يذهب الناقد الانجليزي المرموق هربرت ريد (1898 ــ 1968) الى ان اللوحة التي تخلو من وجود عنصر حي, تفقد الكثير من الحس الدرامي داخلها!! ونستطيع ان نضيف ان المتلقي يميل بشكل عام الى التعامل مع الأعمال الفنية التي تحتفي بالحكي أو الحديث, أو تلك التي (تقول) شيئا ما . وبرغم ان اللوحة التشكيلية لها قواعدها وقانونها الخاص, الا ان ذلك لا يمنع أيضا من ان اللوحات التي تختمر داخلها أحداث درامية, يكون نصيبها من الذيوع والانتشار وإقبال الناس عليها كثيرا!! بعكس تلك التي تستند على علاقات تشكيلية خالصة من لون وخط ومساحة. ولكن هل ينبغي ان تتضمن اللوحة عنصرا حيا ــ إنسانا أو حيوانا أو طائرا ــ حتى تفوح منها رائحة الدراما؟ لوحات الفنان محمد غانم (32 عاما) تنفي ذلك, حيث قدم لنا في معرضه الأخير أكثر من 28 لوحة محرومة جميعها من وجود أي عنصر حي, ومع ذلك, فهي تضج بالدراما, وتشغى بالأحداث. يجب ان نلفت الانتباه الى ان الفنان اصطاد من البيئة المحلية مشهدا شائعا, لكن لم ينتبه اليه احد, ألا وهو شبابيك أو (نوافذ) البيوت الشعبية القديمة, وراح يصورها بمهارة لافتة للنظر, دون ان يقع في أسر المنطق الفوتوغرافي, فمثلا لوحة (الغسيل المنشور) , نجد ان محمد غانم قد جعل واجهة المنزل تحتل كل مساحة اللوحة, ثم قام بعمل نافذتين تخترقان هذه المساحة, إحداهما استقرت في المركز الذهبي وأمامها تم نشر الغسيل, بينما النافذة الاخرى مغلقة تماما وغير مكتملة! في هذه اللوحة, انحاز محمد غانم نحو الأحمر المشبع بدرجات من الأصفر ليلون به واجهة المنزل, في حين وهب الأخضر الزرعي, والأزرق القاتم للنوافذ مما شكل تجانسا لونياً ممتعاً. ان الدراما في هذا العمل تنبع من كون النافذة مفتوحة بما يعني ان هناك بشرا بالداخل, و(غسيلهم) لا يزال ينتظر ان يجف!! لم يلهث محمد غانم خلف ألوان الزيت التي أسرت معظم الفنانين, وانتمى الى خامة الباستيل... هذه الخامة العنيدة المشاكسة التي تحتاج الى صبر بحار قديم ورهافة حس حتى يمكن السيطرة عليها وضبط انفلاتها كما نتابع في لوحة (نوافذ) , هذا الحوار بين الظل والنور الذي يجري على جدران المنزل المهترىء. المثير في أعمال محمد غانم هو ذلك الاصرار على تصوير المشهد من قريب, مثل (الزووم) في عالم السينما, مما يجعل الفراغ منعدما, وكأن المتلقي يقف مباشرة أمام النوافذ حتى لو كانت في الأدوار العليا. كذلك يهرب الفنان ــ ومعه حق ــ من محاكاة الواقع من حيث التلوين. القاهرة ــ ناصر عراق