كنت اقرأ في كتاب جديد عن (العولمة) والنظام العالمي الجديد والكتاب لايتحدث عن الآثار السياسية لهذا النظام التي اصبحنا نعرف (بركاتها) جيدا لاننا بحكم الاصالة والمعاصرة معا كان لابد ان نكون اول ضحاياها , ولكنه يتحدث عن الآثار الاقتصادية وقد وصلتنا والحمد لله حيث قلة من الشركات العملاقة تتحكم في لقمة العيش في كل انحاء العالم, ثم الآثار الاجتماعية الهائلة حيث تتفشى البطالة والفقر في ناحية والثراء الفاحش في ناحية اخرى. كنت اقرأ في الكتاب ولا أعرف لماذا كان يقفز امامي من بين الصفحات وجهه الطيب انه ليس (سورس) بالطبع الذي يتحدث عنه الكتاب كثيرا وهو المضارب اليهودي في البورصات العالمية الذي اصبح يتحكم في اقتصاديات الدول والذي كان وراء الانهيار الكبير في دول جنوب آسيا, انه على العكس من ذلك رجل مستور يلبس الجلباب وفوقه (الجاكت) صيفا وشتاء, ويضع على رأسه طاقية بيضاء ولايمل من الوقوف طول النهار ليلبي طلبات الزبائن دون ان تفارقه ابتسامته القانعة. انه (عم عبده) البقال وهو بالطبع غير (شعبان البقال) الذي تتحدث عنه اغنية الشيخ امام الشهيرة التي كتبها الشاعر فؤاد نجم ليسخر بمرارة من هذا البقال الذي تزوج فنانة فأصبح بقدرة قادر فنانا او كما يقول تم تعيينه فنانا!! وكم قاست الحياة الفنية من هؤلاء الذين يتم تعيينهم في مهنة لاينبغي ان تحكمها الا الموهبة وحدها, وقد انتشرت هذه الظاهرة خاصة بين (الفنانات) غير المصريات حيث تسعى كل منهن للحصول على الجنسية والاقامة, فتتزوج مواطنا غالبا مايكون قريبا من المهنة, وهنا تحدث المفارقات تتزوج المطربة من عازف على قد الحال فاذا به يتحول الى ملحن على سن ورمح حتى لو اضطر لشراء الالحان من غيره ليضع عليها اسمه! وتتزوج الممثلة التي واتتها الشهرة من كومبارس فيتحول بين يوم وليلة الى بطل سينمائي, فاذا فشل كممثل تحول الى مخرج... ومخرج طليعي كمان! وبالطبع ليس الزواج من فنانة هو الطريق الوحيد لـ (تعيين) البقال فنانا, ونصف المطربين الآن كانوا نقاشين او سمكرية ثم اصبحوا فنانين, ولكن ذلك لم يحدث عن طريق (التعيين) وانما عن طريق المناخ الهابط الذي اصبح فيه المطرب يغني (تعالى وخش عليَّ) او (احنا اللى دهنا الهوا دوكو) . لكن ما كان يقصده نجم وامام غير ذلك, وكان قاسيا على الجميع لانه كان في زمن مليء بالمواهب والغناء الجميل, مما يجعل دخول واحد غير موهوب الى عالم الفن مسألة لايحتملها احد. واحيانا كان يأتي (التعيين) عن طريق الزواج, وقبل اربعين عاما اختلفت مؤسسة صحفية مع عبدالحليم حافظ فقررت (تعيين) واحد يحل مكانه, ومع أوسع حملة صحفية تم اطلاق المطرب الجديد وكان اسمه كمال حسني, صنعوا له افلاما شاركته البطولة فيها شادية وغيرها من الشهيرات, ولحن له كبار الملحنين, ولم يكن الرجل عاطلا تماما من الموهبة, ولكنه كان صاحب موهبة محدودة, ولذلك لم يستمر. وفي السبعينات قررت السلطة في مصر تعيين مطربة تنتزع عرش الغناء من ام كلثوم وجاءوا بافراج الحصري بنت مقرئ القرآن الشهير, ووقفت مؤسسة الرئاسة وراءها بكل امكانياتها وجاءوا لها بكل الملحنين والشعراء, وتم ترتيب حملات الدعاية واقيمت الحفلات وفتحت ابواب الاذاعة والتلفزيون وفي شهور قليلة كان عبدالوهاب والسنباطي والموجي وغيرهم يقدمون الحانا للمطربة الجديدة وكانت النتيجة فشلا ذريعا انتهت باعتزال المطربة, وكان اعتزالها خيرا وبركة للجميع! (عم عبده) لاعلاقة له بكل ذلك, فقد عاش بقالا, ومات بقالا, لم يتزوج فنانة, ولم يتم تعيينه فنانا, تعاملنا معه ونحن طلبة في الجامعة, وكان دكانه قريبا من سكننا في احد الاحياء القريبة من الجامعة, وكانت ايامنا وقتذاك, صعبة ورائعة. الدخل محدود والطموحات هائلة والحياة سهلة, التعليم كان مجانيا (بالقول والحقيقة معا) ووباء الدروس الخصوصية لم يكن قد انتشر, والكتب رخيصة ومايرسله الاهل يكفي رغم قلته, لولا ان المسارح والسينما والكتاب كانت تأخذ الكثير من الميزانية رغم ان اسعارها لو قورنت بما نشاهده الآن لكانت اقرب الى الخيال. وفي النصف الثاني من الشهر كانت تظهر أهمية عم عبده بعد ان تتبخر الميزانية.. ويصبح عم عبده هو المورد الرئيسي والشرعي والوحيد لما نحتاجه من الخبز الى الجبن والبيض الى علب السردين والبولوبيف وحتى السجائر لاصحاب الكيف من بيننا نحن زملاء الجامعة والسكن. ولم يكن الرجل يخيب رجاءنا.. كان يرسل كل مانريده ولايطالب ابدا بالثمن كل مايفعله ان يخرج كراسته القديمة ويسجل قيمة ما اخذناه ثم يمض الى حديثه المعتاد عن الدنيا واحوال الناس, بل إن بعضنا كان لايكتفي بما يأخذه من بضائع على سبيل السلف والدين, بل كان حين تضيق الاحوال لا يجد مانعا من ان يطالب عم عبده بجنيه أو اثنين, وكان عم عبده لا يتردد في تلبية ما نطلبه منه. كان عم عبده صورة مثالية لبقال القرية, الذي كان الفلاحون يتعاملون معه ويأخذون منه احتياجاتهم ولايسددون إلا عند بيع المحاصيل, نقل الرجل الريف معه الى القاهرة ليس هذا فحسب, ولكن الرجل الذي لم يكن قد أنجب كان يتعامل معنا كأبنائه ولا يخجل في ان يسألنا عن احوالنا في الجامعة والحياة, ولانجد بأسا في سؤاله ولا في اجاباتنا. وكان عم عبده هو الذي يتسلم الخطابات الواردة إلينا ــ وبالتالي كان يعرف مواعيد وصول المدد المالي الشهري لكل منا, ومع ذلك لم يكن يتكلم حين تتأخر الخطابات, بل كان على العكس يبالغ في السؤال إن كنا نحتاج شيئا. قد لا يقدر القارىء معنى ذلك لشباب قادم الى مدينة يقول البعض ــ مثل شاعرنا احمد عبد المعطي حجازي ــ أنها مدينة بلا قلب. طبعا قال ذلك قبل أن يعرف الدنيا ويرى الفارق بين حياة البشر هنا وهناك, وقالها لان المدينة ــ مهما كانت ــ اقسى على أبنائها من الريف.. خاصة اذا افتقد من يدخلها دفء الأسرة وحنانها. ومع ذلك فإن كل ما ذكرته ليس هو الذي جعل وجه عم عبده يقفز الى صفحات الكتاب الذي أقرأه عن النظام العالمي الجديد, ولكنها واقعة اخرى بسيطة مثل الحقيقة تؤكد كيف يمكن للانسان ان يكون جميلا. كان صباحا شتويا باردا, وانا في طريقي للجامعة, كنا في بداية الشهر والحالة المالية ليست سيئة, مررت على (عم عبده) واخرجت النقود وطلبت منه السجائر التي كنا ندخنها أول الشهر وهي غير التي نضطر لها في نهايته كان هناك بعض الزحام المعتاد في هذه الساعة. وبهدوء ترك الرجل زبائنه وجاء اليّ, وبدلا من ان يناولني السجائر مال علي وهو يهمس بصوت حرص على ألا يسمعه أحد: ــ يا أستاذ معلش.. أخونا كامل لم يفتح الدكان إلا الآن. كان مريضا وبقى في المنزل يومين, وجاء اليوم متأخرا. اذهب وهات منه السجائر, ربنا يجعل استفتاحك له خيرا وبركة على الجميع. لم يكن عم عبده ينظر اليّ وهو يقول كلماته, وبسرعة انتهى ثم مضى الى زبائنه دون ان يسمع إجابة. وتركني وأنا انظر الى الجانب الآخر حيث دكان كامل والرجل يبدء في ترتيب بضاعته. وتمر السنوات وهذا الموقف في الذاكرة.. رجل بسيط يحتاج لكل قرش يربحه, ومع ذلك فهو يطالبك بأن تذهب لمساعدة منافسه, ويعتبر ذلك أمراً طبيعيا.. بل ويعتبره واجبا لايصح التخلي عنه. اين ذلك من هذا الصراع المجنون الذي ينطلق في وجهنا من رأسمالية متوحشة ترفض أي قواعد اخلاقية أو اي قيود اجتماعية ولا تعترف إلا بقيمة واحدة هي الربح أو الخسارة؟ الآن ــ وفي ظل النظام العالمي الجديد ــ تجد من ينفق مئات الملايين من الدولارات أو الجنيهات أو الدينارات لكي تغلق الشركة المنافسة له أبوابها. الآن يقاس نجاح الشركات العالمية والعابرة للقارات بعدد العمال الذين يتم الاستغناء عنهم, وبمقدار الربح الذي يحققه سهم الشركة في البورصة. الآن يتحدثون عن مجتمع لايحتاج الا لعشرين في المائة من قوة العمل المتوافرة الآن, والباقي مصيرهم البطالة والفقر. الآن يكافح العمالقة في سوق المال ليتم إلغاء الضرائب عليهم أو تخفيضها, والا نقلوا أعمالهم الى جزر مجهولة ترضى بالبقشيش ولاتهتم بالضرائب التي يتم توجيهها لرعاية الفقراء. الآن أصبح كل شيء مسموحا به في الصراع الدامي من أجل السيطرة على الاسواق والقضاء على المتنافسين, واختلطت الوسائل المشروعة بغير المشروعة, والتلاعب في البورصة بأعمال المافيا ورجال العصابات. وكنت اقرأ عن كل ذلك فيطالعني وجه عم عبده الطيب واتساءل: هل يمكن ان يكون قانون الحياة هو الصراع المتوحش وحده؟ وهل يمكن ان تكون نهاية قرون من كفاح الانسان لصنع الحضارة ان تسود شريعة الغاب وحدها وان يكون المطلوب هو إبادة نصف العالم لكي تتمتع دول الغرب (المتقدمة!!) بكل انجازات العلم وبكل ثروات الدنيا؟ هل يمكن ان ينتحر العالم بأن يضع مصيرة في يد نظام يتحكم فيه أمثال (سورس) السمسار العالمي المستعد لذبح شعب بأكمله إذا كان ذلك سيحقق له زيادة ــ ولوطفيفة ــ في أرباحه.. أم أن العالم سيظل الى الأبد إلى ما يمثله عم عبده وامثاله من قيم الرحمة والتكافل والانسانية؟ إنه السؤال الذي يؤرق البشر منذ بدء الخليقة, والصراع الذي لن ينتهي الى يوم الدين.