(اعتقال الألحان) تعبير منسوب إلى الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب وهو يحكي في ذكرياته عن الأعمال الموسيقية ــ الغنائية التي أنجزها, ولكن شاءت السلطات في مصر وفي خارج مصر أن تحجبها عن أسماع الناس أو تعتقلها و(تتحفظ عليها في مكان أمين) كما يقول قانون المدعي الاشتراكي المصري الذي هو من (بنات أفكار الراحل أنور السادات أو هو من عوانس) أفكاره ان جاز التعبير. صحيح ان عبدالوهاب كان رجلا خوافا يخاف من النقاد, ويخاف من الحسد, ويخاف من ركوب الطائرة ويخاف من نزلات البرد.. وطبعا يخاف إلى حد الهلع الرعديد من السلطة وسطوتها وصولجانها, لكن الصحيح أيضا ان عبدالوهاب فنان مرهف الاحساس قبل كل شيء. يعايش أحداث وطنه الصغير في مصر كأي فرد فيه, ثم لا يعزل نفسه عن وطن العروبة الأكبر, ان لم يكن بالمنطق السياسي أو الانتماء القومي, فالمنطق الفني الابداعي البحت كان كفيلا بأن يوصله إلى نفس الغاية. عبدالوهاب كان عروبيا, لا لكونه داعية أو زعيما, ولكن لانه كان فنانا وسيلته الكلمة العربية, مفعمة بعذوبة الشعر ومترعة بأسباب الجمال.. وأداته النغمة الموسيقية الشرقية ــ العربية على ايقاعات آلة القانون الصادح أو العود الحنون أو الناي الباعث للشجن.. كانت رسالته إذن هي امتاع الأذن العربية واثراء الوجدان العربي, وما كانت بالرسالة البسيطة أو الهينة في التحليل الأخير. كان طبيعيا أن يتعامل عبدالوهاب ــ الفنان مع الأحداث والخطوب التي تلم بالوطن العربي, وأن يترجم هذا التفاعل إلى انفعال فني بالدرجة الأولى مجسدا في أعمال لحنية وطنية وقومية تواكب الأحداث وتترجم عن وجدان الوطن وفؤاد الأمة. من هذه الأعمال مثلا قصيدة (دمشق) التي قدمها عبدالوهاب سنة 1944 حين قصف الانتداب الفرنسي العاصمة السورية بالمدافع ردا على المظاهرات المطالبة بالاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية. يومها تذكر عبدالوهاب بحسه الفني الواعي قصيدة أمير الشعراء شوقي التي سبق وان كتبها عام 1925 تحية لصمود دمشق ضد مدافع الفرنسيين في الثورة التي قادها سلطان باشا الأطرش عند منتصف العشرينات. وهكذا بدأت اذاعة القاهرة تقدم قصيدة (دمشق) بصوت عبدالوهاب الجميل يقول في مطلعها: سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق إلى أن يقول على لسان شوقي فيما أصبح يجري مجرى الأمثال: نصحت, ونحن مختلفون دارا ولكن, كلنا في الهم شرق وقفتم بين موت أو حياة فإن رمتم نعيم الدهر, فاشقوا ثم يحلق عبدالوهاب مع شوقي إلى ذرى الشعر واللحن الرفيع في البيت الشهير: وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق ولم تطل اذاعة الأغنية كثيرا.. بل بادرت السفارة الفرنسية في القاهرة إلى احتجاج قدمته إلى وزارة خارجية الملك فاروق ــ وكان أن تم التحفظ على الأغنية في مكان أمين وظلت حبيسة أدراج الأرشيف الاذاعي إلى أن أفرجت عنها ثورة 1952. الاعتقال الثاني كان من نصيب قصيدة أخرى أعاد بها عبدالوهاب إلى ذاكرة جيل الأربعينات قصيدة شوقي الميمية التي دعا فيها الشاعر الكبير في نبرة لوم أو تقريع إلى نبذ الفرقة في الحركة الوطنية المناهضة للاحتلال الانجليزي وشدد على ضرورة وحدة الفكر والصفوف, كما انتقد ما اشتجر من خلافات بين الساسة والزعماء. وعمد عبدالوهاب إلى لحن مبتكر صاغ فيه شعر شوقي واستوحى في بنائه ايقاعات الموسيقى السودانية تجسيدا للدعوة إلى وحدة شطري وادي النيل, وكانت شعار الحركة الوطنية أيامها.. ويقول مطلع القصيدة: إلام الخلف بينكمو الاما وهذي الضجة الكبرى علاما وفيم يكيد بعضكم لبعض وتبدون العداوة والخصاما وفيم الخلف, لا مصر استقرت على حال, ولا السودان داما لكن الحال لم يعجب النقراشي باشا رئيس وزراء ذلك العهد. كان الرجل قد عاد من مجلس الأمن الدولي دون أن يكسب تأييدا لمطالب مصر في الاستقلال والجلاء.. وبعدها تعرض لحملة شعواء من خصومه السياسيين والحزبيين.. فكان ان وضع همه في ملاحقة أغنية (الام الخلف) باعتبار انها تنال من وحدة الامة ورص الصفوف.. الخ, ومرة اخرى صدر امر النقراشي, وكان هو الحاكم العسكري في ظل احكام عرفية باعتقال الاغنية في اضابير الاذاعة.. وعندما قامت ثورة يوليو لم تكن ثمة دواع لاذاعتها فقد تغيرات الظروف. نفس المصير الاعتقالي تعرضت له واحدة من انبل اغنيات عبدالوهاب وهي قصيدة (فلسطين) التي قدمها عام 1948 من شعر علي محمود طه (صاحب رائعتي الجندول وكليوباترا) وكانت تسجل احداث نكبة الاغتصاب.. في مطلعها المعروف وتحض على مواصلة الجهاد في مطلعها المعروف: اخي: جاوز الظالمون المدى

فحق الجهاد وحق الفدا

انتركهم يغصبون العروبة

مجد الابوة والسؤددا؟

وليسوا بغير صليل السيوف

يقيمون صوتا لنا أو صدى

وقد لقيت قصيدة (فلسطين) نجاحا منقطع النظير اذ (جاءت على الجرح) كما يقولون.. وبدأ الناس يرددونها في كل مكان.. ابتداء منا نحن تلاميذ الابتدائيات في تلك الفترة وليس انتهاء بالضباط الوطنيين الكاظمين غيظ الغضب المكتوم في المعسكرات... وفجأة اوقفت الاذاعة بث الاغنية.. ومضى عبدالوهاب يطرق ابوابا شتى ويطرح تساؤلات بغير حصر.. ولكن دون اجابات شافية: جهة رسمية تقول ان اذاعتها تتنافى مع الهدنة التي كانت قد اعلنتها الحكومة (وطبعا انتهكها العدو الصهيوني) وسلطة اخرى تقول ان رجال الدين اعترضوا على شطر في بيت يقول: يسوع الشهيد على أرضها.. باعتبار ان كلمة الشهيد المقترنة بيسوع لا تقرها عقائد المسلمين. ورجع عبدالوهاب الى الشاعر المؤلف, علي محمود طه.. فقال انه قصد بالشهيد اساسا معنى مجاهدة الالم ومكابدة العذاب وانه استفتى في الامر علماء من الازهر فأقروه على ما ذهب اليه. ومن باب سد الذرائع بادر الشاعر والموسيقار الى اعادة تسجيل قصيدة فلسطين واذا بالبيت المشكلة يقول: وقبل شهيدا على ارضها

دعا باسمها الله, واستشهدا

ومع ذلك, ظلت الاغنية رهينة الاعتقال الى ان قامت الثورة ايضا. وفي بعض الاحيان كان يجيء الاعتقال بصفة لاحقة بمعنى مصادرة او منع او ايقاف اغنية بعد اذاعتها على الجمهور.. لكن نشيد الحرية كان له قصة اخرى بلحنه الجزل الجريء وبكلماته الملتهبة ذات الطابع الرسالي كما قد نسميها, وهو من نوادر اشعار كامل الشناوي الذي كان بمثابة أمة في رجل من حيث المواهب والظرف ودفء العاطفة وجموع الاصدقاء. في اكتوبر 1951 الغى الزعيم الوطني مصطفى النحاس معاهدة 1936 من طرف واحد وفتح بذلك الباب لأعمال فدائية في منطقة قناة السويس ضد قاعدة الاحتلال البريطاني المتبقية على ارض مصر. ولكن نفذ المتآمرون كارثة حريق القاهرة في يناير ,1952 وكانت حركة الضباط الاحرار قد اشتد ساعدها وتجلى تأثيرها بين صفوف الضباط الوطنيين, ثم انفجر بركان من الغضب الذي كان يضطرم حبيسا في صدور ابناء الشعب ضد مفاسد فاروق بن احمد فؤاد وحاشيته.. والتهبت المشاعر الوطنية ترى ان الخلاص يتمثل في تحرير البلاد من نظام فاروق المتحالف مع بقايا الاحتلال.. وسط هذه المشاعر كتب كامل الشناوي (نشيد الحرية) يقول في مطلعه مخاطبا الشعب: كنت في صمتك مرغم

كنت في صبرك مكره

فتأمل وتألم وتعلم كيف تكره

عرضك الغالي على الظالم هان

ومشى العار إليه واليك

ارضك الحرة غطاها الهوان

وطغى الظلم عليها وعليك

وتمضي الكلمات الشاعرة متدفقة هادرة موصول بعضها ببعض, فهكذا يكون غضب الافراد وغضبة الجماهير.. وعكف عبدالوهاب على وضع مداميك البناء اللحني قويا ومتينا بما يليق بهذا الشعر القوي المتين. وقبل ان يطلع النشيد على الناس, مواكبا لظروف الوطن ومعبرا عن احاسيس ابنائه, كانت عيون البصاصين قد ابلغت السلطات ان (سي عبدالوهاب) يلحن نشيدا ثوريا يحض فيه على رفض الظلم واسقاط الاستبداد ويتحدث فيه عن الحريات المهدرة ويقول على لسان ابن البلد: لا ابالي الهول بل اعشقه لا اباليه وان مت صريعا.. الخ ولم تكذب وزارة داخلية السراي خبرا, بل ابلغت من فورها الموسيقار عبارة موجزة تقول: ــ ممنوع ـ تسجيل نشيد الحرية.. وكان هذا معناه وأد النشيد ــ اللحن والكلمات. وقبع عبدالوهاب في بيته بالزمالك خائفا يترقب وينتظر.. ولم يطل به الانتظار.. بل قامت الثورة بعد ذلك بأشهر قليلة.. ولم يقتصر الامر على الافراج عن النشيد المعتقل ومعه شقيقاته الحبيسات, بل كان من حظ نشيد (الحرية) ولحن عبدالوهاب ان الاذاعة المصرية عمدت منذ قيام ثورة يوليو ـ وحتى كتابة هذه السطور, الى اختيار افتتاحيته الموسيقية لتكون مقدمة نشرات الاخبار التي تبث من اذاعات القاهرة في الصباح وفي المساء. وداعا اذن لمقدمة النشرات التي كانت تذاع في العهد (البائد) وكانت من مفردات المارش الشهير في اوبرا (عايدة) من تأليف الايطالي (جو سيبي فيردي) ومرحبا بالمقدمة الموسيقية الجديدة للنشرات من افتتاحية (نشيد الحرية) من تأليف محمد عبدالوهاب ابوعيسى المعروف في صبوات الوجدان العربي باسم الموسيقار محمد عبدالوهاب.