فاجأني صاحبي المشاكس هذه المرة وأنا أهم بفتح باب سيارتي وقال لي: ضبطتك. إلى أين تمضي دون أن نواصل تريضنا الكلامي المعتاد ؟ هل مللت من نقاشنا حول القضايا التي نشترك في الاهتمام بها أم أنك وجدت لنفسك صاحبا غيري يرضى بالاستماع إليك من غير أن تعطيه فرصة الحوار معك؟ قلت: يا رجل لاترميني بظنونك المشاكسة, فأنت تعلم أنني معتز بصداقتك, حريص على النقاش معك, وهل يمكن أن أجد من يشاكسني مثلك؟ أو يستفزني إلى النقاش الذي يمتعني كما يمتعك في آخر الأمر؟ أم أنني لا أعطيك فرصة الإسهام في الحوار, وأحول بينك وبين إبداء الرأي, فطرفة جميلة أقبلها على أنها نكتة تستحق الابتسام, تغير لون وجه صاحبي فور ما سمعه من وصفي لكلامه, وصاح معاتبا في نبرة لم تخل من مغاضبة: هل كلامي نكتة تستحق الابتسام؟ سامحك الله على قسوتك. صدمني عتاب صاحبي الذي لم أقصد أن أغضبه قط. وقلت له: معذرة أيها العزيز, لم يدر بذهني أن أقول لك ما يغضبك, وإنما هو أثر التخصص الذي دفعني إلى استخدام كلمة النكتة بمعناها القديم وليس معناها الذي نعرفه في المقاهي أو مجالس المسامرة. فأخذت نبرة العتاب تخفت تدريجيا في صوت صديقي لتحل محلها نبرة فضول دفع به إلى سؤالي, وكيف ذلك؟ قلت له: لقد تعودت الكتب القديمة في التراث على أن تشير إلى نكت العلماء من حيث هى المسائل الدقيقة في العلم, وكانت تستخدم (النكتة) بوصفها المعلومة النادرة أو الملاحظة الفريدة أو المعلومة العزيزة, وأذكر أكثر من كتاب من كتب التراث يحمل كلمة (النكت) عنوانا دالا عليه, و(النكت) جمع نكتة. واعلم أيها الزميل العزيز أن (النكتة) في اللغة تعني النقطة السوداء في البياض أو النقطة البيضاء في السواد, والأثر الحاصل من نكت الأرض أو تقليبها, والمسألة الدقيقة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر, والجملة اللطيفة تؤثر في النفس انبساطا. واتهامك اليوم لي إنما هو نكتة بأكثر هذه المعاني لأنه مفارقة غير معهودة, وجملة لطيفة تؤثر في النفس انبساطا. وعندئذ ابتسم صاحبي وقال لي: غلبتني هذه المرة, فأنا لم أكن أعرف كل هذه المعاني للنكتة. ويبدو انها نكتة منك أن تدلني على هذه المعاني. فلم أتمالك نفسي من الضحك, وعقبت باسما: لقد أصبحنا متعادلين إذن, ونكتة بنكتة ياسيدي, ولم يسكت صاحبي بل مضى قائلا: ويمكن أن تضيف إلى ذلك أن ما أدفعك إلى فعله من إعادة تأمل في الأفكار, نقوم به معا في كل لقاء, يفضي بنا كل مرة إلى نكتة جديدة, فنقاشنا في كل مرة لايخلو من إخراج مسألة ثقافية بدقة نظر وإمعان فكر, والوصول إلي إضاءة جديدة على ما كنا نحسب أنفسنا قد عرفناه وانتهينا منه, كما لو كنا ننكت الأرض فنخرج منها ثمرا جديدا, وفرحتنا بما نخرج هى البهجة التي تؤثر في النفس انبساطا, قلت لصاحبي دون أن أستطيع إخفاء إعجابي بتوليده هذه المعاني: معك الحق كل الحق, وأرجو أن يكون للحوار بيننا هذا الأثر الطيب فعلاً, وأن يحقق لك ما يحققه لي, فأنا من المؤمنين بأن المعرفة لاتكتمل في ذهن من الأذهان إلا بعد حوار مع عقول متعددة, أو على الأقل بعد مساءلتها بعرضها على عقل غير عقل من يحملها, شريطة أن تكون العلاقة بين العقول علاقة بين اكفاء لاتراتب بينها ولاتمييز, وإلا اختل الحوار ولم يحقق غايته. ولعلي في حاجة إلى أن أكرر لك ما أنا واثق أنك تعرفه بالفعل من أن الزمن الذي يدعي فيه إنسان المعرفة الكاملة, أو احتكارها, أو الوصول إليها وحده, قد انتهى إلى الأبد, وأصبح في خبر كان, وربما كان من الأصح القول إن البشرية عانت من هذا الوهم طويلا, وعاشت عليه إلى أن تخلصت منه يوم أن عرفت معنى النسبية في كل شىء. ويبدو أن كلامي أعجب صاحبي فأضاف إلى موافقته أن قال: لن أخالفك هذه المرة, بل أوافقك تماما ومن غير مشاكسة, فالحوار هو لغة الأكفاء حقا, ووسيلة العقول السوية في مساءلة أفكارها ماظلت هذه العقول تؤمن أن المساءلة الحوارية سبيلها في الوصول إلى بعض اليقين, ذلك لأن اليقين الكامل مستحيل في المجالات التي نتناقش فيها, خصوصا بعد أن أصبحنا نرى ونقرأ كل يوم ما يزيدنا إيمانا بمعنى النسبية التي تشير إليها, ودعني أسبقك هذه المرة وأقول لك إن هذه النسبية لايمكن إشاعة الإيمان بها إلا مع نوع من (التنكيت) الذي يقلب الأرض, ويحفر في المفاهيم, ويلذع بالسخرية الغفلان أحيانا, والغارق بأوهام معرفته المطلقة أحيانا أخرى, كما لو كان ( التنكيت) في هذه الحالة نوعا من (التبكيت) الذي هو زجر خفيف وسخرية مرحة, تقرن البسمة بإعادة التأمل في الموقف, وتجعل من الضحكة سبيلا إلى التراجع أو إنطاق المسكوت عنه من الكلام. قلت لصاحبي وأنا على حالي من الإعجاب به: معك حق في ذلك كله, ولعله دار بخاطرك مافعله عبد الله النديم عندما أصدر (التنكيت والتبكيت) فكانت سلاحا من أسلحة المقاومة الشعبية في مواجهة الاستبداد والتسلط والقيم الجامدة بواسطة البسمة المقرونة بالسخرية, والسخرية كما تعرف أداة العقول التي تروض الجبابرة, وتنزع عنهم براثنهم الوحشية بإسقاط المهابة عنهم ونزع الخوف منهم, وتحويلهم إلى موضوع لبسمة المقموع الذي ينتصر بسخرية التنكيت على قامعه الذي جرؤ على تبكيته والنيل من جبروته. وأخذت الحماسة صاحبي فأضاف: ولذلك كانت السخرية في تاريخ الفكر علامة العقول التي لاتقنع بما وصلت إليه من معرفة, وتتمرد على الثبات الجامد في سبيل التغير الحيوي, وترفض الإذعان الكامل لشىء, أو الإطلاق الكامل لأى فكرة أو رأى. وذلك هو ماجعل السخرية في علاقتها بالتنكيت تجاوز مهمة الاستجمام العقلي إلى مهمة الاستثارة الذهنية. قلت لصاحبي: لا غرابة في ذلك ماظل التنكيت عائدا إلى النكتة, وقرين فعل النكت أو الحفر الذي يؤكد نسبية المعرفة ولو بطريق غير مباشر. وأحسب أن إلحاحنا اليوم على هذه المعاني للتنكيت إنما هو الحاح على ضرورة المراجعة المستمرة التي تحرر الذهن من الخمول. ويبدو أن كلينا يريد توصيل رسالة مؤداها أن الاقتناع الكامل بفكرة من الأفكار, كاليقين المطلق في مجالات الفكر والإبداع, يؤدى إلى الجمهود الذي هو أحد أسباب التخلف الذي يشغلنا وىؤرقنا في حياتنا التي نحياها, ونرى نتيجته في اختلاط الأمور من حولنا. وفجأة بدا على وجه صاحبي أنه تذكر أمرا أوشك أن ينساه, فقال: آه. حقا, وبالمناسبة, حديثك عن التخلف الان جعلني أتذكر حديثنا السابق عن الرداءة, فالتخلف من جنس الرداءة. ولقد فاتني أن أذكر لك أن حديثك عن الرداءة دفعني إلى مراجعة الكتابات النفسية في مجال تخصصى, فاكتشفت أن بعض علماء النفس في الخارج يهتمون بدراسة العقم من حيث هو نقيض للإبداع, وأن بعضهم فعل شيئا شبيها بما فعله الناقد البريطاني ريتشاردز عندما خصص فصلا لدراسة (الشعر الردىء) في كتابه عن مبادىء النقد الأدبي. قلت لصاحب الذي أفلح في إعادتي إلى موضوع الرداءة مرة أخرى: ولكن ألا يمكن أن يكون لبعض علماء النفس هؤلاء صلة بما كتبه ريتشاردز, خصوصا أنه كان على صلة وثيقة بمدارس علم النفس المختلفة, ويحمل تقديرا خاصا لاجتهادات المدرسة السلوكية. ومن المحتمل أن هذا التقدير هو ما دفعه إلى وضع نظرية سيكولوجية في القيمة من ناحية, وحاول أن يخطط لنظرية سيكولوجية في الاستجابة من ناحية ثانية, وأسهب في توضيح أوجه العلاقة بين المنبه والاستجابة في عمليات تلقى القصيدة, الأمر الذى أدى به إلى القيام بتجارب عملية لمراقبة استجابة القراء إلى أنواع القصائد في كتابه (النقد التطبيقى) من ناحية أخيرة. قال لي صاحبي بعد أن اطمأن إلى أنني قد مضيت في الطريق الذي شدني له: لا أعرف الإجابة المحددة الآن ولو حتى على سبيل النسبية التي نتحدث عنها, وأظن أن الأمر ممكن من المنظور الذي نلمح إليه, وسوف أراجع كتبي وأخبرك بنتيجة المراجعة فيما بعد, لكن الأهم من ذلك هو ما أريد أن ألفت انتباهك إليه, الان, من أن الحديث عن التخلف أو الرداءة هو بمعنى من المعاني حديث عن العقم, ومن ثم عن غياب الإبداع في مجالات كثيرة, ولقد لاحظت في حقل تخصصي وجود بعض البحوث الأجنبية في دراسة العقم من حيث هو نقيض الإبداع, وهي بحوث تنطلق من دافع مهم يتصل بالكشف عن الشروط النفسية والاجتماعية للإبداع, مقابل الشروط المضادة التي تؤدى إلى اختفاء الإبداع ومن ثم ظهور العقم. قلت لصاحبي: أنت اليوم في أحسن أحوالك, ويبدو أنك مصر على أن تكون صاحب المبادرة في النقاش كله اليوم, وها أنذا أستسلم أمامك, وأعلن موافقتى على أن الرداءة كالتخلف كلاهما الوجه الآخر للعقم, من حيث هما تدمير للإبداع وتشويه له, ومن حيث هما سبب ونتيجة, وأنت لا يمكن أن تتأمل واحدا منهما من غير أن تجد نفسك مضطرا إلى الحديث عن الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجعل من الرداءة تفيض على كل ما عداها. وتحيط بنا في مكان. كما لو كانت تقول لنا: ليس هناك سواي: واندفع صاحبي مضيفا إلى ما أقول: ويمكن أن نقول الأمر نفسه عن التخلف الذي لا ينتج عن سبب واحد, فردي او اجتماعي, وانما عن اسباب عديدة: نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية قلت لصاحبي: وكذلك العقم الذي اذا وجد كان سبباً للمزيد من العقم, كأنه ذلك النبات النيلي الذي نسميه ورد النيل لانه ينقسم على نفسه, وكل ما يخرج منه ينقسم على نفسه, بدوره, الى الدرجة التي تسد مجرى النهر اذا لم نستأصله ونقاومه قال لي صاحبي: معك حق, وأضيف الى ما تقول: ان الرداءة كالتخلف يمكن ان يكونا حالات طارئة يسهل ازاحتها فور الانتباه اليها قبل استفحالها وتحولها الى عقم اما اذا تحولا الى عقم فإن العقم نفسه يغدو داء مستعصياً على العلاج الا بالمداواة الجذرية والمعالجة الشاملة, فالعقم هو توقف الامكانات الحيوية في الوجود, كأنه الموت في الحياة او حياة الموت ولذلك كانت اقسى دعوة على امرأة عند العرب قديماً, هي قولهم: اعقم الله المرأة اي صيرها عقيماً. وقد قيل ان العقام بفتح العين والقاف من لا يولد له, فالكلمة تطلق على الرجل والمرأة, فالرجل العقيم هو الذي لا خير فيه كالمرأة العقيم التي لا تلد, كلاهما يؤدي ــ اذا تكاثر ــ الى الدنيا العقيم التي تخلو من الخير والخصب والنماء والتغير والتجدد والامل في المستقبل, ومن ثم تخلو من امكانات الحياة كأنها (الأرض الخراب) التي تحدث عنها الشاعر الانجليزي ت. اس. اليوت منذ سنوات بعيدة. ضحك صاحبي بعد ان ظل صامتا وقال: وليست تلك هي الأرض التي نحن فيها لحسن الحظ, فنحن لا نعرف الأرض الخراب, لأننا قوم نحمد الله على اننا نعيش في احسن حال, وكل ما حولنا يقول انه ليس في الابداع افضل مما كان, وهذا كله بفضل.. ولم ادع صاحبي يكمل كلامه, وأوقفته ضاحكاً بقولي: هذه نكتة اخرى يا سيدي معناها عندك وحدك, اما انا فأستأذنك في الذهاب قبل ان تقودنا النكت الى التنكيت ومن ثم الى التبكيت.