حل العيد على ضيف عزيز عالي المكانة ألزمه الزمن ان يسكن شر مكان, فتذكرت النفس الشامخة انها كانت في عصر ما عزيزة مهابة, فأرسلت آهاتها من خلف قضبان السجن, ليحفظ ورق التاريخ صداها . فيما مضى كنت بالاعياد مسرورا فساءك العيد في (اغمات) مأسورا قد كان دهرك ان تأمره ممتثلا فردك الدهر منهيا ومأمورا من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالاحلام مغرورا! الضيف السجين ملك اندلسي, يختلف عن بقية من جاء بعده او قبله من امراء الطوائف انه اشجعهم, وانه اكثر الامراء الذين اثاروا مشاعر الهيبة والاعجاب عند اناس ذلك الزمن, وصف بانه (اندى ملوك الاندلس راحة, وارحبهم ساحة واعظمهم سمادا, وارفعهم عمادا, ولذلك كانت حضرته ملقى الرجال وموسم الشعراء وقبلة الآمال ومألف الفضلاء, حتى انه لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من اعيان الشعراء وافاضل الادباء ما كان يجتمع ببابه, وتشتمل عليه حاشيتا جنابه) . انه المعتمد بن عباد, حاكم اشبيلية, عاش حياته مثل بقية ملوك الطوائف في ثراء وبذخ ونعيم اندلسي حسبوا انه مجد ابدي خصهم الدهر به. يحفظ تاريخ الأدب الاندلسي للمعتمد انه احد اولئك العشاق المغرمين الذين سجلوا حكايات غرام اندلسية شهيرة. له عدة زوجات ومحظيات, لكن قلبه سكنته امرأة وحيدة اسمها اعتماد الرميكية, لم تكن تليق به كسيد وملك وهي الفتاة المتواضعة الاصل, لكن قلب الشاعر اعمى دائما حتى لو كان صاحبه ملكا مطاعا. بدأت حكاية الحب على شطر بيت, قاله المعتمد في لحظة انس: نسج الريح على الماء زرد. وطلب من جلاسه ان يجيزوا, فلم يفتح الله عليهم بشيء, جارية لبعض الجلاس كانت حاضرة, فقالت: يا له درعا منيعا لو جمد. فنظر اليها الملك, وبدأت قصة الحب, تزوجها واغدق عليها من جواهر ونفائس ونعيم, تشير الروايات لبعض مظاهر هذا الدلال والبذخ في مثل حادثة (يوم الطين) عندما امر المعتمد ان يعجن المسك والكافور بالماء ويفرش على الارض لكي تخوض زوجته وبناته في (الطين) الذي تكون من هذا الخليط, ارضاء لنزوة زوجته اعتماد ان تخوض في الطين حافية القدمين! حال الزمن ان يتبدل, والنعمة ان تزول ان لم تجد من يحافظ عليها ويرعاها ويصونها, وهذا ما حدث عندما بدأت تتساقط دويلات مملكة الطوائف. فانشغل الملوك بالنعيم وهانت لديهم مصالح الأمة وباع بعضهم بلاده وأهله للعدو المتربص ثمنا لبقائه في السلطة, بدأت الخيانة عندما ذهب بعض هؤلاء يستعين بالعدو ضد بعضهم! فسقطت مملكة اسلامية عظيمة هي طليطلة, وشعرت بقية الممالك ان الدائرة تقترب منهم, فأخذوا يبحثون عن منقذ يخرجهم من هذا البلاء, التفتوا بعيدا الى ما وراء البحر, فلا امل في الجار القريب, فكانت هناك في المغرب دولة اسلامية مزدهرة قوية هي دولة المرابطين يحكمها خليفة المسلمين يوسف بن تاشفين. قرر الملك المعتمد بن عباد ان يخاطبه لنجدة الاسلام والمسلمين عندما شاهد ما حل بطليطلة, نصحه بعض خاصته ان لا يفعل ذلك, لكنه رد عليهم بمقولة صارت مثلا (رعي الجمال خير من رعي الخنازير) ولولا هذا التصرف, لولا مجيء يوسف بن تاشفين ووقعة الزلاقة, لكان سقوط الاندلس اشد مرارة واسرع مما كان, ولو ان ملوك الطوائف حافظوا على هذا النصر وتوحدوا ضد عدوهم لتغير الحال, الا أنهم عادوا لدنياهم, فعاد يوسف بن تاشفين مرات لنجدتهم, وفي المرة الأخيرة رأى أن يقوي قبضته على ما تبقى من هذا الثغر الاسلامي الهام, وان يزيل امراء ووزراء وملوكا, وكان ملك اشبيلية احدهم, فسيق المعتمد بن عباد الى (اغمات) بالمغرب. في السجن تذكر الملك المخلوع النعيم الاندلسي الذي كان فيه, وحال أهله واولاده من الفقر وذل الحاجة, فبكى شعرا: ترى بناتك في الاطمار جائعة يغزلن للناس ما يملكن قطميرا برزن نحوك للتسليم خاشعة ابصارهن حسيرات مكاسيرا يطأن في الطين والاقدام حافية كأنها لم تطأ مسكا وكافورا لاخد الا ويشكو الجرب ظاهره وليس الا مع الانفاس ممطورا مات بن عباد حسرة ودفن بعيدا عن اندلسه, لا انيس معه الا زوجته التي احبها ترقد بجانبه, واوصى ان يكتب على قبره: قبر الغريب سقاك الرائح الغادي حقا ظفرت باشلاء ابن عباد نعم هو الحق وافاني به قدر من السماء فوافاني بميعاد ولم اكن من ذاك اليوم اعلم ان الجبال تهادى فوق اعواد!