تعودت وللعادة أحكامها وطقوسها ان أقرأ أية صحيفة تقع في يدي من الصفحة الأخيرة, فلا أبدأ بالصفحة الأولى إلا بعد ان أمر على ثلثي صفحات الجريدة , واعتقدت ان ذلك السلوك, وتلك العادة التي تحكمني لا تحكم غيري من القراء ثم اكتشفت, بأنني أماثل الكثيرين من القراء الذين قلبوا موازين الأمور وبدأوا يتعرفون على دنياهم من الخلف بعد ان أدارت وجهها عنهم وعاملتهم بجفاء وصدود, خاصة وان حال أخبار الصفحة الأولى لا تسر عدوا ولا حبيبا, فمن حرب إلى دمار ومن قضية مزمنة ومعقدة تكاد لا تنفك حتى تتعقد من جديد, إلى تشريد شعب وقصف أبرياء لا ذنب لهم ولا حول ولا قوة. والذي أثارني ان أكتب بالمقلوب استطلاع قامت به احدى الصحف الأمريكية حول عادة القراءة وأردفته باستطلاع آخر حول عادات الكتابة, وقد رسم الاستطلاع الأول حول عادات القراء في تعاملهم مع الصحيفة أبعادا للمحللين المتخصصين في فهم ورصد وتحليل أفكار وانطباعات وعادات القراء. وأشار الاستطلاع إلى ان بعض القراء طالبوا بتلطيف أخبار الصفحة الأولى بينما رفض آخرون هذا الاقتراح الذي من شأنه كما يعتقد هؤلاء ان يؤثر في أهمية ورزانة الصفحات الأولى, بل وبجعلها كصفحات الحائط التي لا تعرف رأسها من ذيلها ان صح التعبير. وقد كانت الاجابات التي تكشفت للمسؤولين في الصحيفة بعد الانتهاء من الاستطلاع مثيرة جدا, حيث طلب بعض القراء وخاصة أولئك الذين يتابعون أخبار الفن والنجوم بوضع صور نجومهم المفضلين في الصفحة الأولى مع متابعة يومية لأخبارهم, بينما رأى آخرون أن النكتة والتعليق الذي لا يخلو من طرافة له أهمية قصوى وعلى المسؤولين الاعتناء بتلك الجوانب وابرازها في الصفحة الأولى, ووجد فريق ثالث ان الفضيحة التي تعرض لها الرئيس بيل كلينتون أعادته إلى متابعة الصفحة الأولى بعد ان أهملها لفترات طويلة. وأكد أغلب القراء على ان الصحف ستظل صامدة وباقية ولا يتوقع زوالها أو اختفاؤها خلال القرن المقبل رغم الوسائط التكنولوجية التي بدأت تسحب البساط من تحت أقدام الوسائل الإعلامية, فإذا اختفت قهوة الصباح من الوجود ستختفي الصحف, كما يعتقد هؤلاء ورأى بعضهم ان الانترنت ليس بديلا قويا أو مزاحما للصحيفة, فأغلبنا يتمتع بملامسة الأوراق وطي الصحيفة وتأبطها أحيانا أو الاحتفاظ بها. ولأن للناس فيما يعشقون مذاهب أقترح أحدهم صفحة يومية للعناية بالكلاب والقطط على غرار الصفحات المخصصة للخيول, بينما أشار آخر إلى انه من هواة جمع الفئران وقد لاحظ ان الصحف كثيرا ما تتعرض للفئران بالسب والتقليل من شأنها, ولهذا يطالب جميع الصحف برد الاعتبار لتلك الفئران. وحتى لا أخوض كثيرا فيما أفرزه الاستطلاع حول عادات القراءة أتناول بايجاز أهم ما تعرض له الاستطلاع الثاني حول عادات الكتابة وقد طرح هذا الاستطلاع على مؤلفين كبار وقراء عاديين, وقد أكد أغلبهم على ان أجهزة الكمبيوتر اختزلت الكثير من المراحل حتى بات أغلبهم ينسى أهمية القلم, سواء أكان قلم حبر أو جاف أو رصاص. ولا أدري كيف ستكون الاجابات لو طرح هذا الاستطلاع على الكتاب في الوطن العربي, إلا ان الأمر الذي أنا متأكد منه هو أنني واحد من أولئك الذين يعشقون قلم الرصاص في الكتابة, وأكاد لا أستغني عنه رغم أننا نكاد نلامس أصابع القرن المقبل, وأعتقد ان مثلي كثير ممن تستهويهم تلك اللعبة اللذيذة, هذا من جهة القلم, أما لو تكلمنا عن نوعية الأوراق فسنجد عجبا, فهناك من تثيره الأوراق المسطرة, وهناك من يعشق الأوراق المصقولة البيضاء التي تكاد لا تفرق بينها وبين وجه فتاة دون الثامنة عشرة, وآخرون لا يعرفون الكتابة إلا على دفاتر المذكرات الصغيرة. واذكر ان أحد الطلاب في الجامعة تورط بكراس الاجابة على أحد الامتحانات فهو لا يعرف إلا الاجابة على أوراق بيضاء غير مخططة وطلب من الدكتور استبدال ذلك الكراس اللعين الذي يجعله في حالة نفسية وعصبية سيئة, وقد استجاب الدكتور بعد ان تفهم تلك الحالة وانقذه من رسوب محقق. عموما كثيرون لا يعيرون تلك الأمور بالا, إلا ان حكم التعود يغلب البعض أحيانا, ويكاد يصرعه لو أراد التغيير, ومن هنا نكتب بطقوس الكتابة ونقرأ بطقوس القراءة التي أخذتنا إلى عوالمها, ونعتقد أننا لسنا مختلفين, فما دام المعنى يصل والرسالة تقرأ فلا بأس ان بدأنا يومنا من الخلف أو من الأمام.. فكل الطرق تؤدي إلى الصحيفة, أليس كذلك؟