قرأت حوارا مع الاعلامية كوثر البشراوي, وتذكرت ان هذا الوجه الجميل وهذه الإنسانة المثقفة قد اختفت منذ زمن واختفت معها السهرة المفتوحة . حوار البشراوي فيه كثير من المرارة, لأنها كما تقول اكتشفت الواقع,وتشعر بالحزن لحال الاعلامي, هذا الغياب أثمر الكثير في حياتي وفي رؤيتي للناس وللمجتمع, ودمر كثيرا من الأكاذيب التي كنت أعتقد بها, حيث كنت أعتقد ان الاعلامي يمكن ان يبقى بارتباط وثيق مع ناسه الذين يصارع ويتحدى العالم من أجلهم, اكتشفت انها أكاذيب, وشيء طيب ان يصحو الإنسان من أحلامه وأكاذيبه وأوهامه! تحدثت كوثر عن الفضائيات وعن الاعلام العربي والأوهام التي يرسمها ويخدر بها الانسان العربي. صناعة النجم قد تكون من القضايا الصعبة في الأزمنة الماضية, انها عملية شاقة, تحتاج لقدرات غير عادية في شخصية وفكر وإبداع مشروع النجم المقترح, ليس كل إنسان مرشح ان يكون نجما, لابد ان يبدع شرا أو خيرا, ولابد ان يكون ابداعه مختلفا متميزا, ولابد ان يشعر الناس بهذا الابداع وشخص المبدع, وهم الذين يقررون هل يصلح هذا لأن يكون نجما, وهم الذين أيضا يحددون الدرجة التي يكون عليها النجم. لهذا عندما تقرأ تاريخ العصور السابقة تجد ان أعداد النجوم البارزة في التاريخ المكتوب محدودة جدا مقارنة بنجوم هذا العصر, بل ان نجوم هذا الزمن في مجال الغناء مثلا يفوق عددهم نجومية مشاهير العرب والمسلمين في الطب والشعر والتاريخ وجميع المجالات والفنون التي حفظت مشاهيرها أوراق التاريخ. هذا زمن النجوم, فيوجد ساحر عظيم في آلته وخططه وإمكانياته, مهنته صناعة النجوم, هذا هو الاعلام, يصنع النجم, ويحدد مكانته, ويمكنه أيضا ان ينهي هذا الذي صنعه متى ما أراد ذلك, يمكنه ان يصنع النجوم في مختلف المجالات, وفي كل الأوقات, وبالحجم الذي يرغب فيه, نجم أو عشرة مرة واحدة. صناعة النجوم في الغرب لها هدف, وتمر بمراحل, ويمكن ان نقول لها ضوابط. اما صناعة الاعلام العربي, فهذه حالها كحال الوطن لا خطط ولا أهداف, تكمن في بعض صناعتها المحسوبية والواسطة, إذا قررت محطة ما ان تصنع نجما, رضي الجمهور أم لا, تقبل العقل السليم ذلك أم رفضه, المهم ان ما تريده الفضائية العربية سيحدث, وسيصبح النجم واقعا. طيب أين شخصية هذا النجم, أين فكره, ثقافته, أخلاقه, أسلوبه, ابداعاته, شكله..؟! كلها أمور لا تهم, فلا توجد في الاعلام العربي مقاييس لصناعة النجوم, واعلام هذه صناعته يمكنه ان ينهي عمن هم نجوما حقا, ويمكنه أيضا ان يغلق الباب أمام المبدعين, الذين فيهم بذرة النجومية, يبحثون عمّن يرعاهم ويكتشف طاقاتهم. ولو كان الاعلام العربي كحاله قبل سنوات مجرد تلفزيونات وإذاعات وصحف محلية معدودة ومحدودة الانتشار لهانت المشكلة, ولكن الاعلام العربي توسع كثيرا وتطور أيضا كثيرا تكنولوجيا فقط, أصبح الاعلام العربي فضائياً ودولياً, وأصبحت كل دولة عندها بدل المحطة محطات, ودخلت الشركات والقطاع الخاص في هذه الصناعة. أصبح الانتشار أكبر وأوسع وأصبحت الصناعة أضخم كثيرا, ولكن (المصنوع) صار ضعيفا, هؤلاء النجوم العرب الذين يصنعهم ويقدمهم الاعلام العربي في كل المجالات هل هم حقا نجوما بما يحمله هذا الوصف من لمعان وخصوصية وتفرد وإبداع يستحق ان يلفت الأنظار, ان يكون قدوة, وان يكون مدرسة للتعلم والمحاكاة؟! هذه مشكلة من أهم مشاكل الاعلام الفضائي العربي, هؤلاء النجوم الذين صنعهم والذين أصبح عددهم يفوق أعداد نجوم العالم من شرقه وغربه بل ويفوق أعداد نجوم السماء.. والمريخ أيضا!