من بين التجارب الفنية النسوية في سوريا, تبرز تجربة سلمى العبدي من خلال رؤيتها الخاصة للفن, وكذلك من خلال تميز اسلوبها حيث يرتبط عملها الفني بكل ثقله على التراث الشعبي , باستخدام مفردات خاصة ذات لغة واضحة, مع إبراز تمازج البعد الثقافي الإنساني والجمالي والشكلاني للنظرة الفنية لتجليات المحيط البيئي. فعالمها مزيج من الألوان, والنقوش, والتطريز, والتصوير الضوئي, وهذا العالم تعتبره الفنانة ترويضا للمصادفة. فالاعمال التي تقدمها ليست هي بالضبط صورة الانسان كما هو, بل هي تعبير عن شخصية لها عمقها وقلقها وحياتها وموتها, فسلمى العبدي تدير جزءا من ذاتها إلى الظلام, كي ترى اجزاءها المتبقية من خلال الدوائر الضوئية المنبعثة من الماضي السحيق. وبذلك تخلق حيزا لاعمال مخالفة للمألوف, ضمن موهبة غريبة ارضيتها الاساسية: التراث الشعبي والاسطورة. حول اعمالها الفنية كان هذا الحوار: كيف كانت بدايات سلمى العبدي؟ ـ بدأت بالرسم الكلاسيكي والواقعي, فجسدت في تلك البدايات فواجع وكوابيس الواقع, من خلال تأثري واعجابي الشديد بكل من عمر حمدي, وأحمد معلا, وبشار العيسى ومازلت حتى الآن مشدودة الى لوحات هؤلاء الفنانين الكبار. المراحل التي مرّت بها تجربتك؟ ـ مررت بمراحل عدة, أبرزها المرحلة الإنطباعية التي تميزت بالعفوية, وملامح الدمج مابين الواقعية والتعبيرية, وفي مراحل لاحقة اخذت لوحاتي (تتملص) من تأثيرات الواقع وتتجه لإبراز نواح جمالية وفنية لها علاقة بتداعيات الأسطورة, وهذا ماجعلني أترك الرسم ـ لفترة ـ وأبحث عن الأسطورة في الرسومات التي أخذت حياتها عن طريق النقوش والتطريز, حيث أعمل منذ ثلاثة أعوام على جمع هذه النقوش وهذه التطريزات, لأنها مفتوحة على كل الأزمنة, وفي نفس الوقت تظهر محاولات دمج عوالم الحلم المتشابكة التي تروي في بعض فصولها مناخ الحكايات وعلاقة الإنسان بالرموز الحيوانية المختلفة. سلمى العبدي تجمعين مابين التراث والحداثة المعاصرة, ومابين الواقع اليومي والاسطورة وكذلك تتعاملين مع التصوير الضوئي. كيف استطعت الجمع بين كل هذه التجارب؟ ـ الفنان المتمتع بالوعي الإنساني عموما يحس بدقائق الحياة اليومية, وأنا كل ما أفعله محاولات لنقل هذه (الحياة اليومية) هذا من جهة, ومن جهة اخرى أحاول ـ قدر الامكان ـ إرباك الواقع الفني والتغلغل الى المناطق المحرمة, والسير في طريق لايؤدي الى الوصول ابدا, لان الفن هو صخرة (سيزيف) لهذا اجرب وأسعى معا وبشكل دائم الى اكتشاف الجديد. ماهي حوافزك للعمل الفني؟ ـ ضرورة التواصل, وتحقيق الذات, وطرحها بثقافتها ومعاييرها, من خلال لغة خاصة مفرداتها تراثية إنسانية. تصوير لوحة تطريزية قديمة, أو نقلها, هل يعني هذا أنها حالة فنية؟ ـ بالطبع, لأنها تصبح حينها بشكل جاهز, أي تصبح ذات شكل ومضمون آخر, فأنا انقلها من حالة موت الى حالة حياة. وهذه الحالة الفنية لاتخضع لقانون محدد, وفي نفس الوقت تبتعد عن الوضوح, لأنني ألغي الاثارة البصرية, وأضع بدلا عنها حوارا ذاتيا مع المتلقي, لأنها ـ اللوحة ـ تخاطب ذاكرته التراثية. ولكن اللوحة المطرزة يفهمها جميع الناس؟ ـ صحيح ولكن الجميع لايعرفون قصصها, فكل لوحة تعبر عن قصة حقيقية, واصحاب الحقيقة وحدهم يقدرون هذه اللوحات, وهم وحدهم يعرفون سرها, وانا ما أقوم به ـ أحيانا ـ هو تصوير هذه اللوحات للحفاظ على التراث كي لايضيع, والحصول على وثيقة لإبراز ماهو متناس. دمشق ــ لقمان محمود