يضع الحكواتي ابو شاكر نظارتيه الطبيتين على عينيه ويعلو صوته في المقهي الدمشقي القديم (يا باسط يا ودود يا شديد البطش يا جبار يا مغيث اغثنا منك بالتوبة والمغفرة والمسامحة يا جميل الستر لا تهتك الاستار يا رب. قال الراوي يا سادة يا كرام . وما ان يبدأ ابو شاكر من على كرسي خشبي مزخرف بالحفر العربي القديم والالوان الزاهية يعم الصمت حضورا من مختلف الاعمار ومن ضمنهم سواحا ساقتهم اقدامهم الى هذا المكان وهم يشخصون اليه بعيونهم فيما هو يفتح كتابا بغلاف اسود قديم ويطلق العنان للسانه في ملحمة الملك الظاهر بيبرس. توزع الحضور على صفين من الكراسي الخشبية حيث وضعت امام كل منهما طاولات قديمة عند اسفل جدران المقهي الذي بني بحجر رخامي اسمر يحاكي الماضي السحيق لدمشق وقد توسطته قنطرة ضخمة في احد نهايتيها جهاز تلفزيوني يتناقض وجوده مع كل ما يحيط به من عراقة وتاريخ. وكان القاسم المشترك لمعظم الحضور تلك الاراكيل التي شكلت قرقرتها في لحظات معينة الموسيقى التصويرية الوحيدة لحكاية ابي شاكر وجعلت اجواء المقهى تعبق برائحة التنباك المعسل المحترق. يوزع الاراكيل على الزبائن شاب في الرابعة عشرة من عمره يستغل بين الفينة والفينة عمله لاستراق نفس من هذه الاركيلة او تلك بذريعة الحفاظ على جمرها مشتعلا في الطريق الى الزبون وينفث الدخان من فتحتي انفه كتنين. ويتصاعد بين الحين والاخر صوت موزع الجمر على الاراكيل وهو يصرخ (غيره شباب) مرفقا ذلك بطرطقة ملقط الجمر فيما ابو شاكر يواصل الرواية وكأن صوت الموزع جزءا من ملحمة الظاهر بيبرس السلطان المملوكي الذي حكم مصر والشام وقهر المغول والصليبيين. وتشكل حكاية ابو شاكر مسرحا كبيرا يطوي صفحات الزمن بسرعة قياسية وتتحرك عليه جحافل الفرسان ويتردد في جنباته صليل السيوف وقعقعة الرماح ويتجاور فيه اعتى الملوك والامراء مع رجال الدين والتجار والفلاحين والعساكر. على خشبة مسرح خيال ابو شاكر تتناثر جثث القتلى ويئن الجرحى وتسيل الدماء انهارا اما عن الدسائس والمكائد واعمال السحر والمكر والخداع والحل والترحال في مدن كثيرة من القاهرة الى حلب ومن القدس الى بيروت ومن بغداد الى دمشق فحدث ولا حرج. ويتقمص ابو شاكر شخصيات حكايته ويتحدث بلهجات ابطاله المحلية المختلفة بحماسة جذابة ويصل اندماجه في بعض الاحيان الى حد الصراخ عندما يقتضي مشهدا ما حركية معينة, اما باقي سرده فهو خليط من الفصحي والعامية الشامية المحببة. وعند احتدام الموقف يعرب الزبائن عن استحسانهم بالصراخ (نعم, نعم) واذا ما شاغب احدهم من دون ان ينتبه له ابو شاكر يصرخ احدهم (سمع شباب) . اما اذا وقع نظر ابو شاكر على احدهم وهو يحادث جاره بصوت عال فانه يقطع سرده للرواية ويصرخ له بلهجته الشامية (اهلين ابو) , مرفقا ذلك بابتسامة ودودة تحمل دعوة مبطنة للاصغاء. يقول ابو شاكر واسمه الحقيقي عدنان صنوبر (64 عاما) انه في عمله كحكواتي يمارس مهنة كانت في طريقها الى الانقراض في دمشق وهي بالنسبة اليه هواية بدأت لديه عندما كان صغيرا مشغوفا بحب المطالعة ونمت معه لتتحول الى ما يشبه التمثيل المسرحي لكنها لا تغنيه عن مهنته الاساسية كبائع للخضار بالجملة. واضاف انه لا يخجل ان يمارس هذه الهواية بالرغم من انه لا احد من ابنائه وبناته العشرة يحضر حكاياته كما ان ايا منهم لا يرغب بمواصلة مسيرة والده في هذا الميدان. واعرب ابو شاكر عن مخاوفه من انقراض مهنة الحكواتي التي لم يعد يمارسها في كل دمشق حاليا سوى اربعة هواة. وشكلت مهنة الحكواتي الظهور الاول للمسرح العربي منذ مئات السنين وقد انتشرت في العديد من الدول العربية ولاسيما منها في منطقة حوض المتوسط, غير ان نجمها بدأ بالافول مع ظهور التلفزيون في الخمسينيات وانتشاره بشكل واسع بين الناس. وعن اسباب جلوسه على منصة عالية فوق مستوى الجمهور يقول ابو شاكر (العين مغرفة الكلام لذلك على الحكواتي ان يكون ظاهرا للجميع في المكان الذي يحكي منه لجذب انتباه الجمهور, هذا بالاضافة الى ان الحكواتي انما هو ممثل مسرحي الى حد ما يحتاج لخشبة يلعب عليها ادواره المختلفة) . ويرفض ابو شاكر فكرة منافسة التلفزيون للحكواتي فيقول (لا اعتقد انه ينافسني او انافسه فكل منا له زبائنه وكما ترى فان الزبائن يوقفون التلفزيون بمجرد ان اجلس على كرسي الحكواتي) . وكان سبق اعتلاء ابو شاكر المنصة ان كان التلفزيون يبث مسلسلا يروي تاريخ سوريا الحديث من ايام النضال ضد الاستعمار الفرنسي غير ان المسلسل لم يجذب سوى انتباه القليل من الحضور الذين غرق معظمهم في احاديث جانبية. وقال احد الحضور انه لا يتابع المسلسل (لانه يروي التاريخ الحديث الذي نعرفه جيدا بطريقة منحازة بصورة فاقعة اما ابو شاكر فانه يروي التاريخ بتجرد وبراءة) . ويضيف (لو كنت اريد ان اشاهد التلفزيون لبقيت في البيت) .