يفاجئنا المؤلف اسامة انور عكاشة من حين لاخر باحدى روائعه الدرامية التي تستقطب اهتمام وانتباه المشاهدين فهو يجيد انتقاء الموضوعات والقصص الواقعية التي تناقش قضايا وهموم المجتمع . وايمانا منه بان الدراما الناجحة هي التي تعكس الواقع المعاش وانطلاقا من خبراته ودراسته بعلم الاجتماع نسج اسامة دراما اجتماعية من نوع خاص جدا وبعنوان يثير الفضول والمشاعر معا والحنين إلى زمن الحب بكل ما فيه من قيم ومبادىء واخلاق محددة وغير متلونة أو ممسوخة, اختار اسم عمله الدرامي الناجح (امرأة من زمن الحب) الذي عرض طوال شهر رمضان وحظي باقبال ونجاح جماهيري عريض. وقد استطاع المؤلف ان يرمز بالمرأة الصعيدية إلى تلك القيم التي فقدت وتسربت من البعض مع مرور الوقت وبفعل المدنية المزيفة وتشوه العلاقات وسيادة المادة واللهث الدائم خلفها ونسيان الهوية الاصيلة مع الانفتاح على الثقافات الغربية والغربية بكل ما تحمله من سلبيات جرفت معها اجمل معاني الحب والاحترام والالتزام وعظمت كل المتناقضات المستوردة من الخارج والتي مازالت تؤثر على الاجيال الصاعدة والشباب اقتناعا بأن ذلك هو التقدم. وقد عكس اسامة كل ذلك في مسلسله الذي اخرجه اسماعيل عبدالحافظ عبر قصة بسيطة ولكنها متشعبة الاحداث, وقد اجاد المخرج اختيار الابطال والوجوه الجديدة وشارك في العمل عدد كبير من الممثلين, وهم: سميرة أحمد ويوسف شعبان وعبله كامل وهشام سليم وحمدي غيث وشويكار ورشوان توفيق وسيد عبدالكريم وانعام سالوسه ومحمد رياض وابراهيم يسري وجيهان فاضل واحمد خليل ونهال عنبر وياسمين عبدالعزيز وكريم محمد عبدالعزيز, بالاضافة إلى عدد كبير من الممثلين اللبنانيين. وجسد المؤلف عبر حلقاته اهم القضايا التي مرت في المجتمع والتي لاتزال موجودة وبدأ الاحداث في مدينة المنيا بصعيد مصر حينما لجأ وجدي رجل الاعمال لشقيقته (وفية) وقصد المؤلف كل ما يحمله هذا الاسم من معان, لتشرف على تربية ابنائه الاربعة اثناء فترة سفره إلى الخارج فتترك صيدليتها التي ورثتها عن زوجها الصيدلي الراحل هي وابنها الصحفي الذي يعمل بالخارج وتذهب الى القاهرة بصحبة شقيقة زوجها (لبيبة) وأحد العاملين لديها (خضر) . وتفاجأ بما يحدث في تلك المدينة الكبيرة من احداث على الرغم من انها خريجة احدى المدارس الفرنسية الا انها لم تكمل دراستها, وتتعرف على عالمها الجديد وتصران تطبق كل ما نشأت عليه من قيم واخلاق لتحافظ على العادات والتقاليد التي يعتبرها البعض رواسب زمن قديم وتخلفا وجهلا. وعلى الرغم من الصعوبات التي قابلتها الا انها واجهت الصدمات بهدوء وبتحليل للأسباب والبحث عن جذور المشكلة والخطأ. وتصاب بالذهول حينما تتعرض لظواهر سلبية سببها الغرب واستفحال رؤوس الاموال لدى البعض ومنها ظاهرة (عبدة الشيطان) و(البودي جارد) و(السرقة بالاكراه) وغيرها. وكان لكل ابن من ابناء أخيها مشكلة تجسد المشاكل الحقيقية للشباب فالابن الاكبر (ادهم) تخرج من كلية الهندسة ويبحث عن عمل ويتعرض للبطالة المتفشية في وقتنا الحاضر, والابنة الثانية (ايمان) متخبطة المشاعر ولا تستطيع ان تقرر الارتباط بأحد الشباب (مسعد) نظرا لاختلاف المستوى الاجتماعي, والابن الثالث (هاني) راسب في الثانوية العامة ويصاحب مجموعة من الشباب الفاشلين يعيشون بمفردهم لأن اولياء امورهم يعملون في الخارج مما يجعلهم معرضين لمشكلات جمة وهم يرددون مصطلحات مبتذلة تعكس ثقافة طبقة المهمشين واصحاب الحرف والتي سادت ثقافتهم بعد فترة الانفتاح, وأوضح المؤلف مشكلاتهم بشكل دقيق فأدخل الرعب في قلوب المشاهدين من عرضه لهذا الكم الهائل من الشباب الذين يتعاطون المخدرات بكافة أنواعها وهي ظاهرة جديدة على المجتمع افرزتها السياسة الجديدة للاستعمار والصهاينة والهادفة الى تخريب الشعوب من الداخل وتهتيك قواها المستقبلية وهي (الشباب) . كما تطرق المؤلف الى قضية أكبر وربطها بالاحداث بشكل منطقي وغير مفتعل وهي وضع اليهود في عالمنا وتأثيرهم في حياتنا والوضع في الاراضي المحتلة وفي جنوب لبنان. وقد أجاد مهندس المناظر سيد أنور ديكورات المسلسل والشاهد على النجاح انها ساعدت المخرج على ان يحرك الكاميرا والممثلين داخل هذا الفراغ بسهولة ولم يشعر المشاهد بالممل من التصوير داخل منزل واحد ولمشاهد كثيرة حيث اختار المهندس اللون الابيض والذي يعطي رحابة للمكان ولكل زاوية وركن اكتماله. ومن الجدير بالذكر ان هذه القصة كانت بعنوان (امرأة من الجنوب) وكان مرشحا لبطولتها سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة. وقد جسدت الفنانة سميرة أحمد الشخصية بمنتهى البراعة والمصداقية فقد كرست كافة امكانياتها الفنية وحصدت نجاحا كبيراً. كتبت فاطمة النزوري