كنا ذات مرة نتحدث عن تجاربنا غير المألوفة فتحدث صديق عاقل جداً ومحترم جداً عن تجربته الوحيدة بنوع من الاقراص ربما كانت اقراصا غير صحية, وربما لم تكن , فأنا لا اذكر تماماً, ولكنني اذكر جيداً انه حكى انه عندما تعاطى هذا الشيء كانت الساعة العاشرة تماماً ولم اسأله آنئذ هل كانت العاشرة صباحا او مساء, وافترض الآن انها كانت مساء فكل الاشياء غير المألوفة تحدث ليلاً على ما أظن. المهم انه حكى لنا ما حدث له بعد ذلك او ما توهم انه حدث له, فقضى فيما حكى ساعتين او اكثر وهو يروي حكايات مثيرة بتفاصيلها المدهشة وفي النهاية قال: نظرت الى الساعة فوجدت انها العاشرة ودقيقة. وربما لم يكن صاحبنا العاقل جداً المحترم جداً دقيقاً في التوقيت, فالحالة التي كان فيها لا تسمح له بالدقة الشديدة, ولكن ما يهمني من ذلك هو نسبية الزمن, وكيف ان صاحبنا عاش حياة كاملة في دقيقة وهذا هو نفس ما حدث لي عندما اصبت بهذه الانفلونزا الرهيبة اذ عشت على سطح جزيرة (اداموس) حياة طويلة ورصدت آلاف التفاصيل, ثم اكتشفت ان كل هذا حدث في خيالي في ساعة او ساعات. ولقد تابعت الجهود العبقرية للولايات المتحدة والدول الدائرة في فلكها في خلق دولة من لا شيء ولقد نجحت التجربة, ولكنني لا اريد ان استبق الاحداث, فأتوقف لأتحدث عن العيد, ولقد ذكرني به العيد اعاده الله عليكم بألف خير. والحديث عن العيد يرتبط بشهر رمضان وشهر رمضان يرتبط نفس الارتباط العضوي بالتلفزيون حتى لقد سألني احدهم: هل كان احد يصوم قبل اختراع التلفزيون؟ ولو انني جاريته في الحديث لسألني هل الصيام يجوز دون الفوازير؟ اذ يبدو للبعض ان الفوازير بالذات شرط من شروط الصيام وخاصة اذا كانت فوازير رديئة. ولقد تابعت ما يعرض في شهر رمضان من اعمال في حدود الطاقة البشرية فلقد كان الركام هائلاً, واشهد انه كانت هناك بعض العلامات المضيئة, لكن الشاشات ككل كانت مظلمة اشد الاظلام وانا مشاهد مدمن للتلفزيون ولكن في شهر رمضان قلت الفترة التي اجلسها امام هذا الجهاز السحري, وتمنيت لو انهم عادوا الى خرائط قبل رمضان او بعده فلقد كانت افضل بكثير. وها هو اقتراح مجاني لمدير محطة ذكي: انه في رمضان المقبل يقدم برامجه العادية واعتقد انه سيكتسح كل المحطات الاخرى المرهقة ببرامج ليس اسوأها الكاميرا الخفية او الفوازير. ونعود الى الجزيرة فهي موضوعنا اذ رأت الدول الكبرى ضرورة انشاء محطة تلفزيون ولم يفهم السكان الاصليون. لماذا هو ضروري انشاء تلفزيون, بالطبع لجهلهم. ولم يتقدم مواطن واحد لشراء جهاز ولكن مدير الشركة كان غاية في الذكاء اذ وزع الاجهزة بلا مقابل, على ان يدفع المشتري ثمن الجهاز مضاعفاً اذا اراد تغييره. وبعد ان كان الناس يعملون طول النهار, اذ لم تكن هناك تسلية في الجزيرة غير العمل, صاروا يجلسون امام التلفزيون معظم اوقاتهم, وبعضهم اقام امام هذا الجهاز ليل نهار, لا يتركه الا دقيقة يقضي فيها حاجته. ويأكل وينام أمامه. وعندما اكتشفوا انه من الممكن استقباله لأكثر من محطة عرفت الجزيرة لأول مرة الطلاق, بل عرفت فكرة ضرب احد الزوجين للآخر واستقبل المستشفى حالات عديدة لازواج او زوجات صمموا على برنامج معين وكانت الكارثة هي حالات القتل, وكان اولها ان رجلا كلما عاد من عمله وجد زوجته (مزروعة) امام التلفزيون فتشاجر معها وقتلها. وابلغ احدهم ــ من الجالسين امام التلفزيون ــ ان زوجته هربت ولما سألوه متى حدث هذا لم يستطع ان يحدد الموعد فلقد كان مستغرقاً في الفرجة على التلفزيون, وبعد تحقيق طويل اكتشفوا ان الزوجة هربت منذ ثلاثة اشهر مع فرنسي من القادمين الى الجزيرة, وان الزوج لم يكتشف هروب زوجته الا منذ يومين, وعندما سألوه لماذا لم يبلغ فوراً, قال انه كان مشغولاً بالفرجة على آخر حلقة من مسلسل تلفزيوني. وبعد هذا النجاح المبهر لمشروع التلفزيون بدا ان الدولة قد اكتملت في الجزيرة, خاصة بعد قبولها عضواً في الامم المتحدة باجماع الاصوات ما عدا صوت الارجنتين, ولم يعرف احد حتى الآن سبب اعتراض الارجنتين. واحس الجميع بالسعادة لولا ان احدى الصحف ايقظت الناس من سعادتهم وقالت ان الجزيرة صارت دولة فعلاً, ولكنها دولة ناقصة فأين الجيش الذي يحميها؟ ومن المدهش ان الصحيفة كانت سويسرية, وسويسرا رغم انها دولة عريقة في العسكرية الا انها دولة محايدة, والجيش فيها للزينة ولتأجير بعضه لدولة الفاتيكان. ورفض (البرلمان) في الجزيرة فكرة الجيش فلقد عاشوا تاريخهم ولم يعرفوا الحرب ابداً, وقال نائب انه ليس من المعقول بعد هذا التقدم الكبير تتخلف الجزيرة فتنشىء جيشاً لا يفعل اي شيء, وقال آخرون ان الجزيرة لا طاقة لها بانشاء جيش وشراء طائرات وصواريخ لاسقاط الطائرات, ودبابات ومدافع لتدمير الدبابات. وانتهى البرلمان الى رفض فكرة الجيش, وفي نفس اليوم اعلنت قبرص الحرب على (اداموس) فلما سألنا نحن الذين نتابع الاخبار هل الذي اعلن الحرب الجزء اليوناني ام التركي من قبرص اتانا الخبر ان كلاً من القسمين اعلن الحرب على الجزيرة. واسقطت قبرص اليونانية قواتها على شمال الجزيرة, واسقطت القوات التركية قواتها على جنوب الجزيرة, وسار كل قسم منها يبغي تدمير الجزيرة الباغية, لكنهم لم يجدوا شخصاً واحداً يقاومهم, لان كل اهل الجزيرة كانوا يتفرجون على الحرب على شاشة التلفزيون. وفي وسط الجزيرة تقريباً التقت القوات القبرصية اليونانية بالقوات القبرصية التركية ونشبت حربا ضارية بينهما انتهت بعدد كبير من القتلى والجرحى. وتدخل كوفي عنان لاجلاء القوات القبرصية من الجانبين, وحقق النجاح الوحيد في عهده, وهو الاتفاق على اجلاء جندي قبرصي تركي مقابل جندي قبرصي يوناني. وبعد ان انتهى الجلاء الذي دام شهوراً اقيم نصبان تذكاريان للشهداء, واحد تركي وواحد يوناني, ثم اجتمع (البرلمان) وقرر انشاء جيش لمواجهة مثل هذه الاعتداءات. وبعد القرار بساعات تقدمت عشرات الشركات تعرض الطائرات والمصفحات والدبابات والمدافع, بل ان احدى الشركات عرضت توريد جنود بسعر معقول. وهكذا اصبحت الجزيرة دولة فعلاً... وملعونة الانفلونزا, وملعون ايضاً النظام العالمي الجديد, وبالمرة ملعون النظام العالمي القديم!