استراحة البيان" قوميون بالفطرة.. عروبيون بالفن:يكتبها اليوم- محمد الخولي تعظيم سلام للفارس العروبي جمال عبدالناصر الذي مضت الذكرى الحادية والثمانون لميلاده.. وكان ذلك في منتصف يناير الماضي, ولما نتوقف عندها لنوفيها حقها , وقاتل الله دوامة الغربة وآفة النسيان! وقد يطوى الزمان كثيرا او قليلا من منجزات عبدالناصر ولكن التاريخ سيتوقف بالقطع عند مآثره التي تتلخص في ان الرجل كان بحق (مفجر القومية العربية) في هذا العصر الحديث بمعنى انه لم يكن ــ موضوعيا ــ مخترع حكاية العروبة ولا كان اول داعية لها. ونحن في سياق الاستراحة لن نسترسل في احاديث سياسية ولا في اجروميات عقائدية فتعليمات رئيس تحريرنا حازمة صارمة: ان خففوا عن الناس قدر ما تستطيعون وكفى القارئين ما يتحملون من أوصاف, وما يكنون من هموم وبتاريخ عبر ما سبق في الجريدة من صفحات. لكننا سندخل الى حديث الانتماء العروبي من باب الفن ومن خلال التطرق الى شذرات وجدناها بين ايدينا من سيرة فنانين كبار في وطننا. كانوا موهوبين ومطبوعين, وكانوا ينظرون الى وطن هذه الامة بين مشرقه ومغربه باعتباره وطنا واحدا, له ثقافة مشتركة ويعيش نسقا حضاريا متجانسا ووجدانا يتفاعل في شغف وعمق ورخاء الى حد العشق والصبابة مع الكلمة العربية والنغمة العربية.. وكانوا ــ رحمهم الله ــ يفعلون هذا كله ببساطة وتلقائية وعفوية, لا يرفعون شعارات, ولا يلوكون خطبا ولايدبجون احاديث من العيار الثقيل وقد حشروا فيها حشرا عبارات الحنجوري التي اصطنعها صديقنا الأستاذ محمود السعدني آية على شقشقة المثقفين في الصالونات والمقاهي وعلى الصفحات المنشورة التي لا يفهمها غير كاتبيها. نكتب هذه الكلمات وأمامنا صورة فوتوغرافية عمرها 67 عاما عن رحلة أم كلثوم الى بغداد (نشرها الباحث العراقي عبد الكريم الجوادي في كتابه الصادر عن سيدة الغناء العربي) وتقول الصورة وكلامها أن أم كلثوم زارت عاصمة العراق وأقامت في فندق الهلال الواقع الى الجنوب من وزارة الدفاع واحيت حفلتها في 21 نوفمبر عام 1932 وغنت في تلك الليلة أكثر من وصلة طرب من بينها الأغنية العراقية الكلاسيكية بعنوان (قلبك صخر جلمود) . وأمامنا ايضا وقائع زيارات محمد عبد الوهاب الى مصيف بلوران في سوريا الذي كان الموسيقار الكبير يعده أعظم مصايف الدنيا, ثم زياراته ايضا بصحبة أمير الشعراء شوقي الى زحلة وخاصة في عام 1927 حين قررت بلدية زحلة ان تهدي أمير الشعراء قطعة أرض من المدينة ليقيم عليها بيتا مطلاً على نهر البردوني, وكان ان شكر لهم شوقي حسن الصنيع بقصيدة جميلة قال في مطلعها: شيعت أحلامي بقلب باكِ ولممت من طرق الملاح شباكي الى ان يصل الى الأبيات المعروفة التي لحنّها وغناها عبد الوهاب وشدت بها من بعده فيروز: يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك ثم يقول أمير الشعراء في ختام (لحن زحلة) : ان تُكرمي يا (زحل) شعري أنني أنكرت كل قصيدة إلاّك انت الخيال بديعه وغريبه الله صاغك والزمان رواك فما الذي يجعل فنانة كبيرة المقام مثل ام كلثوم, وموسيقيا مثل عبدالوهاب يشار له بألف بنان يتجشم الصعاب لزيارة قطر عربي في المشرق او في المغرب من الوطن الكبير؟. ونقول تجشم الصعاب, اذ كان السفر الى العراق مثلا محفوفا بالمشاق وهو ما ترويه مجلة (الراديو المصري) لسان حال اذاعة القاهرة في العهد الملكي, على لسان عبدالوهاب شخصيا حين يقول: كنت تواقا لزيارة العراق... وصحت عزيمتي في عام 1932 على تلبية دعوة الكثيرين من كرام العراقيين.. وفي طريقي الى بغداد (قابلت بعض الاصدقاء السوريين الذين ثارت حماستهم الوطنية فأبوا ان اركب سيارات الشركة الانجليزية لأن الواجب الوطني يحتم على العرب جميعا مقاطعة الشركات الاجنبية ومؤازرة الشركات الوطنية (العربية).. وهكذا ركب الفنان عبدالوهاب وافراد فرقته احدى سيارات شركة عربية هي (عكاشة رويشة) وكانت كثيرة الاعطال. ورغم ان الطريق بين دمشق وبغداد كان يستغرق بالسيارة 24 ساعة, الا ان الفرقة الوهابية امضت في جوف بادية الشام ثلاثة ايام قبل بلوغ عاصمة الرشيد, ولم يخفف كل هذه الوعثاء سوى الاستقبال الحافل الذي لقيه عبدالوهاب في بغداد من أهل العراق. هو العراق نفسه الذي اجتذب مطربا موهوبا مثل محمد عبدالمطلب كي يعيش في ربوعه سنوات طويلة وكان ذلك في مطالع الخمسينات وكان عبدالمطلب قد حقق الشهرة العريضة بصوته الصافي وحنجرته الفصيحة وادائه المميز الذي لم يسبق اليه احد, التقاه الناقد الفني العراقي سعاد الهرمزي عام 1950 في مقهى شعبي متواضع على سفح قلعة كركوك في (شمال العراق) وكان يعمل هناك في احد الملاهي المتواضعة ولكنه كان سعيداً يعيش حالة استجمام فني حيث الهدوء والطبيعة الساكنة ودفء مشاعر المعجبين (كتاب من الذاكرة للاستاذ سعاد الهرمزي). لقد تسربت مشاعر الانتماء العروبي الى وجدان مثل هؤلاء الفنانين ولم تكن هذه المشاعر الفطرية والتلقائية قد وجدت طريقها بعد الى حيث الادلجة او التسييس او التبرير. وقبل فناني الطرب والموسيقى كانت ايضاً رحلات فناني المسرح ورواد التمثيل المعاصر من القاهرة الى اقطار المشرق والمغرب, بل والى الجاليات العربية في مهاجر امريكا الجنوبية بالذات. تحكي السيدة سعاد ابنة رائد التمثيل العربي جورج ابيض عن رحلة والدها وفرقته المسرحية في اواخر العشرينات الى الشام والعراق حيث عرضت الفرقة (خد بالك من نوعية العروض ومدى جديتها) مسرحيات بعنوان (صلاح الدين ومملكة اورشليم) وهي تشيد ببطولات الفارس المسلم صلاح الدين وجهاده ضد الصليبيين وكان العرض المسرحي في مدينة حيفا وبعدها قدمت الفرقة مسرحيات ماكبث وعطيل وهملت لويليام شكسبير ثم انتقلت الفرقة لزيارة العراق سالكة الصحراء المهلكة عشرة ايام متوالية حيث نفدت المياه في اليوم العاشر (كتاب سعاد ابيض عن جورج ابيض) وبعدها قدمت الفرقة المصرية عروضها في لويس الحادي عشر وتارات العرب التي كانت تدعو الى الوحدة العربية ــ على مسارح متواضعة في بغداد والبصرة.. وكان جورج ابيض قد سبق الى رحلة فنية ايضا زارت تونس في مطلع العشرينات إذ كانت ايامها ترزح تحت السيطرة الفرنسية.. فنانه رائدة أخرى في دنيا المسرح هى فاطمة رشدي زارت فرقتها ربوع المغرب العربي كلها رغم النفوذ الفرنسي أو كما كانوا يعرفونه في ذلك الزمان باسم اقطار شمال افريقيا ــ وعرضت على مسرح البلدية في تونس مسرحية سلامبو فاسترجعت امجاد قرطاجنة ــ تونس القديمة ثم عرضت مسرحية علي بك الكينز لأحمد شوقي, والعباسية لعزيز أباظة وغادة الكاميليا لاسكندر ريماس وبعدها انتقلت الفرقة كي تعرض على مسارح الجزائر رواية النسر الصغير, ثم عرضت على مسارح مراكش في المغرب الاقصى رواية أمير الشعراء بعنوان مصرع كليوباترا. أربعة أشهر كاملة امضتها فرقة فاطمة رشدي بقيادة زوجها واستاذها المخرج عزيز عيد في خريف عام 1932 لتقدم لأبناء المغرب العربي فنا عروبيا, راقيا واصيلا ورائدا. ولم يكن الامر سهلا في كل حال, فكم ضايقتهم سلطات الاحتلال الفرنسي أو الانجليزي, وكم تكبدوا مشاق السفر في البر وفي البحر, وكم تعرضوا لكبوات المقصرين وخداع النصابين إذ كانوا يقتحمون أرضا لم يحرثها أحد من قبل, وكانوا يرتادون مجالات صعبة وتحديات شاقة لا بغير سند سياسي أو دعم دولي.. بغير سلاح على الاطلاق اللهم الا سلاح العزيمة والاحساس الفطري بأن هناك رسالة ما يطيب للفنان العربي الأصيل أن يبلغها إلى قومه, ناهيك عن ذلك الشعور المستكن في أعماق الضمير بأن قومه هم الناطقون بالعربية الشريفة وهي الرابط الحضاري والفكري الذي يستطيع أن يعبر حدود الدول ويجتاز سدود الخلافات ويربط بين ماضي الأمة وحاضرها ــ وهو ما ترجمه عبدالناصر فيما بعد بعبارات بليغة تقول: (يكفي ان الأمة العربية تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل. ويكفي ان الأمة العربية تملك وحدة التاريخ التي تصنع وحدة الضمير والوجدان) .