منذ حصولها على درجة الدكتوراه في الاعلام الدولي من جامعة امستردام حول دور القمر الصناعي العربي في الدول العربية واوروبا اجتماعيا وسياسيا وتنمويا بدأت رحلة د. الهام خليل مع قضايا الاعلام العربي والتحولات التي عاشها بعد دخوله عالم الفضائيات والاقمار الصناعية, ومما لاشك فيه ان دخول الاعلام العربي الى مرحلة الاقمار الصناعية شكل تحولا جذريا في البنية الاساسية للعملية الاعلامية بصورة عامة لتتباين الاراء حول الدور والوظيفة التي تلعبها الوسائل الاعلامية في بنية المجتمع. البعض يشكك بهذا الدور ويعتبره سلبيا ومضللا, وفئة اخرى تنظر من الزوايا الايجابية والمستقبلية غير ان الرأي السائد, ينكر على هذه الوسائل دورها الفاعل والمؤثر الى درجة الاتهام والرفض الكامل وفي هذا الحوار مع د. الهام خليل حاولنا طرح مجموعة من القضايا المتعلقة بالفضائيات العربية ما لها وما عليها لنتلمس من خلال تجربتها وحضورها الدائم في المؤتمرات والفعاليات الدولية لنلمس بعض الملامح التي ساهمت بظهور ووصول الفضائيات العربية الى ماهي عليه في الوقت الحالي: يتردد حول الفضائيات سؤال ملح وهو هل نشأت الفضائيات بشكل عشوائي او بخطة حقيقية, وما هو سر الفجوة الحادثة بين الكوادر الاعلامية والمتلقين لهذه الفضائيات؟ - اولا اريد تأكيد ان الفجوة بين مانطلق عليه (الكوادر البشرية الاعلامية او السوفت وير) و (الاجهزة والمعدات وهو ما نطلق عليه الهارد وير) في الفضائيات العربية فجوة ستظل وستستمر , لان القرار الذي اتخذ عقب نكسة 1967 لتكوين واطلاق قمر صناعي كان قرارا سياسيا, عقب توجيه الضربة لنا في تلك النكسة, لان المحطات الاذاعية تم ضربها في سوريا, فانعدم الاتصال لذلك نرى ونتأكد انه لم تكن هناك حاجة اجتماعية حقيقية لاطلاق القمر الصناعي العربي وكانت الحاجة والقرار سياسيين, وهنا يجب القول انه لاطلاق قمر صناعي والاتجاه للفضائيات يجب ان يكون لدينا شيء لنقوله عبر هذه الفضائيات, يكون لدينا ما نقوله اجتماعيا, وما نقوله بين بعضنا اي من دولة عربية لاخرى, وان يكون لدينا شيء نقوله عرب ككل للدول الغربية, اي تكون للفضائيات رسالة للمجتمع العربي, رسالة متبادلة بين الدول العربية, رسالة عربية شاملة للعالم الخارجي, وهذه هي عناصر الرسائل او المكونات التي ينبغي ان تقوم عليها الفضائيات العربية, ولكن ماحدث هو سيناريو سياسي روج الى اهداف اجتماعية فقيل ان القمر الصناعي سيطلق لمحو الامية, لرفع مستوى المرأة, وغيرها من الاهداف المثالية والنموذجية التي وضعت على الورق, ولم تطبق ولن تطبق, لان الحاجة الاجتماعية الى القمر الصناعي العربي على مستوى الوطن العربي معدومة حتى الآن لعدة اسباب: اولا: معظم الدول العربية لديها محطات خارجية عبر فضائيات اوروبية وامريكية ثانيا: وجود صراعات بين الدول العربية, فكيف يمكن الحديث عن فضائيات عربية ولاتوجد سياسة عربية؟ فعدم وجود سياسة عربية موحدة او وحدة عربية شاملة, او حتى وحدة اجتماعية او اقتصادية كسوق عربية مشتركة مثلا, اذ لاتوجد مصالح مشتركة, وهذا يفقد الفضائيات العربية قيمتها, وفي رأيي ان تسمية فضائيات عربية هي تسمية ليس لها قيمة, فانا اطلق على شيء انه عربي عندما توجد مصالح عربية مشتركة, وسوق عربية مشتركة ووحدة هدف وسياسة , ومن هذا المنطلق ان لم تتحقق وحدة المصالح كأقل مطلب فستبقى الفجوة قائمة. وبالنسبة للأقمار الصناعية العربية هناك أجيال كاملة منذ 67 وحتى 90 تم اطلاقها وسقطت دون ان تتم الاستفادة منها مطلقا, مثل القمر الصناعي العربي الذي انفق عليه الملايين من الدولارات ومقره السعودية, وأطلق في الفضاء وظل يدور 7 سنوات كاملة ثم انتهى, والجيل الثاني اطلق عام 86 تقريبا, واستخدم في أشياء محددة وخاصة مثل: نقل المباريات الكبرى أو مناسك الحج أو زيارات الرؤساء الهامة... الخ وكان يقدم سهرة مفتوحة لكل دولة عربية مرة في الشهر, وكان يستوجب مسبقا ان تقدم كل دولة سيناريو أو خطة لما سيتم تقديمه أو بثه عبر هذا القمر, لأن الخوف بين الدول العربية والحذر كان موجودا, وهي نقطة هامة جدا, فطالما الخوف موجود داخل كل دولة من الدول تجاه الاخرى, فهذا يعيق فتح قناة مستمرة يوميا عن طريق القمر الصناعي العربي أو مستأجرة لأن المناخ السياسي لم يزل يفتقد الى الثقة المتبادلة بين الدول العربية. هل يعني هذا ان الاستخدامات الاولى لأجيال الأقمار الصناعية لم تكن تستحق الأموال التي أنفقت عليها؟ ــ كان من المفروض ان تستخدم الاقمار العربية في أغراض التنمية, في استكشافات مصادر الارض والثروات الطبيعية أو تنمية دور المرأة وتطوير مناطق الصحراء والريف, كل هذا كان مجرد اهداف على ورق ولم ينفذ منها شيء, وتم اختيار الطريق الاسهل أو الأيسر عن طريق استئجار مساحات للبث ودفع ثمنها بالدقيقة. هل ساهمت الفضائيات العربية خلال هذه الاعوام في تصحيح مفاهيم العالم الغربي الخاطئة عن الوطن العربي؟ ــ حتى يتم تغيير مفهوم لدى رجل أوروبي عن بلد عربي, يجب ان أضيق من مساحة سوء الفهم أولا, وأعالج الفجوة الاعلامية الحادثة بين الاعلام العربي والمواطن الغربي, هذه الفجوة التي تزداد مع عدم المعرفة, وبعد الاضواء عن مواقع الاحداث الواقعية في الوطن العربي, كما يجب ان أجذبه لمشاهدة البرنامج, أو بعض البرامج التي تقدمها الفضائيات العربية, وهذا لا يحدث مطلقا, اذ يجب اولا تقديمها بلغته وبأسلوب يتوافق مع اسلوبه, وليس بلغة وسيطة, وأن تكون بها عناصر الجذب, الا اذا قدمت هذه البرامج انطلاقا من دراسة دقيقة عما يريد هذا الغربي رؤيته, وبأي اسلوب, ويجب للتأثير في هذا الغربي وتصحيح مفاهيمه ان اقدم نماذج للمواطن العربي في كل الدول العربية, وأن تقدم النماذج هذه في كل حالاته وليس فقط في نطاق الاسرة المحدود, بل اعرض تعاملاته في الشارع في العمل مع المؤسسات.., وأعرض له نماذج عن المرأة العربية التي يروجون انها مهضومة الحقوق ويضخمون كل صغيرة حولها, ... الخ وهذا من شأنه ان يوضح الصورة وأن يلغي عنصر الخوف وعدم المعرفة المتوافرين لدى الغربيين تجاه العرب. لذلك أؤكد ان ملء الفراغ أو الفجوة الاعلامية الحادثة بين اعلامنا العربي والمواطن الغربي هام جدا لا يستغل هذا الفراغ ويتم ملؤه, وهناك شروط يجب توافرها لتوجيه الرأي العام الغربي, أو التأثير فيه وتصحيح مفاهيمه, كتقديم مسح شامل لما يحدث من تنمية وتقدم في الوطن العربي, وأن يتم عرضها بشكل سريع يناسب العقلية الأوروبية وبأسلوب شيق, على سبيل المثال بالنسبة لمصر هناك بورصة الآن نشأت حديثا, مطلوب برنامج عنها للعالم الغربي لتوضيح كيف يتعامل رجل المال والأعمال المصري مع البورصة, الخليج العربي مثلا منطقة الخليج في طريقها لتكون محطة للتجارة في آسيا ولا يعرف الغرب عنها شيئا, الفضائيات تركز على الاخبار, على السلبيات كالكوارث والحروب وغيرها, كما ان طريقة بث الاخبار تأتي بشكل لا يقبله العقل الغربي, اذ تأتي الاخبار في شكل حكاية تركز على الساسة أو الرؤساء وكل الكوادر السياسية منذ الهبوط من الطائرة وحتى يسير على السجادة الممدودة ويصافح كل المستقبلين, ويتسلم باقة الزهور.. وهكذا, وننسى في فضائياتنا اننا نخاطب عقلية مختلفة, وننسى ان الذي يزور لندن يجب ان يتحدث الانجليزية, ولا يمكن ان يتحدث عربي, اذ الضرورة تتركز لمخاطبة هذه العقول بوعي, وضرورة وجود كوادر اعلامية تتلاءم مع هذه العقليات ومع متطلبات العصر, لتخاطب العقل الغربي. هل يعني هذا بالتالي افتقار الفضائيات الى الكوادر الاعلامية التي تخاطب العقلية العربية في المهجر؟ ــ بالطبع لأن العقلية العربية التي عاشت وتأقلمت في الغرب, تحتاج الى اسلوب مختلف يتلاءم معها, وإلى كوادر اعلامية تقدم لها ما يلائم هذا الاختلاف, فالعربي في أوروبا مثلا ليس بحاجة الى مشاهدة اخبار دولية أو عامة في الفضائية العربية, فهو من الممكن ان يحصل على ما يريده من اخبار عبر القنوات المحلية للبلد الغربي الذي يعيش فيه, بل هو بحاجة لأن يعرف ماذا حدث في بلاده في مناطق الوطن العربي البعيدة عن متناول وأيدي الاعلام الغربي, أي برامج محلية عربية شيقة ومثيرة غير البرامج السياسية سواء في المجالات التنموية او الاعلامية او التربوية.. الخ, وهذه البرامج هي التي نفتقدها في الفضائيات العربية, وبذلك فشلت الفضائيات العربية في ربط المهاجر او المغترب العربي بالوطن الام, فنقطة القوة للفضائيات العربية والتي في نظري لم تستغل ليس انها تقدم لي اخبارا نظرا لوجود كوادر اعلامية غربية اقوى في مجال الخبر, لكن نقطة القوة انها لم تقدم لي معلومة جديدة عن جذوري (نقطة مياه جديدة ــ مياه كل يوم) وهذه الجذور ليس فيها اخبار, ليس بها أغان أو افلام فهذه جذور ميتة, هذه يجب ان تكون حية, الجذور تنمو وأن تكون قصيرة وسريعة وحقيقية وليس بها دوبلاج, عند هذا يتم الربط الحقيقي بالوطن الام. هل ترين ان الفضائيات العربية ساهمت في عزل المهاجرين العرب في الدول الغربية؟ ــ الى حد كبير, لأن الفضائيات العربية قامت بدور سلبي وليس ايجابي, فهي حاليا تتدخل كمنافس لمحطات التلفزيون الغربية, وهذا خطأ كبير, لأن عنصر تكافؤ المنافسة غير موجود, هذا من ناحية ومن ناحية اخرى يجب ان تقدم الفضائيات العربية شيئا متميزا وخاصا يختلف عما تقدمه القنوات الغربية التي هي في متناول يد المهاجر في الغرب, الفضائيات العربية يجب ان تقوم بدور مكمل للقنوات الغربية, بل دورها ان تقدم برامج تجذب المشاهد وتكون لها صفة الخصوصية والتميز, فنقطة القوة للقنوات العربية كما سبق وان قلت ان تستحضر الخلفيات من الوطن العربي الام وهذا لم يحدث, ومن هنا نجد ان المهاجرين العرب خاصة الجيل الاول والثاني الذي لم يتقن لغة البلاد الاوروبية مثال في بلجيكا وألمانيا وهولندا, فقد قامت الفضائيات بعزلهم عن المجتمع الغربي من ناحية بانفاق هؤلاء الساعات الطويلة لمشاهدة البرامج العربية عبر الفضائيات, وهي في نفس الوقت لم تربطهم بالوطن لعدم تقديمها البرامج التي تعتمد على الجذور في الوطن العربي واستحضار الخلفيات التي يتعطش لها العربي خارج وطنه, ومن هنا كانت السلبية, والخاسر في هذه الحالة المشاهد وأبناء الوطن العربي كله وكذلك الوطن نفسه, فدور الفضائيات ان توصل رسالة للخارج عن ما هو موجود في الداخل, وليس أن توصل رسالة لمن في الخارج عما هو موجود في الخارج, لأن من في الخارج لديهم تشبع مما هو موجود في المجتمعات التي يعيشون فيها, كما ان الإعلام الغربي ليس لديه الاهتمام أو الامكانيات ليسافر إلى البلاد العربية ويقدم لي صورا وموضوعات عن بلدي, بل هذا دور الفضائيات العربية. هل يعني ذلك وجود خطة للتجهيل عبر الفضائيات العربية؟ ــ لا أعتقد انه نوع من الروتين القاتل, فما يحدث هو ان من يعد البرنامج للقناة الفضائية يأخذ نسخة مطابقة لما يقدم على القناة المحلية في البلد العربي تشمل فقرات ترفيهية وأغاني, وعن عالم الحيوان وعن الأخبار, ويأخذها بنصها, ويعمل منها نسخة مع بعض التعديلات الطفيفة ويقدمها للفضائية, وهو في هذا يتعامل مع المقيمين في الخارج وكأن احتياجاتهم مطابقة لاحتياجات المقيمين في الوطن, دون ان يراعي اختلاف الاحتياجات واختلاف العقلية, ولذلك فالمقيم بالخارج يرى هذه المواد هزيلة لا تقوم على أسس علمية, وهزيلة الاخراج والجودة قد تكون من وجهة نظر المشاهد العربي ليست هزيلة لكنها ليست المواد والبرامج التي نحتاج إليها في الخارج, فليس احتياجاتنا ان تخبرنا الفضائيات عن عالم الحيوان في أمريكا, أو السمك في المحيط الأطلنطي.. لا.. أنا أريد ان أسمع عن سمك النيل, عن ثروات البحر الأحمر, عن صناعة السمك في بلادي, أي من الممكن الحصول على جوهر المادة وتحويلها إلى مواد وخلفيات تهمني كمواطن عربي في الخارج, فالمطلوب ان يوجه 90% من ميزانية الفضائيات إلى ما يجرى داخل أوطاننا العربية, و 10% إلى ما يجرى خارج الوطن, وليس العكس الحادث الآن, أو عدم وجود ميزانية من الأصل لهذه البرامج أو تلك, وتعتمد القناة على اذاعة الأفلام القديمة, بالتالي سيفتقد العربي في الخارج لأساليب الربط أو الجذب سواء للمواطن العربي في الخارج أو الأوروبي. ما رأيك في البرامج الاخبارية التي تتعرض لمقص الرقيب أو الحذف والمونتاج, على النقيض من الأخبار التي قد نراها عبر قنوات غربية؟ ــ أنا أرى أن الأخبار ككل لا تناسب الفضائيات, إلا اذا وصلت لنوع من الحياد لاذاعتها دون تعريضها لمقص الرقيب, لأن المشاهد ليس غبيا, والمشاهد المحلي أيضا ذكي لأنه يرى ذات الخبر على (السي ان ان) وغيرها, فمقص الرقيب هنا في الواقع هو اثبات لنوع من الغباء, ومقص الرقيب كانت له وظيفة في أيام ماقبل الفضائيات, أما الآن فلم يعد له موقع, فالآن لا يمكن ان يتم التحكم في أية فكرة أو منعها داخل بلد سواء تم الموافقة عليها أو عدم الموافقة, فالآن لا يمكن التحكم في الأفكار, مثال التليفزيون الآن يمكن استعماله في أي مكان والاتصال من خلاله لأي مكان, والانترنت الذي ألغى كل الحواجز والحدود على تدفق المعلومات. هل ترين أن الفضائيات العربية يجب ان تستعين بكوادر اعلامية من العرب المقيمين بالخارج الذين درسوا الإعلام؟ ــ قد يفيد هذا في الشكل لكن لن يفيد في المضمون, فالمضمون يجب ان يكون محدثا أي طازجا أولا بأول من الوطن العربي, وإلا ستكون البرامج معلبة, يجب ان تكون المواد من هناك, أما الشكل أو اسلوب تقديم هذه المواد في برامج فهي المرحلة التي يمكن الاستفادة فيها بالكوادر الاعلامية في الخارج, لأن لديهم الفكرة والخبرة لتقديمها في شكل وأسلوب يتناسب مع عقلية المقيمين في الخارج, والخطوة المرتبطة بتلك النقطة هي ان يكون المراسلون لهذه القنوات في البرامج الاخبارية ممن يقيمون في الدول الغربية بالخارج لأن هؤلاء سيكونون أكثر تفهما لعقلية المجموعات العربية في الخارج من خلال المعايشة وأكثر ادراكا لوسيلة التخاطب معهم وتقديم الرسالة لهم من ناحية الاهتمامات, اللغة الملائمة, سرعة التقديم, نوعية الأحداث. لو حاولنا بلغة اخبارية سريعة جدولة نقاط القصور في الفضائيات العربية فما هي؟ ــ أول نقطة وتشمل 80% من القصور وهي عدم اهتمام الفضائيات العربية بالبلد الأم, وبرمجة هذه المواد بلغة سريعة وشيقة, فهذا يقيها الوقوع في المنافسة مع قنوات أخرى غربية لأنه كما سبق القول ان دور الفضائيات العربية ليس منافسا بل مكملا. اما وجه القصورالثاني فهو اعتماد الفضائيات العربية على الاخبار, وانا ارى ان الاخبار لا تناسبها فلا يمكن ان تنافس الفضائيات العربية القنوات الأخرى الغربية للأخبار سواء من حيث السرعة أو الحيادية, كما لا يمكن ان نقول ان الفضائيات تقدم أخبارا عربية ونحن العرب لا تربطنا وحدة عربية, وغير موحدة الصيغة, من هذا المنطلق يكون من العبث ان نطالب ان يكون هناك بث إعلامي عربي, إذ يسبق تلك المرحلة مراحل عربية أخرى أكثر أهمية, تعليم عربي واحد, وثقافة عربية واحدة, ومصالح اقتصادية واحدة, وان نحقق مراحل كبيرة وخطوات في تلك الوحدة على غرار ما حدث للوحدة الأوروبية التي مرت بأربعين عاما من الخطوات والتمهيد والاعداد, وقد ولد هذا الاتحاد اقتصاديا ونابعا من حاجة اقتصادية مشتركة بين الدول الأوروبية, ومن هناك تكون البداية, لذلك ليس من الواقع ان نقول بث عربي قبل تحقيق هذه الوحدة. هل يمكن اعتبار ان سيطرة الحكومات على الفضائيات وعدم خصخصتها أو امتلاك شركات أو مؤسسات لها أحد أسباب تخلفها وعدم قيامها بالدور الذي وجدت لأجله؟ ــ من منطلق التجربة التي عايشتها في أوروبا وعلى وجه التحديد بهولندا, أرى ان تعطى الحرية في المجتمع لكل فئة (قد تكون فئة سياسية, فئة دينية, أو فئة اقتصادية) ان تعبر عن نفسها عبر الفضائيات كما هو الحال في هولندا, وان تكون مدة البث الخاصة بها ترتبط بالأعضاء (مشتركيها), والأسهم تزيد وتنخفض حسب عدد الأعضاء, والبث ينتعش أو يموت وفقا لنشاط هؤلاء الأعضاء واحتياجاتهم, ومن هنا أعني الا يتم اطلاق هذه القنوات للخصخصة أو ان تمتلكها الشركات, بل ان تطلق حرية التعبير, ولا يجب ان يرافق هذا خوف او تردد من الحكومات لأن السيء يسقط وينتهي وحده, والأنسب والأنجح سيستمر ويكتب له البقاء الجماهيري, وإذا كنا نحن العرب نخشى على الاخلاق من اطلاق الحريات للآراء والأفكار والتعبير, لكن قد يكون ترك الحريات للتعبير احد الاسباب للرقي والسمو بهذه الاخلاق والمبادىء, فترك الباب مفتوحا سوف يتيح الفرصة لبقاء الاصلح, وانتهاء الاسوأ, طالما هناك اطار عام تتحرك من خلاله هذه الحريات, واتصور انه بدون اتخاذ هذه الخطوة لن ينجح النايل سات, فمن اين سيحصل على كم البرامج والمواد التي تغطي كل هذه الساعات من البث, الذي يتطلب ملايين من الكوادر البشرية وملايين من الموضوعات والمواد المستمدة من البلدان العربية.. الخ. هل ستتزايد الحاجة إلى الفضائيات العربية بالنسبة للعرب في الخارج مع المستقبل؟ ــ أتصور العكس تماما, لان حدية الفضائيات ستهدأ في المستقبل, فقد اغلقت اوروبا وامريكا ابوابها, على الجيل الموجود, واصبحت الاجيال الناشئة سواء الجيل الثاني أو الثالث أو من سيليه يتحدثون اللغات الاجنبية, ولا يعلمون عن الدول العربية الا مجرد انتماء ابائهم اليها في الاصول, ومن هنا نجد ان حدية الفضائيات العربية التي كانت موجودة بالنسبة للجيل العربي الاول سوف تتراجع, ومن هذا المنطلق يجب على الفضائيات أن تتوجه للاجيال التالية, ان تخصص مساحات من البث لبرامجها بلغات غربية لتخاطب عقول ابناء هذه الاجيال, وتحاول ان تعرفهم بالوطن, وبلغتهم الثانية التي ولدوا عليها في المهجر, وان لم تفعل ذلك سوف تتراجع وبصورة خطيرة الحاجة إلى الفضائيات العربية, وسوف تفقد اهتماماتها في المستقبل من قبل العرب في الغرب, وفي هذا الصدد اذكر انني عندما سافرت إلى 8 بلدان عربية هي (المغرب, تونس, مصر, سوريا, الاردن, العراق, الكويت, السودان) في عام 78 لاعداد دراستي حول الفضائيات بهدف البحث الاعلامي للقمر الصناعي العربي, ودراسة امكانياته وتطبيقه, كان القمر لم يطلق بعد, كان وقتها سيطلق بعد خمسة اعوام, وعندما سألت المسؤولين القائمين على عملية اطلاقه (ماذا اعددتم لهذا الاطلاق) واجهوا سؤالي بالدهشة, وقالوا ان القمر سيطلق بعد خمس سنوات ولاتزال الفترة طويلة, سنفكر في البرامج بعد ان يطلق القمر) , اي لم يكن هناك اي تفكير في المستقبل لما سيذاع أو يبث عبر هذا القمر, ومن هنا اوجه ذات التساؤل أو قل النداء (ماذا اعددتم لاطلاق النايل سات) واتصور ان ردود الفعل لن تتغير كثيراً بسبب افتقاد الارادة السياسية. غير اني ما زلت أؤكد انه لو اردنا التأثير في الاعلام الغربي, وتغيير الصورة المشوهة عن العرب في الرأي العام الغربي, لن يتم تغييرها عن طريق هذه القنوات الفضائية, بل عن طريق تخفيض الكم المقدم من البرامج والارتفاع بالجودة, وتخصيص مساحات للبث بلغات اجنبية, والا يتم ترجمة ذات الاخبار التي تقدم في القنوات المحلية, اما العشوائية الحادثة الان, وان كل من لديه مال يبث على الفضائية, فهذا امر مرفوض ولن يحقق للفضائيات اي هدف حقيقي. حوار: سعد السبكي