ان الكاتبة الجزائرية احلام مستغانمى نور يلمع وسط هذا الظلام الكثيف وهي كاتبة حطمت المنفى اللغوي الذي دفع اليه الاستعمار الفرنسي مثقفي الجزائر تكتب احلام مستغانمى بحس فني مرهف ولغة عربية جزلة وهي تتمتع باقتدار تشكيلي جمالي فريد فقد جمعت في روايتها ذاكرة الجسد بين منجز الرواية العالمية وطرائق الحكى المحلية الموروثة كما انها علت على الذكورة والانوثة الدارجتين فصاغت افقا انسانيا واسعا. وقدمت في روايتها الفذة تاريخ الجزائر الحديث منذ اندلاع الثورة في الخمسينات وحتى نهاية الثمانينات من خلال وقع الاحداث الدرامية على ابطال الرواية وقصة عشق بين مجاهد اصبح رساما واديبة جزائرية تكتب بالعربية وتمثل الوطن الصعب وتستدعي ذاكرة الجسد عبر عنوانها وموضوعها تداخل الذهني بالجسدي موظفة تقنيات السيرة الذاتية والوثيقة وتبدو من خلال سرد محكم مستجيبة لشروط الكاتبة عبر النصية التي تتفاعل فيها الدلالات بشكل يدعو الى الدهشة والابهار. هكذا اعلنت لجنة تحكيم جائزة نجيب محفوظ للادب الروائي. وتلك هي حيثيات فوز احلام مستغانمى بالجائزة ولكن لابد ان نشير الى ان رد الفعل في الحياة الثقافية ازاء هذا الفوز كان سلبيا ولايتوافق مع الشهرة والنجومية التي حققتها احلام على المستوى العربي. وهذا الصمت ازاءها وكذا المناقشات الهامشية التي تدور في الاوساط الثقافية يشير الى انها دون الجائزة مقارنة بمن فازوا بها قبلها (لطيفة الزيات) , ابراهيم عبدالمجيد, يوسف ادريس, مريد البرغوثي) . وكثيرون كانوا يعرفون قبل اعلان الجائزة بشهور وربما بعام انها ستكون من نصيب احلام مستغانمي وقد اظهر تحمس فريال غزول عضو لجنة التحكيم الانحياز الى احلام, بل انها قادت كل اعضاء اللجنة نحو الفوز. ونشير ايضا الى ان كاتبين مصريين قد قدما الى الجائزة وهما ادريس علي بروايته الاخيرة انفجار جمجمة وحسين عبدالبصير بروايته الاولى البحث عن خنوم ولكنهما لم يفوزا بها. اخبار قليلة للغاية هي التي نشرت في الصحافة المصرية حول فوز احلام, وقد انتقد فوزها الكاتب الروائي يوسف العقيد في مجلة المصور وكذا جريدة اخبار الادب, حيث نشرت الشاعرة الجزائرية حبيبة محمدي التي تعيش في القاهرة مقالها نشر على صفحة كاملة اظهر بعضها من حياة احلام في الجزائر واكد بالتواريخ انها ليست اول كاتبة جزائرية تكتب رواية باللغة العربية بل قد سبقتها الى ذلك قبل خمسة عشر عاما الكاتبة الرائدة زهور ونيسي. ربما لم تستفد احلام من هذه الجائزة غير ان روايتها ذاكرة الجسد سيتم ترجمتها الى الانجليزية وتصدر خلال شهور, وقد اشترت حقوق ترجمتها ونشرها الى كل اللغات الجامعة الامريكية بالقاهرة. ربما تكون هذه هي المرة الرابعة لاحلام مستغانمي التي تزور فيها القاهرة مرتان منها جاءت لتحصد جائزة الاولى قبل عامين حيث حصلت على جائزة (نور) للادب النسائي عن روايتها الشهيرة ذاكرة الجسد والتي صدرت طبعتها الاولى عن دار الاداب ببيروت عام 1993. والثانية قبل ايام حيث حصلت على جائزة نجيب محفوظ للادب الروائي لعام 1998 عن الرواية ذاتها بعدما صدرت منها عشر طبعات متتالية عن الدار نفسها, وهو يعد رقما غير مسبوق في الرواية العربية. واحلام مستغانمى هي اول كاتبة عربية تفوز بالجائزة بعد لطيفة الزيات وقد اقرت لجنة تحكيم الجائزة (علي الراعي, عبدالمنعم تليمه, هدى وصفي, فريال غزول, مارك لينز) بأن احلام نور يلمع وسط هذا الظلام الكثيف وهي كاتبة حطمت المنفى اللغوي الذي دفع اليه الاستعمار الفرنسي مثقفي الجزائر. اما المرتان الاخريان التي جاءت فيهما احلام مستغانمى الى القاهرة فكانت احداهما مشاركة في فعاليات مؤتمر القاهرة الاول للابداع الروائي الذي عقد اوائل عام 1998 ثم جاءت بعد ذلك في مايو الماضي لتتابع ماجري لـ (ذاكرة الجسد) بعد ان اشترتها مؤسسة يوسف شاهين السينمائية حيث يتم تحويلها الى فيلم سينمائي يخرجه خالد يوسف ويقوم ببطولته نور الشريف, الذي حضر وقائع منحها الجائزة بالقاعة الشرقية (ايوارات) في الجامعة الامريكية بالقاهرة. احلام مستغانمى لايعرفها في مصر سوى النخبة من المثقفين والنقاد والكثيرون يقرؤون عنها في الصحافة او يرونها على شاشات الفضائيات العربية. ولم يكتب عنها حسب علمي الا الناقد فاروق عبدالقادر واتصور انه بعد حصولها على الجائزة سيبدأ حب الاستطلاع لدى البعض لاعادة قراءة ذاكرة الجسد, او, اقتنائها فالرواية غير موجودة في القاهرة الا بكميات محدودة, وتباع بما يزيد على العشرين جنيها, ولذا تفكر احلام مستغانمى في طبعة شعبية لها في القاهرة, وقد تكون ضمن سلسلة (افاق الكتابة) التي يشرف عليها الكاتب الروائي ابراهيم اصلان وتصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة فهي السلسلة الادبية الوحيدة التي لها توجه عربي وسبق لها ان اصدرت لكاتبين جزائريين هما: كاتب ياسين ومالك حداد الذي اهدته احلام مستغانمى روايتها الاولى ذاكرة الجسد. الى مالك حداد... ابن قسنطينة الذي اقسم بعد استقلال الجزائر الا يكتب بلغة ليست لغته. فاغتالته الصفحة البيضاء.. ومات متأثرا بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة العربية, وأول كاتب قرر ان يموت صمتا وقهرا وعشقا لها. والى ابي.. عساه يجد هناك من يتقن العربية فيقرأ له اخيرا هذا الكتاب.. كتابه احلام. وذاكرة الجسد انهتها احلام كتابة في يوليو عام 1988 ونشرتها بعد خمس سنوات من كتابتها وتقع في اربعمائة واربع صفحات من القطع المتوسط وصدرت طبعتها الاولى بغلاف من تصميم الفنانة التشكيلية اللبنانية نجاح طار وهي مقسمة الى ستة فصول. وفي طبعتها الاولى اختارت احلام مقطعا من الرواية وضعته على الغلاف الاخير هذا نصه: (مازلت اذكر قولك ذات يوم: الحب هو ماحدث بيننا والادب هو كل مالم يحدث) يمكنني اليوم بعدما انتهى كل شيء ان اقول هنيئا للأدب على فجيعتنا اذن, فما اكبر مساحة ما لم يحدث, انها تصلح اليوم لاكثر من كتاب وهنيئا للحب ايضا فما اجمل الذي حدث بيننا.. ما اجمل الذي لم يحدث.. ما أجمل الذي لن يحدث. وبعدما ذاعت الرواية وطارت شهرتها الى كل البلدان العربية ابدلت احلام مستغانمى كلمة الغلاف بكلمة كتبها الشاعر الراحل نزار قباني بخط يده في لندن 20 اغسطس 1995 ومثبته على الغلاف واعتقد انها ساعدت على انتشار الرواية: روايتها دوختني وانا نادرا ما ادوخ امام رواية من الروايات وسبب الدوخة أن النص الذى قرأته يشبهني إلى درجة التطابق. فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني وخارج على القانون مثلي. ولو أن أحداً طلب مني أن أوقع اسمى تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر.. لما ترددت لحظة واحدة.. هل كانت أحلام في روايتها تكتبني دون أن تدري, لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء بجمالية لا حد لها. وجنون لاحد له.. الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور بحر الحب, وبحر الجنس وبحر الأيديولوجية وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها ومرتزقيها, وأبطالها وقاتليها وملائكتها وشياطينها وأنبيائها وسارقيها.. هذه الرواية لاتختصر ذاكرة الجسد فحسب, ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي. خلال سبعة وعشرين عاماً أصدرت أحلام مستغانمي أربعة أعمال أدبية هى: على مرفأ الأيام 1973 الجزائر, الكتابة في لحظة عرى 1976 بيروت, ذاكرة الجسد 1993 بيروت, فوضى الحواس 1998 بيروت وقد صدر منها حتى الأن خمس طبعات عن دار الآداب. وقد عرفت أحلام في الجزائر كشاعرة ثم توقفت عن كتابة الشعر بعد ديوانها الأول على مرفأ الأيام, ثم بدأت تكتب في السبعينات والثمانينات كتابات حرة نشرتها في عديد من المجلات والصحف العربية كان آخرها زاوية أسبوعية في مجلة التضامن التي توقفت عن الصدور وكانت تصدر من العاصمة البريطانية لندن. وأحلام مستغانمي ترى أن روايتها ذاكرة الجسد هى اول عمل روائي نسائي باللغة العربية في الجزائر. وكنت أقرأ لأحلام زاويتها في مجلة التضامن أيام كنت طالباً بقسم الصحافة بكلية آداب سوهاج جامعة أسيوط, وأستغرب اسمها (مستغانمي) الى أن التقيتها في عام 1994 حيث شاركنا معاً في مهرجان البحر الأبيض المتوسط كشاعرين, وفي جلستي مع أحلام في فندق الدبلومات أو الدبوماسي حيث كنا نقيم قالت لي (أن تكون إنساناً حراً حرية مطلقة ولا أقصد فقط أن تكون حراً في الإدلاء برأيك أو حر) في الذهاب بجنونك حيث شئت قولاً أو فعلاً, بل تطلب أيضاً أن تكون شاعراً يعني أن تكون بتصرف الشعر وكأنك نذرت نفسك له, فهو ككل حالات الإبداع: يأتيك متى تشاء, ويقلب برنامجك متى تشاء فيلغي لك موعداً ويأخذ لك آخر, ويحجزك ساعات أمام ورقة ويخرجك من أطوارك لأيام. الشعر ترف ليس في متناول المرأة عندنا, فإذا كان الشاعر المتزوج هو بالضرورة نصف شاعر, وإذا كان الشاعر الذي له وظيفة وأولاد هو ربع شاعر فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بشاعرة عربية لها أولاد وعدة ووظائف اجتماعية وأكثر من رقيب عائلي رسمي؟ إنها ببساطة (فتافيت شاعرة) . وأن أكتشف أن الشعر قد غادرني لم يخف بقدر ما خفت أن يغادرني الحبر أيضاً وتخونني الكلمات, فأنا امرأة من ورق تعودت أن أعيش بين دفتي الكتب: أن أحب وأكره وأفرح وأحزن واقترف كل خطاياي على ورق. وتقول أحلام مستغانمي: تعلمت أن أكون كائناً حبريا ألا أخاف من رؤية نفسي عاريه مرتجفة على ورق, فأنا أحب عريي هذا, أحب قشعريرة جسدي العاري أمام بركة حبر, وأؤمن أن الكلمات التي تعرينا هى وحدها التي تشبهنا, أما تلك التي تكسونها فهي تشوهنا ولذا كان عنوان كتابي الثاني منذ مايزيد على عشرين عاماً هو الكتابة في لحظة عري وربما كان لحياة الأمومة والبيت التي عشتها أثر في تغير مزاجي الحبري ونظرتي لكتابة ذلك لم تعد كل حياتي بل حياة مسروقة من حياتي الشرعية, أصبحت أشهى وأصبحت أخطر, أصبحت حالة مرضية وعكة حبر وحالة خوف وذعر من شيء لايمكن تحديده. أصبحت حالة تعددية وقدرة على أن أعيش داخل أكثر من امرأة أن يكون لي أكثر من نشرة جوية في اليوم, أكثر من جسد كل ليلة, وأكثر من قلب وأكثر من مزاج عشقي, وأن تكون لي يد واحدة لا أكثر اكتب بها كل هذا وأسرق بها كل هذا. تقول أحلام مستغانمي ببساطتها وعفويتها وتلقائيتها الشديدة وتواضعها أيضاً: جان جينيه يقول: (كنت من قبل أسرق اليوم صرت أكتب الكتب) , وبإمكاني أن أقول العكس: فلقد بدأت كاتبة وانتهيت سارقة, فإذا كانت الكتابة بالنسبة للبعض ترفاً وتفرغاً وجاهاً, فهى بالنسبة لي مواجهة مع الواقع المضاد, انها نهب وسطو دائم, فأنا أسرق الوقت لأكتب وأسطو على مكتب ابني لأكتب, وأتحايل على من حولي لآخذ موعداً مع الورق, وسأظل أنهب الكلمات كما ينهب بعضهم السعادة, ذلك أن الكتابة هى المغامرة النسائية الوحيدة التي تستحق المجازفة وعلي أن أعيشها بشراسة الفقدان كمتعة مهددة. لقد عشت عدة سنوات دون مكتب ودون غرفة للكتابة, أنقل أوراقي من غرفة الى أخرى أكتب أحياناً على طاولة المطبخ وأحياناً في غرفة الطعام أو على سريري في غرفة النوم. وأنا أتساءل: الآن كل الغرف حولي كانت محجوزة تعودت أن أسكن ذاتي ولأن كل الأبواب كانت مغلقة حولي فتحت يوماً خطأ بابا كان لابد ألا أفتحه وإذا بي أمام نفسي وإذا بي روائية. لأرجوان مقولة جميلة: الرواية هى مفتاح الغرف الممنوعة في بيتنا يوم قرأتها أدركت أن ولادتي الحقيقة كانت يوم فتحت ذلك الباب, لأرى امرأة كنت أتوقعها غيري وإذا بي أصاب بالدوار والذهول وإذا بطوفان في نزيفه, ولم يكن إلا رواية سيكون حجمها اربعمائة صفحة ويكون اسمها ذاكرة الجسد. تعترف أحلام مستغانمي في شيطنة وطيبة وسماحة وخبرة العاشقة للحياة والحرف والحرية والحنان: اكتشفت أنني قضيت حياتي أمر بجوار تلك الغرف الممنوعة داخلي, معتقدة أنها لاتعنيني لأنني أسكن غيرها والواقع أني كنت أسكن غيرها وكانت هى التي تسكنني وتشغل الحيز الأكبر من فضائي الداخلي وفضائي على الورق, وبالتالي كانت مفاتيحها هي التي تحكمني وقفلها هو ثقب حريتي وعبوديتي. أدركت أن على لكي أكون كاتبة أن أسكن بيتا من زجاج لا بأن أختفي خلف كتب من الأسمنت المسلح, فالروائي الذى لا يتردد في فتح غرفة السرية أمامك بل يجرؤ على دعوتك لزيارة الطابق السفلى في البيت والقبو والأماكن المغلقة التي تكدس فيها الغبار والأثاث القديم والذاكرة.. وكل دهاليز النفس التي لم تدخلها الكهرباء بعد وتلك التي تنبعث منها رائحة العفونة المشبوهة. الروائي هو الذي يفتح لك الباب مرتدياً ثيابه العادية.. أو ثيابه الداخلية دون أن يعنيه أنه نسى أثناء ذلك أن يغسل وجهه ويحلق ذقنه ويخلغ منامته لاستقبالك وعذره في ذلك أن حياته تشبه حياتك, وتفاصيله لاتختلف عن تفاصيلك وأنك اشتريت كتابه لتقرأ نفسك لاغير. ولكن رغم هذا ــ تقول أحلام مستغانمي ــ فلابد أن أعترف هنا أننا مهما كنا نزهاء فنحن نكتب أيضاً لنكذب والذين يدعون أنهم يكتبون ليكونوا صادقين إلى أبعد حد يضحكونني بسذاجتهم أو بغشهم المطلق, فالكتابة مراوغة مستمرة مع الذات وتحايل دائم على الآخرين واختبار دائم لقدرتهم على قراءة البياض ولقدرة الزمن على الاحتفاظ بالسواد من الكلمات. هذا بعض من فيض مستغانمي التي ستبدأ مرحلة جديدة من حياتها الأدبية مع الكتابة بعد وصول روايتها (ذاكرة الجسد) إلى لغة أو لغات أخرى بعدما حضرت بشكل كثيف في اللغة العربية وحققت مبيعات لم تكن متوقعة حتى لكاتبتها. أحلام تخرجت من كلية الآداب بالجزائر وحاصلة على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون بباريس. مولودة في تونس حيث كان يعمل أبوها وله شقيقة اسمها صوفيا متزوجة هى الأخرى من لبناني وتعيش مثل أحلام في بيروت وهي فنانة تشكيلية وأحلام كما قالت لي: لا أستطيع الآن أن أذهب إلى الجزائر, فكل شيء تغير والإسلاميون لهم موقف خاص مني ومن كتاباتي. ويذكر أن أحلام متزوجة من الكاتب والصحفي اللبناني جورج الراسي صاحب كتاب الإسلام السياسي في الجزائر. تقول أحلام في فيوضاتها: لا يمكن أن نكتب عن حياتنا الا عندما نشفى منها. نحن لا نشفى من ذاكرتنا. ولهذا نحن نكتب ولهذا نحن نرسم. ليست الروايات سوى رسائل وبطاقات نكتبها خارج المناسبات المعلنة.. لنعلق نشرتنا النفسية لمن يهمهم أمرنا. إننا نكتب الروايات لنقتل الأبطال لا غير وننتهى من الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئاً على حياتنا. فكلما كتبنا عنهم فرغنا منهم. وامتلأنا بهواء نظيف. في الحقيقة كل رواية ناجحة هي جريمة ما نرتكبها تجاه ذاكرة ما وربما تجاه شخص ما ونقتله على مرأى من الجميع بكاتم صوت ووحده يدري أن تلك الكلمة الرصاصة كانت موجهة إليه. وترى أحلام مستغانمي في فيوضاتها أيضاً أن: الروايات الفاشلة ليست سوى جرائم فاشلة لابد أن تسحب من أصحابها رخصة حمل القلم, بحجة أنهم لا يحسنون استعمال الكلمات, وقد يقتلون خطأ بها أى احد.. بمن في ذلك أنفسهم, بعدما يكونون قد قتلوا القراء ضجراً. لا أصعب من ان تبدأ الكتابة في العمر الذي يكون فيه الآخرون قد انتهوا من قول كل شىء. الكتابة ما بعد الخمسين لأول مرة.. شىء شهوانى وجنونى شبيه بعودة المراهقة شيء مثير واحمق شبيه بعلاقة حب بين رجل في سن اليأس, وريشة حبر بكر. الاول مرتبك وعلى عجل والثانية عذراء لايرويها حبر العالم. سأعتبر اذن ما كتبته حتى الآن, مجرد استعداد لكتابة فقط وفائض شهوة.. لهذه الاوراق التي حلمت منذ سنين بملئها. ربما غدا ابدأ الكتابة حقا. احب دائما ان ترتبط الاشياء الهامة في حياتي بتاريخ ما. ويكون غمزة لذاكرة اخرى. حوار: احمد الشهاوي: وكالة الاهرام للصحافة