كانت الفرقة الموسيقية تستعد للاذاعة على الهواء, فلم يكن التسجيل شائعا في تلك الايام, وكانت الفرقة التي تكونت اساسا من الهواة قد تحولت الى الاحتراف بعد تشجيع المسؤولين الذين رأوا فيها شيئا جديدا , فاعضاؤها كانوا من طلبة الجامعات الذين كونوا الفرقة ليحيوا الحفلات الجامعية ثم امتد نشاطهم الى الاذاعة, وجاءوا معهم بروح شابة جديدة تحاول الجمع بين الموسيقى الشرقية والغربية وتحتفي بالاصوات الشابة وبالاغنيات الخفيفة والسريعة التي يلحنها غالبا قائد الفرقة نفسه. ولم يكن قد بقى الا بضع دقائق على موعد الاذاعة على الهواء, والفرقة تجري التجارب على اغنية جديدة ستقدمها حين جاءها الخبر بأن المطرب الذي سيغني الاغنية لن يحضر, وانه مضطر للاعتذار لظروف طارئة وقاهرة اضطرته للسفر خارج القاهرة. وكان ذلك آخر ما تتوقعه الفرقة والمسؤولون عنها, فالمطرب كان مثالا للالتزام والدقة في المواعيد, واسقط في يد الجميع لكن قائد الفرقة اشار الى احد العازفين وأمره ان يتقدم لاداء الاغنية بعد ان سأله ان كان يحفظها واجاب الشاب بانه يحفظ كل الاغاني التي ستقدم في حلقة اليوم وغيرها. وبعد بروفة سريعة انطلق من الاثير لاول مرة صوت العازف الذي وضعته الصدفة في هذا الموقف, ليصبح بعد قليل - ولعشرين عاما بعد ذلك - نجم الغناء العربي الذي شكل وجدان جيل باكمله, وما زال حتى الآن يحتل مكانه في قلوب الملايين رغم رحيله المبكر في السبعينات. كان اسمه في ذلك الوقت عبد الحليم شبانه الذي تحول بعد ذلك الى عبد الحليم حافظ .. اما لماذا اختاره قائد الفرقة الموسيقية لاداء الاغنية فوراء ذلك قصة طريفة بطلها شقيق المطرب الذي كان هو الآخر مطربا وتوسم في شقيقه الاصغر موهبة الغناء وحاول تشجيعه - ومن بين وسائل التشجيع كانت (عزومة) لقائد الفرقة الموسيقية على غداء شهي في منزل الشقيقين. وهكذا ذهب رئيس الفرقة الموسيقية الذي كان يملك ربع ساعة اسبوعيا يذيع خلالها من الاذاعة المصرية برنامجا كان فرصة للمواهب الشابة ذهب الرجل الى منزل المطربين وتناول (طاجن بامية) اعده بنفسه الشقيق الاصغر عبد الحليم , ثم جلس يستمع اليه ويعده بفرصة تحققت بعد قليل حين غاب المطرب الاصلي الدقيق في مواعيده وهو المطرب كارم محمود, فغنى عبد الحليم لاول مرة في الاذاعة, وظل هذا الحادث هو ابرز انجازات قائد الفرقة الموسيقية الذي عاش طويلا وتحول في نهاية حياته الى كاتب ومؤرخ موسيقى ثم رحل عبد الحميد توفيق زكي عن عالمنا قبل ايام في هدوء وبلا ضجيج. وبالمناسبة ... لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي غاب فيها المطرب الملتزم كارم محمود عن موعد التسجيل رغم ما عرف عنه من دقة في المواعيد واحترام لزملائه. ففي عدوان ,1956 لم يستطع الوصول الى ستوديوهات الاذاعة المصرية في موعده بسبب ظروف الحرب والغارات الجوية على القاهرة, وكانت النتيجة ان جمع الملحن العظيم محمود الشريف بعض العاملين في الاذاعة وضمهم الى (الكورس) الصغير, ليشكل من الجميع فريقا ادى بامتياز النشيد الخالد (الله اكبر) الذي خلق ليكون نشيدا جماعيا, والذي كان الاداء الفردي له مهما كان المطرب سيؤثر كثيرا في قيمته وتأثيره. اما هذه المرة فقد حل محله عبدالحليم حافظ الذي ظهر صوته عبر ميكروفون الاذاعة لاول مرة, ولم يحقق اللحن نجاحا يذكر - مثل معظم الحان عبد الحميد توفيق زكي - ولكنه فتح الطريق للمطرب الناشىء ليصبح مطربا دخل بعد ذلك في عدة تجارب حتى استقر عند محمد الموجي وكمال الطويل فكانت عاصفة عاتية اقتلعت كل ما امامها, وجعلت العشرات من المطربين يغادرون الساحة وبعضهم لم يعد للغناء بعد ذلك, وبعضهم عاد بعد عشر سنوات, وبعد ان هدأت العاصفة بعض الشيء .. ومن بين هؤلاء كان كارم محمود نفسه. اما قائد الفرقة الذي اكل (البامية) التي طبخها عبد الحليم عن آخرها, والذي اتاح له بعد ذلك الفرصة ليتحول من عازف على آلة (الابوا) وهي احدى آلات النفخ مثل الناي والفلوت, فقد اعتزل التلحين بعد ذلك, واعتزل ايضا قيادة الاوركسترا, وتفرغ بعد ذلك للاشراف على تعليم الموسيقى وللعمل مستشارا لهيئات موسيقية, وعاش حتى جاوز الثمانين, وظل حتى النهاية نشيطا لم أذهب الى دار الأوبرا الجديدة مرة الا ووجدته هناك بقامته القصيرة وجسده الممتلىء ووجه الطفولي الذي يخفي الكثير من الشقاوة, يلتف حوله الابناء وهو سعيد عندما ينادونه (بابا زكي) . وهذه (الشقاوة) كانت تختفي في كتبه العديدة التي اصدرها عن تاريخ الموسيقى والموسيقيين, فكان حديثه ــ في العادة ــ هادئا رزينا لا يحاول الإساءة الى احد من كبار الفنانين أو صغارهم. لكن الشقاوة كانت تطل بعينيها في حالة واحدة.. حينما يتحدث عن الموسيقار محمد عبدالوهاب, حينئذ يستخدم كل المعلومات التي يعرفها, ومعرفته بالموسيقى الشرقية والغربية, ووجوده في قلب الحقل الموسيقي لأكثر من ستين عاما.. يستخدم كل ذلك لكي يهاجم عبدالوهاب. فهو يصر في كل كتاباته على ان عبدالوهاب من مواليد عام 1897, ومن يعرف عبدالوهاب يعرف كيف ان اذاعة هذه (الحقيقة) كانت تزعجه كثيرا. وهو في كتابه (المعاصرون من رواد الموسيقى العربية) يتبنى كل الأقاويل التي قيلت عن (استفادة) عبدالوهاب من بعض الملحنين, وحين يروي الخلاف الشهير بين عبدالوهاب وتلميذه رءوف ذهني الذي ادعى انه صاحب عدد كبير من ألحان عبدالوهاب.. يتبنى وجهة النظر المعادية لعبدالوهاب. يقول عبدالحميد توفيق زكي في كتابه الذي نشرته هيئة الكتاب المملوكة للدولة أنه (بحكم التواجد الدائم لرءوف ذهني بالمكتب الخاص لمحمد عبدالوهاب واندماجهما الكلي فقد عرف اسرارا عجيبة لا يعلمها الا القليل من أصدقاء عبدالوهاب, منها اشتراك المطرب محمد امين في تلحين (الجندول) و(الكرنك) وما الى ذلك من الغنائيات التي نظمت شعرا, واشتراك رءوف ذهني نفسه في الحان همسة حائرة وغنائيات فيلم لست ملاكا عدا اغنية القمح التي يعرف الموسيقيون انها منقولة من الاغنية العالمية الراقصة (بولكا البرميل الكبير) التي اشتهرت في الحرب العالمية الثانية. وأنا شخصيا لا أصدق ان محمد امين هو ملحن (الجندول) و(كليوباترا) لأن من يبدع مثل هذه الالحان لا يختفي بعد ذلك ويعجز عن ابداع ألحان في مستواها أو قريبة منها, ثم يعتزل الفن ويتفرغ لادارة ملهاه الليلي حتى رحيله. ولا أصدق ان رءوف ذهني هو ملحن اغنيات ليلى مراد في (غزل البنات) , لأنه رغم نجاح العديد من أغنياته بعد ذلك لم يبلغ هذا المستوى من الابداع الذي تتميز به اغنيات الفيلم الشهير. قد يكون عبدالوهاب استفاد بجملة موسيقية من هذا, أو خاطر موسيقي من ذاك, وربما بالنسبة لرءوف ذهني بالذات, ــ كانت العلاقة الموسيقية اكبر ــ بدليل سعيه الى ارضائه عند نشوب الخلاف بينهما, ثم سعي الورثة لإسكات أرملة رءوف ذهني عندما هددت مرة اخرى باثرة المشاكل!! وقد رحل الثلاثة وبقيت القضية معلقة. رحل رءوف ذهني أولا, ثم رحل عبدالوهاب, وظل عبدالحميد توفيق زكي حتى رحل بعد ان جاوز الثمانين.. ظل محتفظا بنشاطه الذهني, يقيم الندوات, ويتابع كل ما يجري على الساحة الفنية, ويصدر الكتب, ويعد البرامج الاذاعية التي يروي فيها ذكرياته الثرية, ويتحدث عن طاجن البامية الذي اعده له عبدالحليم حافظ بيديه, وعن المطربين والمطربات الذين كان مولدهم الفني على يديه ثم انطلقوا بعد ذلك وتركوه مكانه, يتحدث عن كل ذلك ببراءة, ودون حقد على احد, ثم يستعير وجها شقيا ليوجه سهامه الى.. محمد عبدالوهاب!! وقصة عبدالحميد زكي تذكرنا بشيء آخر.. فقد كنت أتصور ان موجة فرق الشباب الموسيقية لم تصل الينا الا في الستينات وبعد الانفجار الذي احدثته فرقة (الخنافس) البريطانية. فبعدها بدأت فرق الشباب الموسيقية تتواجد في مصر وتعزف في الملاهي الليلية, وتقدم الموسيقى الغربية, كان ابن توفيق الحكيم رائدا في هذا المجال وكانت فرقته في مقدمة هذه الفرق التي كانت ظاهرة جديدة دفعت الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل لأن يدفع للحكيم خمسة آلاف جنيه مرة واحدة (وهو مبلغ هائل وقتها) لكي يذهب ويتفرج على ابنه ثم يكتب مقالا عنه. وكان الاب والابن قد اختلفا بعد احتراف الابن للموسيقى.. رغم انه لم يفعل الا ما كان الحكيم نفسه يود ان يفعله وهو شاب. الآن.. ندرك ان الثلاثينات من هذا القرن الذي يوشك على الرحيل شهدت فرقا موسيقية مماثلة. بدأت من الشباب الجامعي ثم انتقلت الى الاحتراف بعد ذلك وكان من بين اعضاء الفرقة من اصبحوا بعد ذلك سفراء وأساتذة جامعات وفنانين كبارا. وقد مثلت هذه الفرق الموسيقية (نقلة) هامة في الموسيقى, لأنها احتفت بالقوالب الموسيقية الغربية وحاولت تقديمها بصورة تجذب الشاب, ولذلك ابتعدت عن الموسيقى الكلاسيكية وركزت على الموسيقى الخفيفة, وكان من نتيجة ذلك ان اشتد الاهتمام بالاغنية القصيرة السريعة الشابة. وربما لم تحقق التجربة نجاحا كبيرا في البداية, ولكنها اثمرت بعد ذلك, وهزت الجمود في الاغنية, وفتحت الباب لجيل جديد من الملحنين الموهوبين الذين جمعوا الثقافتين الشرقية والغربية, فكانت الموجة الموسيقية التي انفجرت في الخمسينات على يد الموجي وكمال الطويل والرحبانية ثم بليغ حمدي وعلي اسماعيل.. والتي ما زالت هي الموجة الأكثر حداثة, حتى الآن.. رغم كل الصخب الموسيقي الذي نسمعه الآن والذي لم يضف شيئا حقيقيا للموسيقى العربية التي ما زالت تنتظر الجديد القادم بلا شك.