الكاتب الساخر يوسف عوف من أهم كتاب الدراما على مستوى الوطن العربي, ارتبط اسمه في أذهان الناس بالبرنامج الإذاعي الشهير (ساعة لقلبك) مؤلفاً وممثلاً منذ أوائل الخمسينات لكنه لم يستمر طويلاً في مجال التمثيل وفضل أن يكون مؤلفاً فقط واستطاع أن يثري بإبداعاته مجالات الفن المتعددة الإذاعية والتلفزيونية والمسرحية والسينمائية. تخطى رصيده من هذه الأعمال المئات, وإلى جانب هذا كله فقد مارس أيضاً الكتابة الصحفية (هاوياً) في العديد من المجلات والصحف. وتميزت معظم أعمال يوسف عوف بالسخرية الشديدة وتقديم صور كاريكاتيرية تسببت أكثر من مرة في وقف التعامل معه.. ومع ذلك فهو يجيد تماماً لعبة (القط والفار) مع السلطة ولا يمل أبداً منها.. عندما قدم برنامجه الإذاعى الشهير (مش معقول) إستطاع أن يجذب أذن المستمع إلى الراديو رغم سطوة التلفزيون الشديدة ولكنه تخطى بنقده اللاذع جميع الخطوط الحمراء فتوقف البرنامج ثم عاد مرة أخرى تحت عنوان جديد وهو (عجبى) لكنه أيضاً تخطى الحدود المسموح بها فتم استبعاده من البرنامج واستعانت الإذاعة بأكثر من مؤلف لنفس البرنامج لكنه لم يحقق النجاح نفسه وإذا كان يوسف عوف قد قدم حوالى مائتي حلقة تقريباً من البرامج الإذاعية الساخرة مثل (مش معقول) و(عجبى) و(قول ياصبح) و(أمس واليوم وغداً) و(عجايب) , فإنه أثرى الإذاعة أيضاً بخمسة عشر مسلسلاً. وفي نفس الوقت كان عطاؤه للتلفزيون مستمراً من خلال برامج ومسلسلات وفوازير. كما كان للسينما أيضا حظ من كتاباته حيث قدم لها 16 فيلماً كوميدياً وكذلك المسرح بداية من (هاللو شلبى) مروراً بـ (كنت فين يا علي) و(راقصة قطاع عام) وأخيراً (مولد سيدي المرعب) , ولأن شخصية يوسف ترفض المهادنة رغم بساطتها وخفة ظلها فإن اتحاد الإذاعة والتلفزيون اتخذ قراراً غير معلن بعدم التعامل معه بعد أن حصل (عوف) على حكم قضائي بصرف مبلغ 180 ألف دولار من الاتحاد عن حقه كمؤلف مقابل استغلال فوازير (مناسبات) عام 1988 في المحطات خارج مصر. وكانت هذه هى المرة الأولى والأخيرة التي يجبر فيها الاتحاد على دفع حقوق المؤلف لأحد الكتاب. ورغم أن عوف حصل على حقه إلا أن ثمن ذلك كان استبعاده من أي عمل جديد, فتم وقف مشروع حلقات جديدة من مسلسل (ساكن قصادي) كما توقف ايضاً مشروع انتاج مائة حلقة فكاهية بعنوان (فضفضة) وبرنامج بعنوان (عصر من الفكاهة) , إلى جانب فيلم تلفزيوني وسهرة. (البيان) التقت مع يوسف عوف وسألته عن موقفه مع الاتحاد وهل سيحاول كسر هذه الحالة فقال: أنا مؤمن بأن مبنى الاذاعة والتلفزيون ليس إلا مكان لتنظيم مرور الإبداع والفكر من المبدعين إلى المشاهدين ولكنه في كثير من الاحيان يتخطى صلاحياته ويحاول أن يتحكم في المبدعين وأنا أتعجب من هذا الموقف فكل ما حدث إنني طالبت بحقي كمؤلف, والمحكمة قررت لي نسبة من المبيعات وهو أمر طبيعي ومتبع في العالم كله, لكن للأسف المسألة عندنا مختلفة, فالموظفون يحصلون على أرباح وحوافز انتاج وهم في مكاتبهم والتليفزيون يحقق أرباحاً طائلة من تسويق هذه الأعمال إلى جانب الإعلانات التي تقدر أيضاً بالملايين فما الغريب أن أحصل على حقي كاملاً. قد يكون اللجوء إلى القضاء هو السبب في هذا الموقف؟ أنا لم ألجأ إلى القضاء إلا بعد أن حاولت مراراً وبشكل ودي الحصول على هذا الحق لكن المبدأ كان مرفوضاً تماماً, ولذلك أضطررت إلى الاتجاه للقضاء, واستمر نظر القضية سبع سنوات حتى حصلت على الحكم. جبهة للمؤلفين: لماذا لم يتضامن معك مؤلفون آخرون؟ في البداية اتخذت موقفا فردياً وكانت النتيجة ان الاتحاد حاول أن يصنع مني (عِبرة) لغيرى لكن الحقيقة إن الزملاء تضامنوا معي بعد ذلك وأسسنا جبهة تضم أسامة أنور عكاشة ومحفوظ عبد الرحمن ووحيد حامد ويسرى الجندى ومحمد صفاء عامر ومحمد جلال عبد القوي وأحمد صالح. وحاولنا التفاهم مع الاتحاد لتقرير حق المؤلف المنصوص عليه في القانون. وإذا لم يتم التوصل إلى شىء ايجابى سنتخذ اجراءً جماعياً لم نعلن عنه حتى الآن. بعيداً عن المشاكل والقضايا وباعتبارك من الكتاب الكبار في مجال الكوميديا لماذا تراجع مستوى الأعمال الكوميدية وهل أصبح هذا المجال هو الأسهل لأي مؤلف مبتدىء؟ بالعكس الكتابة الكوميدية تستنزف قوى خلاقة كبيرة وهى مادة نادرة, وفي إعتقادي أن كاتب الكوميديا لابد أن يكون له مصدر رزق آخر. لأن الإبداع في هذا الاتجاه ليس متدفقاً وإنما هو حالة مزاجية غير مستقرة. اما بالنسبة لتراجع مستوى الأعمال الكوميدية فإن أحد أسبابه المهمة أن جهات الانتاج الحكومية والخاصة تتعامل مع الابداع الكوميدى نفس معاملة التراجيديا العادية رغم سهولة الأخيرة بالنسبة للأولى. ولهذا فقد اتجه معظم كتاب الكوميديا المتميزين إلى التراجيديا لأن هذا المجال يتيح لهم مساحات أكبر في الكتابة وبالتالي يستطيع أن يكتب حلقات أكثر ويتقاضي أجراً أكبر بعد أن أصبح الاهتمام بالكم وليس الكيف عند جهات الانتاج وانتقلت هذه الحالة إلى المؤلفين. كوميديا الارتجال هل انتقلت هذه الحالة إلى المسرح أيضاً؟ الظاهرة لم تفرق بين المسرح وغيره من أشكال الفنون الأخرى لأن المسرح بشكل عام لم يعد يجذب الكاتب نظراً لتراجع عدد العروض على المستويين العام والخاص. ولهذا فقد هرب مؤلفو المسرح إلى التلفزيون حيث الكتابة هناك بعدد الساعات وليس بالقيمة. ولذا تجد أن الموجود على الساحة الآن من أعمال كوميدية شىء غث, والضحك في المسرح أصبح نابعاً من الممثل وليس من المؤلف, مجرد ارتجال والأكثر قدرة على اجادته هو الأكثر شهرة. ووجهة نظرى أن الكوميديا لابد أن تنبع من النص المكتوب.. وإذا كان النص جيداً فيمكن لأى ممثل أن يؤديه ويضحك الناس وعلى سبيل المثال في مسلسل (ساكن قصادي) . الدراويش نعرف أنك بدأت ممثلاً ومؤلفاً فلماذا تخليت عن التمثيل وتفرغت للكتابة فقط؟ بدايتى مع التمثيل كانت من خلال الجامعة عندما كنت طالباً بكلية الزراعة. أنشأت في هذه الفترة فرقة مع بعض الزملاء أطلقنا عليها (الدراويش) وحققت شهرة ونجاحاً كبيراً. وكنا نعتمد على تقديم موشحات كوميدية من تأليفى وألحانى أيضاً, وكنا نستعير ألحانا شهيرة لبعض الأغنيات ونبدل كلماتها. ثم قدمت برنامج (ساعة لقلبك) كاتباً وممثلاً أيضاً. ولكنى وجدت أننى أميل للكتابة أكثر من التمثيل, واعترف أن إسمى لم يعرف كممثل بل من خلال الكتابة وللأمانة فإننى لم أكن المؤلف الوحيد (لساعة لقلبك) ولكني كنت أحد المشاركين في كتابته. وقد يكون إسمي ارتبط بها لأنني أنشأت فرقة مسرحية بعد ذلك بنفس الإسم شارك فيها نفس الأبطال وهم عبد المنعم مدبولي وخيرية أحمد وجمالات زايد وسامية رشدي وأبو لمعة والهنيدي والمعلم شكل. رغم أنك حققت نجاحات كثيرة في مجالات أخري غير الإذاعة إلا أنك مازلت تعتبر نفسك أحد ابنائها حتى الأن أليس كذلك؟ بالتأكيد لأن الإذاعة ساهمت بشكل كبير في تكويني كمؤلف ووفرت لي الفرصة لكي أصبح نجماً في الكتابه, وأعترف إنني وأبناء جيلي كنا من المحظوظين لأننا بدأنا مشوارنا فى بداية الخمسينات وكانت أيام انتصارات والفرصة مهيأة لتوهج المواهب. ولهذا فقد اعطتني الإذاعة ثقة كبيرة لكي أصبح مؤلفاً مشهوراً وأنا في عز الشباب. نعرف انك مارست أيضاً الصحافة لكنك لم تحترفها لماذا؟ أنا عاشق للصحافة منذ كنت طالباً بكلية الزراعة؟ وقد أصدرت أثناء فترة الدراسة مجلة للكلية وكنت أكتب فيها بابا ساخراً بعنوان: (باب زويلة) أرصد فيه جميع الأحداث بالكلية, وانتقد فيها السلوكيات بداية من الطلبة وحتى الأساتذة. وبعد التخرج عملت في مجلة إسمها (إذاعات العالم) , وكنت أكتب صفحة في كل عدد, لكني انقطعت بعد ذلك بعد أن جذبتني الاذاعة, ولم أعد إلى الصحافة إلا عام 1986 بعد أن أوقفت الإذاعة برنامج (مش معقول) فأغرانى الصديق صلاح منتصر بكتابة صفحة إسبوعية في مجلة أكتوبر بنفس العنوان ثم انتقلت للكتابة في مجلة الشباب, وأكتب هناك حتى الان تحت عنوان (هموم ضاحكة) , كما كتبت أيضاً في مجلة كاريكاتير مقالاً بعنوان (فضفضة) وهناك بعض المجلات الأخرى أكتب فيها بغير انتظام واعتبر نفسي هاوياً للصحافة فقط ولست محترفاً. رقابة الضمير أهم مشاكلك مع الإذاعة والتلفزيون متى تنتهي؟ بعيداً عن الأمور المالية فإن مشكلتي الأولى هى الرقابة فهناك أعمال ترفض أو أعمال توقف بسبب الرقابة. ووجهة نظري أن الرقابة لابد أن تبتعد عن كبار المبدعين لأن هؤلاء تكون رقابتهم نابعة من ضمائرهم, وأزعم إنني منهم. ومن غير المعقول أن يتحكم موظف رقابة في أعمال كتاب مثل محفوظ عبد الرحمن وأسامة أنور عكاشة أو غيرهم من الكتاب, ولذلك أرى أن المشاكل ستظل قائمة مادام هناك رقيب على الإبداع. باعتبارك مؤلفاً كوميدياً هل تشترط أن تكون زوجتك الفنانة خيرية أحمد إحدى بطلات العمل الذى تؤلفه؟ إطلاقاً, التعاون بيننا في الأعمال الفنية بسيط جداً وترشيحها لأي عمل لايتم من خلالي, وإذا كان إسمنا قد ارتبط ببرنامج (ساعة لقلبك) في الخمسينات وأوائل الستينات, فإن المفاجأة التي قد لا يعلمها كثيرون إننا تزوجنا بعد توقف البرنامج عام 1962 ولم يثمر هذا الزواج عن أعمال فنية مشتركة إلا القليل كان آخرها مسلسل (ساكن قصادي) . القاهرة ــ (البيان) هشام علي