لحق بي صاحبي قبل ان أغادر مبنى الكلية وهتف بي قبل أن اصل الى سيارتي, فتوقفت الى أن فرغ من تحيته المعهودة, وبدا عليه انه لم يكن متعجلا مثلي, فسألته : هل تريد ان نتريض قليلا قبل أن ينصرف كل منا الى حال سبيله, فظهرت على وجهه الحماسة, وأخذ بيدي مندفعا تجاه المنطقة الخضراء التي تعودنا التجول فيها ما بين المحاضرات. ولحسن الحظ, كانت أكثر المحاضرات قد انتهت, وتناقص الزحام بعد ان انصرف اغلب الطلاب, فسرنا الى حيث تعودنا, وسرعان ما بدأ كلامه الذي استأنف به حوارنا السابق عن الرداءة. وقال لي: هل تعلم أنني ظللت أفكر فيما قرأته لي في الاسبوع الماضي من مفتتح الفصل الذي خصصه الناقد البريطاني ريتشاردز عن الشعر الرديء, وقضيت وقتا أتأمل تمييزه لأسباب الرداءة. وكيف أن هذه الاسباب قد ترجع الى التوصيل, حين تكون الاداة عاطلة فلا تؤدي ما يريد الشاعر توصيله الا بأسوأ ما يكون التوصيل. وقد ترجع الى ماهو سابق على الاداة. أي الى التجربة التي يراد توصيلها, والتي يمكن ان تكون سطحية او ساذجة أو عديمة القيمة. وقد ترجع هذه الاسباب الى السببين معا. وتزايدت حماسة صاحبي اثناء كلامه على نحو تدريجي الى ان اقتربت من ذروتها حين اقترب من تخصصه في مجاله النوعي. فمضى قائلا: وأظن ان الاسباب الثلاثة لرداءة الشعر على هذا النحو الذي وصفه ريتشاردز يمكن ان تتحول الى إطار مرجعي لتصنيف القيمة المنهجية للبحوث العلمية في المجالات المختلفة للعلوم الانسانية والاجتماعية فلابد انك توافقني على ان الاسباب الثلاثة للرداءة موجودة على نحو مشابه في أغلب البحوث التي نقرأها صباح مساء واغلب البحوث التي نرفضها في لجان الترقية العلمية. وأخذتني المفاجأة هذه المرة, اذ لم يسبق لي أن فكرت في أفكار ريتشاردز على هذا النحو خارج مجالها المرتبط بالنقد الادبي, فبادرت صاحبي قائلا: وكيف ذلك؟ قال: ألا تلاحظ أنني وإياك نتبادل الشكوى من رداءة الكثير من البحوث هذه الايام. بسبب أن اصحابها اما انهم لا يعرفون شيئا اصلا وإما انهم يعرفون بعض المعلومات ولكنهم لا يستطيعون ان يحيلوا معرفتهم الى بناء منهجي متماسك. ورب بحث لا تفرغ من قراءته الا وانت ساخط عليه بسبب ضعف الاداة المنهجية التي لا تنتهي بالبحث الى شيء سوى التخليط. ورب بحث مواز يسخطك لأنه ليس فيه شيء ابتداء, ولا يوصل اليك شيئا سوى الفهاهة التي لا تعني وجود تجربة بحثية أصلا. ولاشك ان أسوأ أنواع الابحاث هو ما يجمع بين القبحين, فيضم الى غياب التجربة البحثية ضعف الاداة المنهجية وفقرها المدقع. ولاشك ان بحث اخينا الذي وصفته مستخدما المثل العربي القديم على الحشف وسوء الكيل هو نموذج لأسوأ نوع من البحث, فالحشف الذي هو أردأ انواع التمر يساوي الجهالة الشائعة في هذا البحث, وسوء الكيل ليس سوى الوجه المنهجي الذي انقلب الى عمليات تدليس على القارىء بما لايقبله الضمير العلمي. تطلعت الى صاحبي متمعنا في فكرته الجديدة التي وجدتها مغرية بالقبول للوهلة الاولى, فكدت اندفع الى اعلان موافقتي الفورية على ما يقول, ولكني تعودت ان اضع افكاري موضع المساءلة قبل ان اعلنها, الى غيري, أو حتى قبل ان اوصلها له, اذا استخدمت عبارات ريتشاردز. ولذلك كان من باب أولى أن أضع فكرة صاحبي موضع المساءلة, ومن ثم ارد له بعض مايدينني به من مشاكسة لا يكف كلانا عن اللجوء اليها في الحوار, فقلت لصاحبي: رغم تقديري لوجاهة ما تقول إلا أنني أخشى الاندفاع في تطبيق فكرة ريتشاردز على غير مجالها وتحويلها الى اطار مرجعي لتحديد القيمة في البحوث العلمية والانسانية. فلا تنس ان فكرة ريتشاردز مرتبطة بالنقد الادبي بوجه عام وبنقد الشعر بوجه خاص, والانتقال بمفهوم ما من مجاله النوعي الى مجال مغاير تماما امر ينطوي على مخاطرة منهجية لابد من التروي فيها والتمعن في نتائجها. ولم يدعني صاحبي ازيد في الكلام فسرعان ما اوقفني قائلا: لا ياسيدي إن ملامح وجهك اصرح من كلمات لسانك الذي.. يراوغني بأهمية المساءلة التي لاتكف عن ترديدها على مسامعي كما لو كنا طلابك الذين تلجأ في تعليمهم الى التكرار حتى لا ينسوا او يتكاسلوا. لقد اظهرت ملامح وجهك اعجابك بفكرتي. ورأيت في التماعة عينيك حماسة لم تقل عن حماستي في تقديم فكرتي, فلماذا لاتكف عن تزمتك المنهجي وتندفع مثلي الى الاعجاب بالفكرة, وتشاركني في تأمل نتائجها, فنقوم معا بعملية تأصيل لفكرة جديرة بالتأمل والعناية. قلت لصاحبي محاولا ان اخفف بعض الشيء من حماسته المتزايدة, معك الكثير من الحق فيما تقول..وأوافقك على ان الفكرة جديرة بالتأمل والعناية, ولكن ياصديقي العزيز إن تأمل الفكرة كالعناية بها يبدأ من وضعها موضع المساءلة لاختبار اتساقها المنطقي من ناحية, وفحص قدرتها على الاضافة في الممارسة العملية من ناحية ثانية ولذلك اقترح عليك ان نعود الى ريتشاردز اولا, ونستوضع دلالة طرفي الثنائية التي يلح عليها, خصوصا من حيث ما يترتب على الفصل بينهما في مجال النقد الادبي. قاطعني صاحبي الذي نفد صبره قائلا: ها أنت تراوغني مرة أخرى بالعودة الى تخصيصك الذي لا اعرف فيه كثيرا, وانا أحاول ان اخرجك منه الى المنطقة المنهجية التي يمكن ان تجمع ما بيننا رغم اختلاف تخصصاتنا فلماذا لا تكف عن ذلك, خصوصا أن كلام ريتشاردز واضح, فهو كان يتحدث أصلا عن أمرين اثنين هما: التجربة والتوصيل, ويوقع القيمة على الطرفين معا, وفي ذلك ثنائية لا اظنها تختلف كثيرا عن ثنائية المضمون والشكل التي يلح عليها النقاد من أمثالك. قلت لصاحبي وأنا أحاول التخفيف من حدة اندفاعه: لا بأس بهذا التفسير الذي تقدمه, فكلام ريتشاردز عن التوصيل يرتبط بالأداة التي يمكن ان تكون عونا على التوصيل أو اعاقة له من ناحية, كما يرتبط بالموضوع الذي يراد توصيله من ناحية مقابلة, أي انه يتكلم عن شيء يشبه بمعنى من المعاني الشكل الذي هو تجسيد للمضمون, والمضمون الذي هو تجربة تتجسد في شكل , لكن لابد من الاحتراس في المضي مع هذه الثنائية التي يمكن ان تنتهي بنا في النهاية, لو مضينا معها بلا حذر, إلى ما يشبه كلام قدماء البلاغيين العرب, من أمثال ابن قتيبة الذي قسم الشعر إلى أربعة أقسام: قسم جاد لفظه ومعناه, وقسم ساء لفظه ومعناه, وقسم حسن لفظه دون معناه, وقسم حسن معناه دون لفظه. فلم يصبر صاحبي على الانصات وقاطعني قائلا: ولكن هل انتهى ريتشاردز إلى ذلك؟ قلت: ليس تماما, ولكن تمييزه للفن الرديء على أنه الفن الذي يتم التوصيل فيه بدرجة كبيرة, مع امكان ان يكون الموضوع الموصل عديم القديمة يذكرني بالقسم الذي حسن معناه وساء لفظه, عند ابن قتيبة, والمضي مع هذه الثنائية إلى مداها الجدي, ومن ثم جعل الفن الناقص (وهو الذي يكون فيه التوصيل رديئا) مقابلا جديا للفن الرديء يمكن ان يوقعنا في مزالق نقدية كثيرة, ولا أظنني أوافق ريتشاردز على تحليله قصيدة (البركة) في هذا الفصل بوصفها مثالا للفن الناقص من حيث التوصيل, فالرداءة لا تتجزأ أو تنقسم, والأفضل ان نتأملها على نحو مغاير ما دمنا قد اتفقنا على أهميتها وضرورة الاهتمام بها, على الأقل لمواجهة الزيف الكثير والرداءة المنتشرة في مجالات كثيرة من حياتنا. قال صاحبي في حماسة مرتابة نوعا: معك بعض الحق في هذا الجانب, فأنا لا أستطيع ان أجادلك كثيرا أو طويلا في تخصصك الذي لا أعرفه مثلك, والذي أفلحت في ان تجرني إليه لغرض في نفسك أعرفه بحكم طول صداقتي لك, ولكن ألا ترى ان هذه الثنائية نفسها لا تزال صالحة لأن تكون اطارا مرجعيا خارج نقد الشعر, حيث يمكن ان نتحدث باطمئنان عن الرداءة في الموضوع الذي يراد توصيله, مقابل الرداءة في عملية التوصيل وآلياتها, ثم ألا توافقني بعيدا عن المكابرة اياها ــ على ان هذه الثنائية يمكن ان تصلح في الكلام عن نقدكم الأدبي والكلام عن بحوثنا في العلوم الإنسانية على السواء. ان الباحث يا زميلي يمكن ان يتوصل بنوع من الحدث الثاقب إلى أطروحة مهمة, هي صحيحة في ذاتها, وجيدة تماما من حيث ما يمكن ان تحدثه من أثر في مجال بحثه, ولكن أدواته العلمية أو المنهجية قد لا تساعده في تجسيد حدسه أو التدليل على اطروحته, فلا يكتمل له التعبير المقنع عن حدثه, ولا يفلح في التجسيد المتميز للأطروحة الجيدة في ذاتها, فتظل بعيدا عن دائرة التميز, قلت: قد أخذتني الحماسة هذه المرة معك بعض الحق من حيث الظاهر على الأقل, ولكن هل تظن حقا امكان الوصول إلى حدث متميز فعلا, أو أطروحة يمكن ان يكون لها تأثيرها, دون أدوات منهجية فاعلة؟ أنا شخصيا لا أميل إلى الفصل بين الاثنين على هذا النحو حتى في العلوم الانسانية ومنها النقد الأدبي لأن الحدث العلمي لا وجود له من غير تجسده في لغة تبين عنه والأطروحة العلمية تظل بعيدا عن صفة الاطروحة ما ظلت بعيدة عن الصياغة المنهجية, أما بعض الأفكار أو الخواطر التي تطرأ على أدمغة بعض زملائنا وتدفع به إلى الزعم انه انتهى إلى ما انتهى إليه هذا الناقد الكبير أو المفكر اللامع, لكنه لم يجد الوقت لكتابة ما توصل إليه, فهذا كلام نتسامح فيه, ولا نعترض عليه على سبيل المجاملة فحسب, أو قل على سبيل النفاق الاجتماعي الذي نلجأ إليه أحيانا حتى لا نغضب زملاءنا, لكن ما يزعمه مثل هؤلاء الزملاء لا ينبغي ان نأخذه مأخذ الجد أو نشجع عليه والا كنا نشجع على بداية الرداءة والزيف بأكثر من معنى. هتف صاحبي ضاحكا: عدنا إلى الرداءة ثانية: سامح الله صاحبنا إياه على ما تركه كتابه من أثر بالغ السلبية في نفسك فدفعتك رداءة الكتاب إلى تأمل الرداءة في ذاتها, قلت لصاحبي وأنا أنظر إلى ساعتي, فقد اكتشف تأخري على موعد لابد من اللحاق به: ولماذا لا تقول إننا ينبغي ان نشكره لأنه ساعدنا على الانتقال من الخاص إلى العام, ومن التعيين إلى التجريد, ودفعنا إلى ان نطرح على أنفسنا قضية مهمة في حياتنا النقدية وغير النقدية.