من قصر العدالة بعاصمة صقلية يخرج قاضي تحقيق بقسم مكافحة عصابات المافيا الاجرامية الشهيرة فيهب ثلاثة حراس وقوفا ويحيطون به وهو في الطريق الى قاعة المحكمة في الطابق الاول. اعينهم مفتوحة يتلفتون يمنة ويسرة وأيديهم على زناد مسدساتهم وكأن القاضي يشق طريقه وسط خضم من البشر باستاد لكرة القدم . ثم يعود القاضي الى مكتبه ويتنفس الحراس الصعداء ويسترخون مرة أخرى على مقاعدهم. من قصر العدالة وفي قسم مكافحة المافيا الذي تحول الى ملجأ حصين بأبواب زجاجية لا يخترقها الرصاص وكاميرات في كل ركن يضع القضاة خطط الحرب ضد المافيا. ولكن ترى ماذا عن العدو, هل المافيا في مرحلة الاحتضار بعد ضربات قاضية من قضاة عتاة أم انها في طور سبات ستصحو منه وحشا بعدة رؤوس. شهد عام 1992 آخر جريمة قتل لاحد القضاة نفذتها المافيا, ولم ترتكب العصابة أي جريمة قتل اخرى في باليرمو منذ أكثر من عام في أطول فترة هدوء بالمدينة. قال قاضي التحقيق أنطونيو انجرويا (تاريخ المافيا يكرر نفسه في دورات, أعرف ان الذين لا ينشغلون بأمور المافيا او الذين لا يعيشون في باليرمو ربما يعتقدون أن العصابة اختفت أو منيت بالهزيمة, ولكن الحقيقة أن الصقلي يشعر بوجود المافيا ويدرك انها لم تمت) . وحتى السبعينات كانت المافيا تهيمن على اقتصاد صقلية وتتبع سياسة التعايش مع المؤسسات والادارات, ثم جاءت حروب التسعينات عندما قامت أسرة كارلوني بزعامة توتو ريينا بعمليات وحشية لاخضاع الاسر الاخرى. في 1987 تمت ادانة 344 من أعضاء المافيا فيما عرف وقتئذ باسم (المحاكمة الكبرى) , وفشلت اتصالات سياسية في الحصول على براءة في الاستئناف مما حفز ريينا على الانتقام بسلسلة من التفجيرات. وتردت المافيا الى الدرك الاسفل في 1992 بقتل القاضيين جيوفاني فالكوني وباولو بارسيلينو. وفي 1993 نسفت المافيا كنائس ومتاحف في روما وفلورنسا وميلانو في محاولة لاستخدام الارهاب لفرض حالة تعايش بينها وبين الدولة. ويقول قضاة تحقيق ان هذه الاستراتيجية كانت جزءا من محاولات ريينا المجنونة للهيمنة السياسية. قبض على ريينا في 1993 بعد هروب استمر 23 عاما ثم تبعه زعماء اخرون خلف القضبان مما أصاب المافيا بجراح بالغة. ويسود الان هدوء بعد العاصفة, وحتى جرائم القتل الخمس الاخيرة بالاقاليم ارجعها محققون الى عمليات ثأر قديم مستبعدين ان تكون شرارة اشتعال حرب جديدة. قال قاضي التحقيق جويدو لو فورتي لرويترز (ما نراه الان هو محاولة احياء, المافيا تريد العودة الى الماضي) . وتركز المافيا الان على اعمال تجارية غير مشروعة, تهريب وابتزاز واستغلال, كما انها تعمل على اعادة تنظيم البيت من الداخل. ويعتقد قضاة تحقيق ان محاولات المافيا اعادة الايام الخوالى قبل 30 عاما أمر بالغ الصعوبة. قال لو فورتي ان صقلية حاليا لم تعد موطنا يرتع فيه زعيم محلي للمافيا يعمل في نفس الوقت سياسيا ورجل اعمال واداريا ويتناول عشاءه بهدوء في احد المطاعم أو يلعب الورق في ناد بدون ازعاج كما كان يحدث في الستينات. بيد ان القضاة يخشون ان تضعف ارادة الشعب في التصدي للجريمة وان يعجز عن قول (لا) وخاصة في القرى حيث يقول لو فورتي ان قانون (أوميرتا) أو الصمت التام لا يزال قويا ولذلك يصعب التوصل الى شهود مستعدين للكلام.