لعلك تذكر القرص السينمائي (المهول) التي تطرقنا اليه في حديث سبق وقد كان محور الفيلم الكوميدي (سلفنى ثلاثة جنيه) من بطولة الممثل الضاحك علي الكسار رحمه الله ولقد بلغ الفيلم من العمر عتيا , ستين عاما بالتمام والكمال, ولكنه رغم سذاجة موضوعه, مازال يحمل آثاراً طيبة من عبير الماضي مجسدة في تلك الموهبة الفطرية المتألقة والعفوية التي حملت يوما اسم علي الكسار الفنان الاسمر الذي لم يحمل شهادة وربما لم يقرأ كتابا ولكن اسمه كان ملء السمع في مجامع الفن الضاحك الساخر في قاهرة العشرينات وردحاً لابأس به من حقبة الثلاثينات. يقول الرائد الروائي محمود تيمور: - ان جيلنا في تلك الفترة من صدر القرن العشرين مدين للفنان علي الكسار بتلك السهرات الضاحكة الانيسة التي قضاها معه يستمري لونا من فن التسلية المسرحية فقد كان (علي الكسار) مرحلة من تطور التمثيل الفكاهي عقب ثورة التحرر والاستقلال سنة 1919. ثم يعلن الاستاذ تيمور عن شخصيته (عثمان عبد الباسط) التي اخترعها علي الكسار وجعلها محورا لمسرحياته الفكاهية واحتكر تمثيلها في جميع ما قدمه من هزليات: - لقي عثمان عبد الباسط رواجا كبيرا عند رواد المسارح اذ وجدوا فيه تمثيلا بارعا لخلاصة رجل الشارع الصميم في حياتنا اليومية .. والعجيب ان علي الكسار بلغ ذلك المبلغ وهو رجل فطري تسنم القمة دون صنعة او تعليم او ثقافة, فما أظن انه شهد تمثيلا اجنبيا الا في الندرة وما احسب انه قرأ من الادب المسرحي شيئا قل او كثر. كنت اتابع سيرة الفنان (علي الكسار) واتأمل اطوار حياته الفنية بين صيت زائع وشهرة عريضة واموال كانت وفيرة بمقاييس تلك الايام, اذ كان صاحب حركة مسرحية تخرجت منها مواهب شتى لممثلين ومطربين ومؤلفين كانت لهم اياد بيضاء في اثراء عمود المسرح العربي, ويكفي مثلا ان اتاح علي الكسار الفرصة كاملة لعبقري موسيقانا الحديثة سيد درويش كي يقدم موسيقاه الجسورة في أعمال موسيقية مسرحية من قبيل (راحت عليك) و(مرحبا) و(الانتخابات) . وإذا دار الزمن دورته فرضت المقادير أن تخبو شمس علي الكسار وأن يغلق أبواب مسرحه الضاحك وأن نظل نحن في مرحلة الطفولة والطلب على اسم الفنان الأسمر من باب الذكريات التي لم نعايشها, وأحيانا من باب أدوار محدودة ولكنها ما برحت مشهورة, كان الكسار يؤديها في براعة الفنان الموهوب المحنك, ومنها مثلا دوره مع عبدالوهاب في فيلم (رصاصة في القلب) الذي وضع قصته توفيق الحكيم. ومنها أدواره في أفلام لم تكلف صانعيها سوى بضع مئات من الجنيهات ولكن كان يقبل عليها جمهور الترسو ـ الدرجة الثالثة ــ وكنا منهم لضيق ذات المصروف.. وفي مقدمتها فيلم ما زلت أذكر عذوبته وطرافته يحكي قصة علي بابا الشهيرة في (ألف ليلة وليلة) وكانت بطولته المطلقة للفنان الكسار وكان مساعد البطل ــ السنيد كما يقولون ــ هو إسماعيل ياسين الذي أضحك من بعد ملايين الناس في الوطن العربي الكبير. ثم قيض لي في بداية الصبا أن أشاهد الفنان علي الكسار في أخريات أيامه وكانت ظروف العيش قد ضاقت بالرجل ثم وهن العظم منه فألحقته الدولة ممثلا في فرقة المسرح الشعبي وكانت تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية ومكلفة بالتجوال في القرى والأرياف تقدم للناس مجانا أعمالا مسرحية مبسطة وأحيانا تعيسة, لكنها تحاول جاهدة أن تستخدم لغة المسرح في توعية الجماهير بأمور الصحة وهموم المعايش وأنماط السلوك. ما زالت صورته منطبعة في الذاكرة على امتداد السنوات الطويلة التي انقضت منذ شاهدته وعرفت من الناس ان هذا هو علي الكسار.. وربما كان ذلك أثناء مشاهدة واحدة من أعمال المسرح الشعبي ــ الحكومي إياه.. وكانوا يقدمونها في فناء احدى مدارس الحي في أمسية قائظة من أيام أغسطس الفضيل, وقد تنادينا ونحن تلاميذ إلى مشاهدتها, لا طلبا لثقافة المسرح أو شغفا بمتعة الدراما, بل لأننا كنا في اجازة الصيف الطويلة, ولم يكن لدينا شغلة ولا مشغلة.. ثم ان المسرحية كانت بالمجان. عادت صورة علي الكسار إلى ذاكرتي وأنا أتصفح منذ أيام العدد التذكاري الحافل الذي أصدرته مجلة (المصور) القاهرية بعنوان (مصر في نصف قرن) واستثمرت فيه سجل الصور بالغ الثراء الذي تحتفظ به مؤسسة دار الهلال العتيدة عن احداث ووقائع القرن العشرين وعلى احدى صفحات العدد التذكاري أطلت صورة كهل يجلس مستسلما للمقادير على فراش بالغ التواضع وتحت الصورة تعريف بصاحبها الفنان علي الكسار الذي كسى الآلاف وأنفق الآلاف. أضع (المصور) جانبا واستعيد سطورا عن علي الكسار صادفتها بدورها منذ أيام وأنا أبحث في حقبة من تاريخ السينما العربية واستفتي مراجعي, وكم هي شحيحة وضنينة في غربتنا الأمريكية, كما قد لا يخفى عليك ورغم أنني لم أجد في المراجع ما كنت أبغيه إلا أنني صادفت بدلا منه معلومة توقفت عندها مليا وقد أوردها الاستاذ عبد الله أحمد عبد الله وكان محرراً فنيا مخضرما وزميلا أقدم لنا في جريدة (الجمهورية) القاهرية أصدر الأستاذ عبد الله ــ رحمه الله ــ كتابا بعنوان (50 سنة سينما) وفيه طرائف من ذكريات ونتف من معلومات من بينها ان الفنان علي الكسار قرر يوما ان يستثمر تحويشة العمر في انتاج فيلم سينمائي وإلى هنا والأمر بديهي مفهوم, فكم من تاجر خردة (سكراب) وكم من متعهد قمامة فكر في الانتاج السينمائي بل وأقدم عليه وكان ان (ارتكب) فيلما أو أكثر سواء من باب الاستثمار الذي هو أفضل من السرقة وكافة شيء يغضب الله, أو من باب التعبير عن اعجاب العاشق المغرم صبابه بالسنيورة من فتيات الليل أو حتى النهار التي فرضها صاحب المال فرضا على بطولة الفيلم رغم انف المؤلف والمخرج وفنون الدراما بأسرها, لكن أتدري ما هو الفيلم الذي اراد علي الكسار انتاجه الفنان شبه الأمي الذي بدأ حياته طباخا (والعهدة على الأستاذ تيمور)؟ لقد جمع الكسار كل أمواله ورصدها ميزانية لفيلم بعنوان (فتح مصر) يحكي قصة الجحافل الاسلامية المجاهدة التي بعثها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقادها الصحابي عمرو بن العاص فتحررت بها مصر من نير الرومان الى حيث نور الاسلام وعزه الايمان بالدين المحمدي الجديد. كان الزمن هو بداية الاربعينات وكان عمر السينما المصرية دون العشرين عاما أو أقل بكثير وكان قصارى المصورين ان يلتقطوا مشاهد حفلة في صالون أو منظر محمد عبد الوهاب يغني داخل مقصورة القطار أو مشهد العمدة يركض فوق متن حمار هزيل وسط مزارع الريف, وكان قصارى المؤلفين ان يستدروا الدمع الهتون من مآقي السيدات والأوانس في افلام من قبيل (أولاد الفقراء) أو (دموع الحب) أو (اليتيمتان) ولم يكن بين صفوف المخرجين في مصر من يستطيع الاقدام على مثل هذا النوع الملحمي من الاعمال السينمائية التي لم تكن السينما الامريكية بكل ريادتها لتغامر بانتاجها الا مع بزوغ الخمسينات من القرن في افلام سيسيل دي ميل الشهيرة, فالمصارعون أو الرداء أو الوصايا العشر أو كوفاديس.. إلخ. ولكن هكذا فكر الفنان علي الكسار ولم يتح لفيلم (فتح مصر) أي حظ من نجاح .. سقط الفيلم وضاعت التحويشة وضاعت معها سنوات من عمر الرجل الطيب. كان ينتمي الى جيل يحفر في الصخر, ويقتحم تخوما لم تكتشف, ويتطلع رغم كل شيء الى الشهب بفضل احساس عميق من الانتماء الى الوطن ومن عزمات الطموح.