كانت البداية منذ نحو شهر عندما اتصل بي الروائي احمد الشيخ وقال لي انه بدأ رحلة فحوصات عن قلبه المتعب. ومن الغريب انني لم انزعج كثيرا, وظننت انه يهول في بعض المتاعب الصغيرة . وانا اعرف احمد الشيخ منذ ان كنا مجندين في الجيش, وكان رياضيا, ومع ذلك كان يريد كتابة القصة, وكانت له فيها تجارب اولية. وشجعته على ذلك بكل الوسائل الممكنة لي في ذلك الوقت مثل مناقشته في كل قصة, وامداده احيانا ببعض الكتب, والضغط عليه ليتم دراسته العالية, فلقد اصابته لا مبالاة بالنسبة لهذا, وما كنت اذكر هذا لولا ان احمد الشيخ ذكره مرات في لقاءات صحفية, وهذا مما لا يعتاده وسطنا الثقافي. اذكر شاعرا ممن يملأون الساحة الآن ضجة واحيانا شعرا انني كنت اول من نبهه الى انه يستطيع كتابة الشعر, وادهشه هذا لكنه حاول وكانت البداية صعبة الى حد انه كان ينهب قصائد غيره, فكنا ننبهه الى ذلك ونقوم ما يكون من تأليفه. وعندما بدأ ينشر بعض قصائده اراد ان يستقل عنا, وربما كان له الحق في ذلك, فهاجمني مع كل الذين ساعدوه في البداية. واذكر ممثلا كبيرا جدا, التقيته وكلانا في اول الطريق وساندته باكثر مما استطيع وكان آنئذ يمثل ادوار الكومبارس وكنت مقتنعا انه ممثل كبير. وفعلا حقق صاحبنا شهرة كبيرة. وعندما بدأ الصحفيون في اجراء مقابلات صحفية معه, قال ان صاحب الفضل في تقديمه الى الناس هو العبد الفقير, واصابني خجل شديد, وانكرت انني فعلت الكثير. وبعد عام قال انني من اصحاب الفضل في تقديمه. ثم بعد اعوام لم يعد يذكر ذلك. والحمد لله لانه عندما نلتقي يقابلني بترحيب كبير. ولذلك فانا ممتن لما يقوله احمد الشيخ. وبعد مكالمته التعسة هذه بيوم او يومين اتاني تليفون من السيناريست صلاح فؤاد يقول انه مصاب بأزمة قلبية وانه يكلمني من غرفة العناية المركزة. ولم اندهش لانه يكلمني من غرفة العناية المركزة, فهو قادر على هذا وفعلا اكتشفت انه يتكلم من ذلك الهاتف الجهنمي الذي نسميه هنا (المحمول) وتسمونه في الامارات (الخلوي) . وكنت اتوهم ان صلاح فؤاد يبالغ اكثر من احمد الشيخ, وانتظرت ان يقول لي ان الامر كان مجرد تعب عابر ولكن الايام اثبتت ان ما قاله كان صحيحا. ولا شك ان صلاح قام بانقلاب في معهد القلب, اذ ادخل الى المعهد انواعا من الاطعمة لم يسمح بها طبيب قلب في تاريخ البشرية, فضلا عن الزيارات الكثيقة وذات مرة كنت عنده وخرجت في الساعة الثانية عشرة اي في منتصف الليل, وكان هناك عدد من الزوار, فتساءلت بدهشة: الن ينصرفوا الآن. ولكن احدهم رد عليّ ببساطة انهم سينامون جميعا عند صديقهم. ولا اعرف من كسر قواعد المستشفيات قبل صلاح مثل الفنان جورج سيدهم شفاه الله, فلقد اصابته عدة ازمات وكل ازمة تنقل خلالها بين عدة مستشفيات, لانه كان يطرد منها. كل ليلة في غرفته يحضرها عشرات الفنانين والاصدقاء, واحيانا مئات, وليس في هذا مبالغة, فلقد شرع صديق له في الزواج اثناء مرضه. واراد الصديق ان يؤجل العرس, ولكن جورج اقسم ان كل شيء سيتم في موعده, وفي المستشفى, واشرف بنفسه على صنع الطعام والحلوى فهو طباخ ماهر ان كنت لا تعلم,. وهو ايضا الذي اتفق مع المطربات والمطربين والراقصين وغيرهم ممن يشاركون في مثل هذه المناسبات. وفي الفجر كانت هناك سيارة اسعاف تنقل جورج الى مستشفى آخر وهو مازال يغني للعروسين! والمدهش ان شيئا ما كهذا سمعته في (جناح) صلاح فؤاد في معهد القلب, اذ دخلت الى مناقشة ساخنة, حول مبررات زواج الرجل الوحيد. وشاركت في المناقشة, ثم سألت عن صاحب المشكلة فقال احد اصحابه بحماس: صلاح فالحاجة (اي زوجته) تؤدي العمرة وهو هنا وحده في المستشفى, ولذلك نريد تزويجه! ويبدو ان (الحاجة) عادت بسرعة من العمرة لأنني عندما طلبته في الهاتف (المحمول) أو (الخلوي) اجابتني هي. وقبل أن أفيق من تليفون أحمد الشيخ وصلاح فؤاد قال لي أحدهم: الا تقرأ الصحف؟ ان عمار الشريعي في العناية المركزة. ولم أصدق أنه القلب هذه المرة, فعمار أشهر مريض بالقلب, توقعت ــ للتنويع فقط ــ أن يكون سببا آخر, ولم أدركه فلقد سافر إلى الولايات المتحدة, وحدثته ليس في (المحمول) أو (الخلوي) هذه المرة, وأظنه كان حواراً كوميدياً, فلقد كنت منهارا تماما, أما هو فكان قويا ساخرا, يشرح لي بالتفصيل ما يفعله الاطباء, وما سيفعلونه فهو (أستاذ) في مرضه. وأخذ يطمئني كما لو كنت أنا صاحب المشكلة, وهو الحكيم الهادئ. وبعد أن أغلقت التليفون الذي لا هو (محمول) ولا (خلوي) . انتابني احساس جارف بالاعجاب نحو عمار, فهو أب لطفل (مراد) عمره أكثر من عام بقليل, وتجربتي بالآباء الذين تزوجوا متأخرين وانجبوا انهم قلقون جدا على أطفالهم, ولكن عمار كان غاية في التوازن والنضج. ولكي تتم الدائرة حولي, فأنا يفزعني المرض, وبالذات إذا أصاب من أحب, كان مرض عبد الرحمن الأبنودي, ولحسن الحظ وجدته في اللقاء الفكري قبيل افتتاح معرض الكتاب, وسألت عن قلبه فقال بقوة: حديد! وتحدثنا عن أمراض القلب التي انتشرت في هذا الزمن, وقال أحدهم انها لم تزد, ولكن الطب يكتشفها الآن, ولا أظن حديثه صحيحاً, فهذا الزمن الذي نعيشه يضغط على عقل الانسان وقلبه وأعصابه, بحيث انه من نجا بهذه الثلاثة يعتبر حالة غريبة. وما حدث في القلب ان علاجه قد تقدم أكثر من أي علاج آخر, وأذكر ان صديقاً لنا كان سيجري عملية تغيير شرايين في لندن, وكان من حزبنا ــ أي من المرعوبين والخائفين ــ فاتصل بأصدقائه هناك يوصيهم ان يطلبوا من مجدي يعقوب أن يجري العملية, فقالوا له ان عمليته أهون من أن يقوم بها مجدي يعقوب, وأن أي طبيب يستطيع أن يقوم بها, ومن المدهش أن هذا الكلام كان عاملاً هاماً في احساسه بالتفاؤل. وعندما كنا اطفالا كنا نسمع عن مريض القلب كمحكوم عليه بالاعدام, فالموت مصيره, ولا علاج له, وهذا ما نجده في الأفلام السينمائية القديمة, وفي الروايات. أما الآن فلقد اختلفت الأمور, فذات مرة دعانا صديق لنا الى سهرة كبيرة, وكان الوقت صيفا, ومعظم المدعوين يلبسون قمصانا مفتوحة, واقترب أحدهم من آخر وقال له: أين كانت العملية؟ فلقد لمح آثار عملية القلب, ولم تمض ساعة الا هناك نحو ستة أشخاص في ركن يتحدثون عن عملياتهم حتى انني اقترحت عليهم انشاء نادٍ لهم. ورغم ان الأمور قد تغيرت كثيرا بالنسبة لهذا المرض, فلقد أصابني وجوم شديد لشهر كامل, لم يخفف من حالتي تفاؤل عمار الشريعي عبر آلاف الأميال, ولم يقلل منه (السيرك) الذي أقامه صلاح فؤاد في مكان هام (كمعهد القلب) حتى أن أحدهم اقترح دخول (جناح) صلاح فؤاد ببطاقات يرتفع سعرها حسب المدة التي يقضيها الضيف في المكان. اردت ألا أبالي فلم أستطع, أردت أن أضحك كما يفعلون فلم أستطع, ولما ضقت بما أنا فيه, طلبت طبيباً في القلب, وسألته ان يحجز لي موعداً. ولا أدري ما سيحدث! إذا كانت نتيجة الفحص مضحكة جدا , سأكتب لك, وإذا كانت سيئة جدا, سأكتب لك أما إذا كانت فترة, فانس الأمر كله.