلاً: كان يمكن للأهواني أن يدرس شعر ابن سناء الملك مثلما كان يفعل غيره, فيبحث عن التجربة الوجدانية التي لن يجدها, أو عن جوانب التفرد الإبداعي بمقاييس نظرية التعبير أو مبادىء النقد الجديد الذي كان سائدا في ذلك الزمان. ولكنه لم يفعل ذلك لإدراكه إنه إذا فعل لن ينتهي به الأمر الى شيء إيجابي أو حتى جديد, فقرر أن يقلب القاعدة, وأن يبدأ دراسته من حيث نتيجة العقم الذي انتهى إليه شعر ابن سناء الملك, وأن يضع العقم موضع المساءلة, ويقوم بتحليله تحليلا يكشف عن كيفية تشكله وسبل الوصول إليه, فانتهى إلى أن كتب الكتاب الذي يظل وحيداً ــ فيما أعلم ــ من حيث دراسة العقم في علاقته بالابتكار وليس العكس. وانتهى إلى شيء يشبه بمعنى من المعاني ما انتهى إليه ريتشاردز قبله بسنوات طويلة, وهو أن دراسة عصور العقم في الفن لاتقل خطرا عن دراسة عصور الابتكار, ذلك لأنه لابد لنا من تعرف علل الضعف وأسباب العقم إذا أردنا لشعرنا أو إبداعنا العربي بوجه عام أن يكون خصبا ناميا حيا. قال لي صاحبي: إن كلمات الخصب والنماء والحياة التي أنهيت بها حديثك عن إنجاز الأهواني كلمات دالة من حيث علاقتها بمفهوم العقم نفسه من حيث أصله اللغوي على الأقل. وأوافقك تماما على أن العقم انقطاع للخصب وإيقاف للنماء وتعطيل للطاقة الخلاقة في الحياة أو القوة الحيوية التي تحدث عنها الفيلسوف برجسون كثيرا, وكتب عنها الكثير في كتابه (التطور الخلاق) . ولكن يبدو لي أن مفهوم الأهواني عن (العقم) هو مفهوم عن الخطأ القاتل الذي يمكن أن يقع فيه الشاعر, أو ينتهي إليه الشعر حين ينعزل عن البشر في عصره, فيقطع الحبل السري الذي يصله بالحياة الوصل الذي يستمد منه الفن كله الخصب والنماء والحيوية والتجدد. قلت لصاحبي: معك حق فيما قلت, وأضيف لك ما يشبه الدليل عليه, فقد رد الأهواني عقم الشاعر الذى درسه إلى ان ذلك الشاعر, كبقية أقرانه في عصره, عاش في دواوين الشعر العربي القديم أكثر مما عاش في بيئته المعاصرة, ولم يكن يعنيه أن يكون الشعر صادقا أو غير صادق في تصوير واقعه الحي, فعاش منعزلا في شعره عن جماهير الشعب, وعاش منعزلا عن ذات نفسه هو في علاقتها بالحياة من حوله, ومنعزلا عن اللغة التي ظل يكتب بها, خصوصا بعد أن اتسعت مسافة الاختلاف بين لغة الحديث ولغة النظم, وذلك إلى الدرجة التي أصبحت بها لغة النظم أشبه بلغة أجنبية بالقياس إلى الناظم والى أبناء مجتمعه. وعندما تباعد الشاعر عن نفسه وعن الحياة من حوله, وانقطع عن لغة الحياة بالقدر الذي انقطعت لغة النظم عن لغة الناس, لم يجد سوى الاتباع مذهبا, والتقليد طريقة, ولم يبق أمامه سوى دواوين الشعراء السابقين مخرجا, فعاد إليهم ليأخذ عنهم, ويضيف إليهم بما هو من جنس صنعهم, كما لو كان يباريهم فيما سبق أن فعلوه, وينافسهم بما سبق أن قدموه, فتحول شعره إلى مباراة في إخفاء التوليد, وانقلب إبداعه الى حيل صنعة لفظية كانت الوجه الآخر من العقم. ومضى الأهواني في الكشف عن مظاهر العقم المختلفة, وكيف فهمها أمثال ابن سناء الملك على أنها براعة في الصنعة مع أنها لم تكن سوى الخطأ القاتل الذي أفضى الى العقم. قال لي صاحبي بعد أن أصغى الي دون مقاطعة: ولكن بنفسي شىء من هذا الكلام, إذ لا أزال عاجزا عن الاقتناع الكامل بأن أمثال ابن سناء الملك قد انقطعوا عن الحياة في عصرهم, كما انقطعوا عن ذواتهم, مع أنهم كتبوا عن الحياة في هذا العصر. وابن سناء الملك إن لم تخني الذاكرة كتب قصائد عن الوقائع الكبرى في عصر صلاح الدين, ودخل معارك هجائية مع غيره كما فعل غيره من الشعراء الذين كتبوا في الغزل والمجون تعبيرا عن أحوالهم النفسية وظروفهم الاجتماعية. قلت لصاحبي: هذا صحيح من حيث الظاهر فحسب, ففي شعر ابن سناء الملك وأضرابه إشارات إلى أحداث العصر, وخاصة ما اتصل منها بأعمال الملوك والأمراء وحروبهم. ولكن هذه الإشارات لا قيمة لها من ناحية القيمة الإبداعية, مهما أطال الشاعر فيها وأسرف, إذا لم تكن وراءها ثروة عاطفية حقة, قادرة على أن تنقل إلينا الحالة الشعورية للشاعر في لغة تؤثر فينا, وتوحى إلينا, وتفتح أمامنا من أبواب الحس والشعور ما تزداد به الحياة غنى. والشعر ليس ذكرا للحوادث ووصفا للوقائع الخارجية, وإنما هو استبطان الصدى العميق لهذه الحوادث والوقائع في النفس, وتجسيد للعام منها بلغة الخاص, والمجرد بلغة العيني الذي تكشفه المشاعر التي يسترجعها الوعي في تأمل والأمر نفسه فيما يبدو هجاء وهو ليس سوى نوع من التقليد لقصائد الهجاء الأقدم, أو ما يبدو مجونا وغزلا وهو ليس سوى تقليد لمجون أبي نواس أو غزل ابن الأحنف قديما. ولم يقاطعني صديقي هذه المرة ولا بادرني بسؤال, وإنما ظل صامتا كأنه يحثني على المضي فيما أنا فيه, فأضفت قائلا: إن الأهواني قد التفت إلى هذا الأمر في مقدمة كتابه, وأبانه بما كدت أنقله عنه من كلماته التي حفظتها ذاكرتي لكثرة إعجابي بكتابه. وقد ازددت إعجابا بما نبه إليه من خطأ الدارسين الذين يتوقفون أمام الشعر القديم متصورين أنه مجرد ذكر للحوادث ووصف للوقائع الخارجية, محاولين تصنيف تلك الحوادث وترتيبها حسبما وردت في شعر الشاعر, معتقدين أنهم قد أدوا واجبهم في دراسة الشاعر والكشف عن صلاته بعصره وبيئته. والواقع أن هذا النوع من الدارسين يرتكب في حق الدرس الأدبي ما يشبه الخطأ الذي ارتكبه أمثال ابن سناء الملك, فابن سناء الملك انحرف بمفهوم الشعر حين انقطع به عن الطاقة الحية للحياة حتى في داخل نفسه, وهذا النوع من الدارسين ينحرف بمفهوم الشعر بالقدر نفسه, خصوصا حين يتصورونه تسجيلا وتوثيقا خارجيا للوقائع العامة أو الخاصة, وحين يخلطون بين التقليد والابتكار, ويستبدلون مهمة المؤرخ أو كاتب الحوليات بمهمة الشاعر الذي يبتدع رؤيته الخاصة للعالم, ملتقطا بحسه وحدسه ما استقر في أعماق الجماعة التي يعيش معها, مجسدا ما ينطوي عليه من مشاعر خفية غامضة لا تراها الجماعة أو تدركها إلا في شعره, فتزداد إدراكا لحياتها ومعرفة بما لم تدركه من قبل, وما كانت لتدركه لولا الشعر من علاقات وجودها في التاريخ وبالتاريخ.