قال لي صاحبي وهو يشاكسني: ما هذه البدعة التي تباغتنا بها, كعادتك معنا, وتزعم ان في الكتابة عن رداءة التأليف فائدة لا تقل ـ إن لم تزد ـ عن الكتابة حول جودة التأليف؟! هل هذه بدعة جديدة من بدع نقدكم المحدث؟!قلت لصديقي المشاكس: أولا هذه ليست بدعة من بدع نقدنا المحدث الذي أرجو ألا تستخف به ودليلي اليسير على ذلك عقلي ونقلي . قال صاحبي نافد الصبر: وكيف؟ قلت: أما الدليل العقلي فهو أن الجديد لايمكن معرفته إلا بمعرفة الردىء, فبضدها تتميز الاشياء, والحسن يبرز حسنه الضد, ولولا ان استفزك لحدثتك عن مذهب فردناند دي سوسير في فهم اللغة, وكيف ان اللغة خلافية دائما, واننا لا نتعرف شيئا الا باختلافه عن غيره, ودليل ذلك اننا نتوقف عند اشارة المرور الخضراء لبعض علمنا انها ليست حمراء, والعكس صحيح وهذا امر يتصل بتفاصيل التفاعل بين علاقات الغياب والحضور في اللغة والحياة على السواء. صاح صاحبي منفعلا: كفاك حديثا عن دي سوسير ألم يكفك ما فعله تلامذته بأخ لنا من قبل. وأخبرني على الفور بالدليل النقلي. قلت: إذا كنت تريد دليلا نقليا محدثا فدونك دي سوسير اما اذا شئت ما لايعد محدثا هذه الايام فإليك كتاب الناقد البريطاني آي. إيه. ريتشاردز صاحب كتاب (مبادىء النقد الأدبي) الذي صدر سنة 1934, وترجمه سنة 1963 ترجمة نموذجية استاذنا الدكتور محمد مصطفى بدوي متعه الله بالصحة والعافية, فقد بلغني انه متوعك الى درجة منعته من الحضور الى المؤتمر الأخير في القاهرة وافادة الناس بعلمه الغزير. قال صاحبي: وأنا مثلك أدعو لاستاذنا الذي افدنا منه جميعا بالصحة والسلامة, فهو لا يزال نموذجا يحتذى لاساتذة الادب الانجليزي الذي يحسنون من علم الادب العربي وزن ما يحسنونه من علم بالأدب الانجليزي. وما زلت أذكر زيارتي له في منزله بالقرية الريفية الصغيرة بالقرب من اكسفورد, حيث جلسنا في حديقة بيته العتيق تحت شجرة معمرة, وظلت زوجه الرائعة تحدثنا عن تاريخ الشجرة والبيت حديثا سرعان ما تشعب الى الادب الانجليزي المعاصر, والى شعر فيليب لاركن الذي كان محمد بدوي على وشك الفراغ من ترجمته التي نشرتموها في المجلس الأعلى للثقافة. ولكنك دفعتني الى الاستطراد مثلك. قل لي: ماذا يقول ريتشاردز في (مبادىء النقد الادبي) عن الرداءة؟ قلت: خصص آي. إيه. ريتشاردز الفصل الخامس والعشرين من كتابه عن الشعر الردىء, وجعل من كلمتي (الشعر الردىء) عنوانا لهذا الفصل الذي اعتبره واحدا من اهم الفصول في كتب النقد الحديث التي تعلمت منها. واصدقك القول انني لم افكر في اهمية دراسة موضوع الرداءة إلا بعد ان قرأت ذلك الفصل, لأنني تعلمت منه ان دراسة الرداءة اصعب من دراسة الجودة. على الاقل لاننا تعودنا التفكير في الجودة والبحث عن تعليل لها. واذكر انني قرأت ذلك الكتاب بعد صدوره مباشرة, وكنت طالبا في السنة الثانية في قسم اللغة العربية. وكان الدكتور محمد مصطفى بدوي ايامها استاذا بكلية الآداب ــ جامعة الاسكندرية ــ قبل ان يغادرها مضطرا ويستقر به المطاف استاذا في كلية من كليات جامعة اكسفورد العريقة. وقد دفعتني ترجمة بدوي الجميلة لكتاب (مبادىء النقد) الى متابعة ما ترجمه بعد ذلك, أو في اثناء ذلك, وبالاخص ترجمته للكتيب الصغير الذي أصدره آي. إيه. ريتشاردز سنة 1926 بعد عامين فحسب من صدور كتابه عن (مبادىء النقد الادبي) ليستكمل في الكتيب الصغير النقاش حول ما يمكن ان نسميه (الحقيقة الشعرية) من حيث علاقتها بحقائق العلم وعباراته الاشارية, او قضاياه التي لابد ان تكون صادقة لا كاذبة, مقابل العبارات الشعرية التي هي قضايا زائفة pseudo Statements, ويبدو ان اهتمام بدوي بأفكار ريتشاردز الذي كان واحدا من اعظم نقاد العصر, في ذلك الزمان, هو ما دفع به الى ترجمة كتاب هاملتون (الشعر والتأمل) ونشره في التاريخ نفسه الذي نشر فيه ترجمته عن (مبادىء النقد الادبي) , وكان صدور هذين الكتابين المتعارضين حدثا دالا على الموقف النقدي الرحب لمحمد مصطفى بدوي الناقد على نحو يصعب نسيانه. وهنا, كان صبر صاحبي قد نفد, فصرخ بي قائلا: انت لا تكف عن عادتك في الاستطراد, ويبدو ان حبك غير العادي للتراث العربي هو المسؤول عن ذلك, واعجابك الكبير بالجاحظ هو ما ما يدفع الى تقليده في الانتقال من شيء الى شيء دفعا للملل, لكنني قد تمللت من الاستطراد, فأنت نسيت ما كنت تنوي ان تحدثني عنه من كلام ريتشاردز عن الرداءة, ام انك قد نسيت كلامه, قلت: لا ياسيدي, لم انس ولكن تلقائية الحديث تدفع الى الاستطراد, ولعلي اتدفق على هذا النحو لاني خارج من محاضرة النقد الادبي الحديث, وكنت احدث طلابي عن افكار ريتشاردز وعلاقتها بما يسمى (النقد الجديد) فدفعني الكلام الى محمد مصطفى بدوى الذى راجعت ترجماته بالامس استعدادا للمحاضرة فأنت تعرفني لا احاضر الا بعد ان... ولم يتركني صاحبي اكمل الجملة وصاح بي مبتسما, كف يا رجل وعد الى ريتشاردز, قلت معذرة يا صديقي, سأفعل ذلك على الفور, ودعني استعين بترجمة بدوي التي احملها معي لاني كنت استخدمها في الدرس, ودعني اقرأ لك مفتتح الفصل الخامس والعشرين الذي يقول فيه ريتشاردز: (ان موضوع الرداءة في الشعر لم يلق من الدراسة النظرية ما هو جدير به, ويرجع ذلك الى حد ما الى صعوبة التفكير فيه, اذ تختلط الامور في اذهاننا في حالة الفن الردىء اكثر منها في حالة الفن الجيد مالم نميز بعناية بين نواحي التوصيل ونواحي القيمة, حتى حينما تكون هذه النواحي مرتبطة معا, فقد يكون الفن ردينا احيانا لان التوصيل فيه ردىء اي لان الاداة فيه عاطلة, واحيانا اخرى يكون الفن رديئا لان التجربة التي يسعى الى توصيلها عديمة القيمة, وفي بعض الاحيان يكون رديئا لهذين السببين معا, وربما كان من الافضل ان نقصر اسم الفن الردىء على تلك الحالات التي يتم فيها التوصيل الحق بدرجة كبيرة والتي يكون فيها الموضوع الموصل عديم القيمة, وان نسمي الحالات الاخرى فنا ناقصا, ولكن النقاد لا ينحون عادة هذا المنحى في كتاباتهم, وانما هم يطلقون عادة اسم الفن الردىء على كل عمل فني من شأنه ان يثير في نفوسهم تجربة مكدرة بغض النظر عما اذا كانت هذه التجربة تشبه التجربة التي ولدت هذا العمل) . ظل صاحبي منصتا يتأمل في معاني جمل ريتشاردز وانا اقرأها عليه بلغة محمد مصطفى بدوي الرائقة, وكنا واقفين تحت شجرة ظليلة, في مواجهة تمثال يرمز الى جامعة القاهرة, على قاعدته رموز كلياتها المختلفة, وبعد هدأة تأمل عميق, لم اقطعها بالكلام, تنهد صاحبي, وقال: هذه افكار لاتزال صالحة الى اليوم, ولعلنا احوج منها اليوم الى ما كان عليه الحال في العشرينيات عندما اصدر ريتشاردز كتابه, او الستينات عندما اصدر محمد بدوي ترجمته التي راجعها استاذنا لويس عوض, قلت لصاحبي: معك حق, واول ما يشدني الى كلام ريتشاردز هو ابرازه صعوبة التفكير في الرداءة على هذا النحو, وهو ابراز يمكن ان نضيف اليه ان اجهزة الاستقبال العقلي فينا تعودت على تحليل ما تستجيب اليه بالايجاب, وترفض رفضا تلقائيا ما يقع في دائرة السلب, مطرحة اياه لحكمها الفوري عليه, وذلك من غير تحليل متأن لاسباب الرداءة. فمن ذا الذي يشغل نفسه بالتوقف عند كتاب ردىء ليستبدل الكتابة عنه بالكتاب عن كتاب جيد؟ ومن ذا الذي يتوقف عند قصيدة رديئة كي يحللها تحليلا مثل ذلك الذي يلمح اليه ريتشاردز؟ ومن الذي يتوقف عند فكرة الرداءة نفسها ليحللها تحليلا فلسفيا؟ واعتقد ان اهمية كلام ريتشاردز انه ينقض التراتب المعهود في مقاربات النقاد, ويبرز اهمية ما لم يكن بارزا, كما لو كان يقوم بعملية اطراح الالفة عن المفاهيم المألوفة بما يضع الفتها نفسها موضع المساءلة, وطبعا, يمكن ان ننقل كلام ريتشاردز عن الشعر إلى غيره من انواع الفن واجناس الادب, ولم يختلف معي صاحبي هذه المرة, بل وافقني قائلا: وبالقدر نفسه, يمكن ان ننقل الفكرة إلى الفلسفة التي لم يهتم علماء الجمال فيها اهتماما كافيا بدراسة نقيض الجمال, صحيح انهم درسوا القبيح بوصفه الوجه الاخر من الجمالي, وكان القبح موجودا بمعنى أو آخر في تحديدهم الجمال, على الاقل بطريقتك التراثية في الاشارة إلى ان الحسن يظهر حسنه الضد, ولكن مع ذلك لم يتوقفوا عند القبح في ذاته ولذاته, الا ترى اننا نتذكر بسهولة بالغة عناوين كتب كثيرة لفلاسفة الفن تحمل عنوان (الجمال) أو (الجمالي) أو (الجميل) , ونتحدث عن علم للجمال أو الاسطيقا, ولا نتحدث عن مبحث للرداءة أو القبح في ذاته, وفي مقابل ذلك, يصعب ــ إن لم يكن من المستحيل ــ ان نتذكر كتابا يحمل عنوان (القبح) أو (القبيح) أو (الرداءة) و(الردىء) في اي شي مع انه ما اكثر القبيح والردىء ناهيك عن الرداءة حولنا.