يبدو ان الحرب ستظل مستعرة بين مانريد وما لانريد, ففي الوقت الذي يواصل فيه رجال الدعاية والاعلان العمل نحو ابتكار افكار جديدة واستنباط رؤى حديثه, لزيادة نسبة المدخول الاعلاني , والتأثير بشكل واضح وصريح على ذائقة المستهلك, يقف آخرون ضد سطوة المادة الاعلانية وافكارها الجديدة والتي تشكل في تراكمها اليومي - كما يشير هؤلاء - حالة دائمة لا فكاك منها وهذا ما يمثل قيدا او اسرا عندهم للحرية التي هي حق انساني. ورغم ما تثيره المواد الاعلانية من استنكار وردود فعل سلبية احيانا, يظل لها عشاق تتسمر اعينهم على شاشات التلفزيونات وتكبر آذانهم كثيرا للمؤثرات التي ترافق اكثر الاعلانات واشهرها , فمع كل دقة طبل او موسيقى ساحرة, ومع التفاتة اي جسم وميلانه وتهاديه ترقص تلك الوجوه المأخوذة بهذا الفن فرحا ولهفة لرؤية المزيد من الاعلانات المصنوعة بتقنية ساحرة. ولكن هل هذا الفن يروق للكل؟ في استطلاع تلفزيوني اخير جرى في المانيا قررت احدى الشركات المتخصصة في تقنية العروض الاستجابة لرغبات المشاهدين والذي اثبت ان 70 في المائة منهم يشعرون بالضجر من الاعلانات التلفزيونية, حيث قامت بانتاج جهاز اضافي صغير يخلصهم من هذه الاعلانات. ويرى عشاق الاعلانات ان هؤلاء سيضطرون الى العودة مجبرين الى هذا العالم المثير, اذ كيف يتصورون ان يأكلوا خبزا بلا ملح .. ان شيئا في دورة حياتهم اليومية سيكون ناقصا. الا ان الشركة التي ستصبح مكروهة من شركات ووكالات الدعاية والاعلان العاملة في المانيا ستبعث الارتياح بجهازها الصغير في قلوب 31 مليون الماني ينتظرون طرح الجهاز الذي اطلق عليه اسم (حورية التلفزيون) , فهؤلاء يزداد غضبهم وتثير ثائرتهم كلما تسبب الاعلان التلفزيوني في قطع البرامج والافلام المحببة لهم والتي يتابعونها بكل شغف وحرص, ولا ندري ماهي الخطوة التي ستتخذها شركات ووكالات الاعلان من جانبها لفك هذا الحظر على موادها. والسؤال .. هل يقف بارونات الاعلان مكتوفي الايدي امام هذه الخطوة وهل سينتهي الاعلان او تتضاءل نسبه ويخسر امام ذائقة المشاهد؟ يبدو ان صناع هذا الفن القديم الجديد الذي عرفه الانسان منذ الاف السنين لن يقفوا مكتوفي الايدي خاصة وان هذه الصناعة تزخر بتقنيات عالية ومثيرة تحمل آفاقا لكل ماهو جديد بعد ان اصبحت كالماء والهواء لانسان اليوم .. ولهذا وبين يوم وآخر نسمع ونرى تقنيات جديدة وافكارا مثيرة في هذا المجال. ويؤكد المتخصصون ان السنوات المقبلة ستحمل قفزات هائلة في مجال الاعلان المقروء, اذ ستختفي الكثير من الملامح التقليدية التي نراها اليوم في تلك الاعلانات, بعد ان نجح هؤلاء في نشر اول اعلان صحفي ناطق في العالم وقرروا تعميمه. وهذا الاعلان الذي كان قيد التجارب يعمل بتكنولوجيا الصوت الاصطناعي , فحالما تفتح صفحة المجلة يرتفع مفتاح حساس للضغط مغلقا دائرة كهربائية مكونة من ثلاث خلايا كهربائية بحجم الزر العادي واداة للصوت الاصطناعي مكونة من مضخم وسماعة ذات جهد كهربائي قطرها 2.5 سم وبعد فترة قصيرة ينطلق صوت بكلمات دعاية تستغرق 15 ثانية. والنظام الجديد كما يشير هؤلاء, المتخصصون عبارة عن تطبيق رخيص التكلفة لدائرة الصوت الاصطناعي التي طورت منذ سنوات في الالعاب التعليمية وبطاقات الاعياد الموسيقية, ومع ان الصوت يبدو اقرب الى النعومة وبه رنة رفيعة الا ان الكلمات واضحة ومفهومة. ويرى المعنيون بشؤون الدعاية والاعلان ان هذه القفزة الهائلة في تكنولوجيا الاعلانات ستفتح الباب واسعا للاجتهاد وتطويع هذا الفن المثير لخدمة الاقتصاد خاصة وان مثل هذا الاعلان بما يحتويه من مخزن للذاكرة ودائرة اصطناعية وخلايا كهربائية وسماعة ومفتاح لايكلف اكثر من 4 دولارات امريكية. ومن جديد نعود لاولئك المشاهدين الذين ضجروا من الاعلانات التجارية وتحايلوا عليها بتركيب جهاز (حورية التلفزيون) الذي يقاطع اتوماتيكيا القناة التي تقطع برامجها لعرض الدعايات فيحولهم الى اخرى لاتعرض الاعلانات في تلك اللحظة. نعود فنسأل كيف سيتعامل هؤلاء مع الصحيفة بعد ان نطقت اعلاناتها الخرساء فجأة واصبحت كالطفل الذي يتعلم الكلام. عموما, يظل المستقبل للصحافة المقروءة ورديا, فأمام هذا التزاحم الفضائي يحتاج الانسان الى محطات تأمل لن يجدها الا في القراءة المتأنية.