ودعنا شهر رمضان الكريم. ومهما كانت أوجاعنا فاننا نحتفل بالعيد, بأن نصلي في صباحه ونبتهل إلى الله ونحمده كثيرا على سرائه إذ أعز جنده ونصر عبده, وعلى ضرائه إذ لم نعد اليوم اعزاء ولا منتصرين وقد امتلأت الشوارع والحدائق بالأطفال المرحين الفرحين بملابسهم الزاهية الجديدة.. وامتلأت البطون بالكعك المصنوع محليا أو المشترى من السوبر ماركت .. وتبادل الكبار التهاني والتبريكات وهم يبتسمون.. ولكن معظم الابتسامات مصطنعة. ويتردد في خواطرنا القول الكريم (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فيخيل إلينا أن المخاطب إليهم كانوا أمة غيرنا. أو أن (كنتم) فعل ماضي, أنطبق على الماضي وليس على الحاضر أو المستقبل. ونتأمل حالنا وما صرنا إليه, والغيوم الثقيلة تتجمع في الأفق منذرة بويلات على كل صعيد وبغد أكثر ظلاما مما نحن فيه.. فيكاد يغلبنا اليأس.. بل أن البعض منا راح بلا خجل يرفع راية الاستسلام.. ليضيف هما جديدا الى ما نعانيه من هموم.. ومع ذلك, فإننا لا ينبغى أن نستسلم لليأس.. فما يحدث بنا اليوم لابد وحتماً له نقيضه.. ومهما كانت كثافة الظلام فإن هناك قبساً من الضوء في نهاية النفق يدعونا الى اقتحام الظلمات والسير نحوه فبعده الفجر بكل روعته وجلاله.. وسيكون نوره بنفس قوة هذا الظلام وعنفوانه.. ان لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار مضاد له في الاتجاه.. هذه هي سنة الحياة.. فلا يوجد شيء أو ظاهرة إلا ومعها نقيضها. يخلق معها في لحظة خلقها.. ولا وجود لها بدونه.. ومع أن هذا القول منسوب للفيلسوف الألماني هيجل ــ واسمه بالكامل جورج ويلهلم هيجل الذي توفى سنة ,1831 وهو الأساس في نظريته (المثالية الجدلية) إلا أن العرب سبقوه إليه بمئات السنين. أجدادنا قالوا (وبضدها تتعرف الأشياء) .. وقالوا أيضا: (اشتدي أزمة تنفرجي) .. وهذا هو جوهر قانون التناقض. أحد القوانين الأربعة التي صاغها هيجل, الفيلسوف المثالي, ثم نقلها عنه كارل ماركس بعد أن كساها بغطاء مادي.. وبالمناسبة فإن بعض آبائنا ــ من فرط إعجابهم بهيجل أسبغوا عليه أصلاً عربيا فقالوا: أن اسمه الحقيقي هيكل.. تماما مثلما قالوا: إن الاسم الحقيقي لشكسبير هو الشيخ زبير.. ونعود الى قانون التناقض الذي نتشبث به حتى ولو كان هو القشة التي نتعلق بها حتى لا نغرق في لجة اليأس فنقول.. هل يمكن أن نتصور الليل بلا نهار؟ أو الصعود دون هبوط؟ أو الشروق دون غروب؟ أو تناول الطعام دون بذل طاقة؟ أو انفجار قنبلة نووية دون أنقاض واشعاعات تساوى في حجمها قوة الانفجار؟ هل يمكن أن نتصور الحرارة دون برودة؟ أو التمدد بفعل هذه دون التقلص بفعل تلك؟ وألا نلاحظ أن لكل فضيلة رذيلة تناقضها. الصدق نقيضه الكذب. والوفاء نقيضه الغدر, وبر الوالدين نقيضه العقوق.. والكرم نقيضه البخل. والشجاعة نقيضها الجبن والسمو نقيضه الوضاعة.. والوفرة نقيضها الكساد والغنى نقيضه الفقر والعلم نقيضه الجهل.. وهكذا وهكذا يخلق الشيء ــ كما قال هيجل ــ ويخلق نقيضه معه, فلا وجود لأحدها بدون الآخر. ومن تفاعل النقيضين يخلق شيء جديد, ومعه أيضا نقيضه.. وهكذا تستمر دورة الحياة.. ولذلك فنحن لا نيأس.. ولا ينبغى أن نستسلم لليأس. وإذا كنا اليوم نأسى لحالنا بينما أمريكا تلعلع في الفضاء, مزهوة بصواريخها وحاملات طائراتها وأقمارها بعد انفرادها بدور البلطجي الوحيد فإننا نذكر جيدا قول شاعرنا القديم: ما طار طير وارتفع.. إلا كما طار وقع.. وكم من دول علا شأنها حتى ناطحت السحاب, ثم دالت وانتهى أمرها الى العدم أو مايشبه العدم.. العواجيز من أمثالنا يذكرون كيف كانت بريطانيا ذات يوم اسمها بريطانيا العظمى ونحو ثلاثة أرباع العالم ملك لها على شكل مستعمرات أو أشباه مستعمرات. وكانوا يسمونها سيدة البحار. والامبراطورية التى لا تغيب الشمس عن أراضيها.. فأين هى الآن؟ مجرد تابع في ذيل أمريكا.. كأنها وصيفة شمطاء في ذيل غانية مغرورة بجمالها.. وسطوتها على الآخرين.. وفي يوم من الأيام.. في قرننا هذا الذي يوشك على الرحيل قال هتلر وهو في قمة مجده بعد أن أخضع أوروبا كلها تحت تروس دباباته, إن ألمانيا ــ أو كما سماها الرايخ الثالث ــ سوف تحكم العالم ألف عام! وفي سالف العصر والأوان كانت الامبراطورية الرومانية هي العالم كله.. فأين هي الآن؟ المؤرخون يقولون إن تفكك الامبراطورية الرومانية بدأ بشيوع الانحلال بين قادتها.. ألا نرى أن هذا ما يحدث في أمريكا الآن؟ أن كل مظاهر القوة لها وجهها الآخر.. وجهها المناقض. وبالمثل, فإن كل مظاهر الضعف عندنا لها وجهها الآخر الذي لا يلبث أن يبرز فيغير الله من حال الى حال.. من كان يصدق منذ عشر سنوات فقط أن ينهار الاتحاد السوفييتي بكل جبروته وقوته كما ينهار بيت من ورق؟ ان شعوبا طمست هويتها منذ أكثر من ثلاثمائة عام ستبرز للوجود اليوم كدول فاعلة مثل كازاخستان وازربيجان وازبكستان.. ولنثق أن قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) إنما كان موجها لنا, نحن العرب المسلمين, وان (كنتم) هنا لها صفة الاستمرار, وليست مجرد فعل متعلق بالماضى. ولنقبل على العيد فرحين بما أتانا الله, وما سوف يأتينا به ان شاء.. ولسوف يغير ما بنا عندما نغير ما بأنفسنا.. وإنا لفاعلون.