كان الهم الأكبر للدول الكبرى هو انه لا توجد في الجزيرة حكومة فهؤلاء البسطاء عاشوا حياتهم عبر قرون طويلة بلا سلطة من اي نوع ولم يحسوا بالحاجة الى اية سلطة . كان الرجل او المرأة يحس بالجوع فيذهب ليأتي بالطعام وكان كل شاب يبني بيته البسيط, ولم يكن يحتاج الى معونة احد, ومع ذلك كان يتطوع البعض لمساعدته دون مقابل, ودون توقع ان يساعدهم فيما بعد. كانت الجزيرة المجهولة تعيش هذا المجتمع الفاضل الذي حلم به افلاطون في جمهوريته الشهيرة. بل كانت الجزيرة تعيش مجتمعا أفضل من مجتمع افلاطون الذي كان مصنوعا على هوى الفيلسوف الكبير, ويمتلىء بأخطاء أفلاطون والكمال لله, او بأخطاء اثينا. فلقد كان أفلاطون يميز بين البشر, بل ورأى في العبودية جينة طبيعية, اما الجزيرة فكانت تساوي بين سكانها في كل شيء ومع ذلك لم تلتفت لمن يأكل اكثر من غيره, ولم تهتم بمن يريد بناء بيت من طابقين بدلا من طابق واحد. ومع ذلك لم يبن شخص واحد بيتا من طابقين. وسأل الباحثون والصحفيون والمذيعون والجواسيس: طيب, واذا قام خلاف بين شخص وآخر ماذا تفعلون؟ قالوا : ولماذا يقوم خلاف؟ وكما قلت كانت هذه اول ازمة تواجهها الدول الكبرى في علاقاتها مع الجزيرة وصدرت الاوامر بانشاء حكومة في الجزيرة. وهنا حدث خلاف كبير حول طبيعة هذه الحكومة. قال الامريكيون ان النموذج العصري للحكومات هو الحكومة الرئاسية البرلمانية التي تعتمد على رئيس جمهورية وسيم يعشق النساء ويتبعه وزراء يختارهم ويكون له بيت ابيض فيه معاونون ومعاونات وللمعاونات اسماء معروفة مثل مونيكا. وهناك ايضا برلمان ينتخب انتخابا شعبيا حرا, بغض النظر عن سيطرة الاعلام. وهذا البرلمان يتكون من مجلس نواب ومجلس شيوخ, ومجلس الشيوخ بالذات مهمته ان يناقد رئيس الجمهورية. ورغم ان الولايات المتحدة هي الآن الدولة الأم في العالم, بل والدولة الاب, وما تقرره ينفذ ولاراد لما تقرر, الا ان البعض استغل حقه في ابداء رأيه. والحمد لله أن أول المعارضين كان صوتا عربيا قال ان نظام الانتخاب كل أربع أو خمس سنوات هو نظام عقيم. وأن النظام العربي بانتخاب رئيس مدى الحياة هو افضل وآمن النظم. وقال احدهم ان النظام البرلماني شيء عظيم بشرط الا تبخل الدول العريقة فيه في ارسال خبراء في تزوير الانتخابات الى الجزيرة. وقال صوت آسيوي ان البرلمان الآسيوي هو افضل نظام فهناك برلمان منتخب انتخابا حرا من حاكم البلاد, يضم المؤيدين له. وهناك برلمان من المعارضة مقره الرسمي أعتى سجون البلاد. وكان النقاش حادا وعارما, ولكن القضية لم تكن في اختيار شكل الحكومة, بل في انشاء الحكومة نفسها. جمع الامريكيون السكان في ساحة كبيرة, ورفعوا علم الامم المتحدة على اعتبار ان علم الامم المتحدة هو نفسه علم الولايات المتحدة ومابين الخيرين حساب. ووقف مندوب من الامم المتحدة ينتمي الى بلاد الكونغو, وهو موظف معروف في وكالة المخابرات الامريكية, وقال للسكان: اننا شعوب العالم الثالث يجب ان نسير في طريق التقدم. وانتم لابد ان يكون لكم حكومة. سأل السكان السذج: وماهي الحكومة؟ قال الكونغوي الاديب: الحكومة هي القوة التي تلقي بالرعب في قلبك وتجعلك تخاف من فعل مالا ترضى عنه الحكومة, وهكذا يستتب النظام, فلا يخرج مارق عن الجماعة. ونظر السكان الى بعضهم دون ان يفهموا ما يقصده صاحبنا. ودارت مناقشات طويلة تحت علم الأمم المتحدة, ولكن لم يبد اي تجاوب من جانب السكان. وفي النهاية قام رجل من سكان الجزيرة وقال: لقد عشنا على سطح هذه الجزيرة سنين طويلة, ولاننا لا نعرف ما تسمونه التاريخ, سنقول ما نعرفه وهو عن مائة عام عشناها سعداء لم نحس ابدا بأننا في حاجة الى ما تسمونه حكومة. فلماذا تريدون فرض هذا الشيء علينا. الا يخطر على بالكم انه قد لايناسبنا. وانتهى الاجتماع كما بدأ بل اسوأ مما بدأ. واهتزت اجهزة الاتصال بين الدول وجواسيسها على الجزيرة: لابد من انشاء حكومة! وذات صباح شهدت الجزيرة حركة نشاط لم تعرفها بالطبع في تاريخها ولكن اغلب الظن انها لن تشهدها ابدا. مثلا بدأت حركة لرصف الطرق. فقال (فلان) لماذا تشوهون المطاف وترصفون الطريق امام بيتي وقال (علان) : لماذا ترصفون امام بيت فلان ولا تفعلون امام بيتي, واختارت السيدة الجميلة بعض الفتيات لكورال الاطفال. فغضب (فلان) لانهم لم يختاروا ابنته في حين ان (فلانة) اخذت تتباهى في الجزيرة كلها بأن ابنتها أجمل واذكى اطفال الجزيرة ولذلك اختاروها وجعلوها تقف في بداية الصف. ووزع بعض الاجانب الابرار ثيابا وما شابه على سكان الجزيرة فغضب (فلان) لانه كان يريد ثوبا ازرق بلون البحر. فأعطوه ثوبا اخضر بلون الشجر وبكت (فلانة) لانهم اعطوها عقدا بصفين في حين ان قريبتها اخذت عقدا بثلاثة صفوف. وبعد يومين وجد شخص من سكان الجزيرة مقتولا خلف بيته. وكان للحادث دوي هائل فهذه الجزيرة التي ترفض ان تؤرخ لنفسها بأكثر من مائة عام لم تعرف جريمة واحدة في تاريخها. واصاب الناس ذعر هائل, وتساءلوا عمن فعل شيئا كهذا. ولكن الولايات المتحدة تحت مظلة الأمم المتحدة قررت القبض على القاتل. وسرت اشاعات يقال انها مغرضة بأن الفاعل احد الجواسيس الاجانب وصدر بيان من منظمة آسيوية انها مسؤولة عن مصرع المواطن. واتهمت صحيفة احد الارهابيين الدوليين بأنه وراء الجريمة. وتسربت اخبار من سجن فرنسي بأن كارلوس قتل العميل الاستعماري. واكدت اسرائيل ان حماس هي المسؤولة عن مقتل المسكين. ولكن الولايات المتحدة تحت مظلة الامم المتحدة ألقت القبض على مواطن آخر من الجزيرة بدت عليه امارات الدهشة والحيرة مما اكد انه فعلا الذي قتل صاحبه. ولان هناك قاتلا وقتيلا فلابد من محكمة واذا كانت المحكمة ضرورة فلابد من جهة تصدر امراً بانشائها, لابد من انشاء حكومة. وعلقت على الاشجار اعلانات عن انتخابات مجلس النواب واخرى عن انتخابات رئاسة الجمهورية. ومضت الفترة القانونية واذ بكارثة لم تحدث من قبل وهي انه لم يتقدم احد! واهتزت اجهزة الاتصالات مع الجواسيس: لابد من انشاء حكومة والا كيف سنوقع المعاهدات. وعمل الاخوة الجواسيس ليل نهار واستطاعوا اخيرا الوصول الى شخص مزواج قالوا له ان من اعمال الرئيس ان يكون لديك متدربات ومن مقامك ان تتحرش بهن, ووافق الرجل فوراً على ان يرشح نفسه لهذا المنصب. اما المرشحون لمجلس النواب فلقد تحدثت عنهم احدى الصحف الاوروبية الصغيرة وقالت ان بينهم ابله الجزيرة وتشاء الصدف ان هذا الابله صار بعد ذلك رئيس مجلس النواب. وفي تلك الليلة التي اجتمع فيها الرئيس عاشق النساء مع برلمان المعاينة سرت الراحة في الدول الكبرى ونام الرئيس كلينتون نوما هانئا لأول مرة منذ قطع علاقته مع الآنسة مونيكا. وخففت روسيا من درجة الاستعداد العسكري. وبدا ان العالم مقبل على ايام سعيدة. وفي اليوم التالي وقعت عدة معاهدات بين الجزيرة والولايات المتحدة. ووقعت معاهدة مع روسيا واخرى مع اسرائيل ومرة ثالثة مع بريطانيا. ولم توقع معاهدة واحدة مع دولة عربية لأسباب عديدة منها ان دولة تقدمت متأخرة عن الموعد, واخرى لأن المواصفات لديها غير مطابقة. وبعد ايام اهتزت اجهزة الاتصالات: لدينا معاهدات اخرى, مطلوب قتيل آخر!