غرفة العمليات الحربية هي اصلا مخزن معتم يتم فيه التخطيط لغارات التسلل والتراجع التكتيكي على أريكة مهترئة تحيط بها بوسترات المدافع . في هذا المكان يقود نائب وزير دفاع سيراليون الزعيم صموئيل هينجا نورمان, وهو مستلق بين الثلاجة وجهاز التلفزيون, مجهودا حربيا ليس كبقية الحروب. ففي احد الطرفين هناك ميليشيا المتطوعين المساندة لنورمان, أو (الكاماجور) . وهؤلاء, بترساناتهم التي تحتوي كل شيء من المنجنيقات الى قاذفات الصواريخ, والذين يرتدون كل شيء من ثياب الصيادين التقليدية الى الباروكة النسائية والتنانير ذات الكشكش بقصد اثارة الرهبة, يقاتلون بحماس ديني الى جانب حكومة سيراليون. أما العدو فهو (الجبهة الثورية المتحدة) وهي جماعة متمردة غامضة كانت قد استولت على السلطة بانقلاب دامٍ في مايو 1997, ثم أطاحت بها قوة عسكرية بقيادة نيجيرية تضم عناصر من بلدان افريقية غربية. ومنذ ذلك الوقت يقود الثوار حملة انقلابية من القتل العشوائي وتقطيع الأوصال. كل يوم ينضم متطوعون جدد الى الكاماجور بطقوس سرية يشرف عليها رجال دين. ويعتقد هؤلاء ان الطقوس المذكورة تمنحهم القدرة على صد رصاصات العدو وتجعلهم غير مرئيين خلال المعارك. وبعد الطقوس ينقل المتطوعون ــ وبعضهم دون ان يتلقى أي تدريب ــ بسيارات الشحن الى جبهات القتال في الأدغال الشرقية والشمالية لسيراليون, وهم لا يتقاضون أي مرتبات ويعيشون على ما يتربع به القرويون من المأكولات وقليل من المال. ويتبجح بعض (قدامى المحاربين) بأعمال خارقة يدعون انهم قاموا بها, وبالألقاب الغريبة التي يطلقونها على أنفسهم, مثل (الدكتور دم) وأسماء أخرى حسب ارتكاباته وطريقة قتله للأعداء. وسواء أكانت هذه (البطولات) حقيقية أو خيالية, فإن إيمان أفراد الكاماجور بأنهم لا يقهرون هو سلاحهم الأقوى. فكثيرون منهم لا يحملون غير السواطير, وإن كان البعض الآخر يحمل الرشاشات وقاذفات الصواريخ, والبعض منهم لا يزالون فتيانا غير قادرين على حمل قطعة سلاح ثقيلة, والبعض الآخر هم رجال متقدمون بالسن. ويقول الكاماجور ان الاصابات قليلة في صفوفهم, وإن الذين يقتلون كسروا الروح الواقية بارتكابهم أعمالا ممنوعة للمقاتلين, مثل أكل الموز. قبل الحرب كان جوزف لاهاي ممرضا يرتدي مريولا أبيض. واليوم يرتدي رداء من الجلود ثبت عليه طلاسم حمراء. كما انه تخلى عن اسمه الحقيقي واتخذ لنفسه لقب (الدكتور دم) . الحرب دامية جدا بالنسبة للسيراليونيين البالغ عددهم 4.5 ملايين نسمة. وتقول الأمم المتحدة ان آلافا عديدة من المدنيين تم قتلهم وتشويه جثثهم وحرقهم أحياء خلال 1998. كما يقدر مسؤولو الأمم المتحدة ان أكثر من نصف مليون نسمة نزحوا عن ديارهم وتم إحراق قراهم, فامتلأت العاصمة فريتاون باللاجئين, وفر كثيرون الى ليبيريا وغينيا المجاورتين. ونسبت أعمال وحشية كثيرة الى الكاماجور الذين لا يأخذون أسرى بل يقطعون أيديهم ورؤوسهم ويأخذونها كتذكار, ويقول عمال الاغاثة ان النساء والأطفال يؤخذون كعبيد يجري قتلهم دون تمييز في كمائن الكاماجور. وتتحمل الميليشيا معظم أعباء المجهود الحربي فيما تحاول الحكومة جمع الأموال اللازمة لتشكيل جيش نظامي من القوات الموالية سابقا. وتلعب القوة الافريقية الغربية حاليا دور شرطي الأمن في المدن الرئيسية. هينجا نورمان هو مؤسس الكاماجور, ويقول ان الميليشيا تضم حوالي 20 ألف مقاتل, انه من زعماء قبيلة مندي وكابتن سابق بالجيش تلقى علومه العسكرية في بريطانيا. في جلسة معه في مقره القريب من مركز لتوزيع الأغذية تابع للأمم المتحدة في كنيما, تم عرض فيلم الملاكمة بالأقدام (كيكبوكسينج) بلغة آسيوية لم يفهمها أحد, فأثار نقاشا بين القائد وعدد من ضباطه. وقال نورمان إنه يعتقد ان رجاله الذين يرتدون بدلات مرصعة بالطلاسم والتعاويذ ويتمنطقون بمسدسات وسواطير صدئة يمكنهم ان يتعلموا شيئا من بطل الفيلم. ويمارس الكاماجور نظاما غذائيا صارما يحرم عليهم تناول بعض المأكولات المحلية ومنها ثمار الموز. ويدهنون أجسامهم بــ (طلاسم سائلة) يعتقدون انها تؤمن لهم الحياة. يقول مجند مراهق يحمل قاذفة صواريخ آر.بي.جي 7 ويضع على رأسه خصلة شعر سوداء ان قاذفة الصواريخ هي للهجوم والباروكة للدفاع. اذ شئت, تستطيع ان تطلق عليّ النار ولكنك لن تصيبني. كنيما, سيراليون ــ جلين ماكنزي: خدمة أ.ب