زمان, في المرابع الشعبية التي نشأنا في كنفها, كنا نحسد موظفي حكومتنا الرشيدة كلما هلت علينا تباشير العيد وضمير نحن يعود الينا معشر الاطفال في الحي الشعبي من عباد الله المنتظرين بلهفة شديدة وشوق مدنف وعميد تسلّم مبالغ العيدية من ايدي الكبار سواء كانوا اهل بيوتنا او كانوا من الزائرين . الموظفون وحدهم كانوا يتعاملون في العيد باوراق نقدية جديدة البخ كما يقول التعبير القديم واظنه مأخوذا من التركية.. وسواء كانت العملة المختومة من فئة الخمسة قروش أو العشرة قروش ناهيك عن الربع جنيه الذي كان حد العيديه الاقصى أو سقف ائتمانها ان صح التعبير فقد كان لاوراق النقد الجديدة وقع السحر في ايام العيد.. لها حفيف غريب.. واستقامة مشهودة, بل كانت تنفث عطرا من نوع خاص أو هكذا يخيل الينا ونحن نمد اصابعنا الرفيعة الملهوفة نتلقى العيدية فيما كانت تجيش في النفس آمال كبار ووعود لاتحدها حدود وفي مقدمتها مزيد من زيارات الى عم احمد العجلاتي ودور الركوب بقرشين وهو عبارة عن لفة مختصرة بالبسكليت المتهالكه تدخل من شارع وتدور حول مجموعة بيوت ثم تعود من شارع آخر يوصلك بالحتم الى دكان العم احمد الذي لم تكن عيناه تغفلان عن متابعة الراكبين, فيما كان مساعده الاحول مشغولا بعمليات ديكور يتفنن من خلالها في تزيين العجلات.. فيرصع دواليبها المهترئة بما يقع تحت يده من اوراق ملونة او يضيف اليها مرآة صغيرة أو منفاخا تضغط سيادتك عليه فاذا به نفير له صوت غليظ منفّر حقا وان كان له وقع الموسيقى في بعض الاسماع. مستخدمو الميري وحدهم دون سواهم من عباد الله, سكان الحي المتواضع من تجار ومتكسبين وحرفيين ومن ومتسببين يستطيعون التفاهم مع خزينة المصلحة أو الوزارة التي يعملون فيها فاذا بهم يحصلون ــ بحظهم السعيد ـ على اوراق النقد الجديدة بكل جاذبيتها وطزاجتها ورشاقتها ورفعة قدرها اين هذا كله من قروش الفكة (الفراطة كما يقول أهل الشام أو الخردة كما يقول أهل الجزيرة مشيرين في هذا الصدد الى انها كثرة لا تغنى وزحمة لا تفيد ـ بل اين هذا ايضا من العملات المعدنية التي لابد وان يزورها البائع بيديه فيخضعها لتقييم وتقدير مجرب وخبير, دع عنك ان يجرب رنينها فوق طاولة من رخام فان لعلع صوتها فأنت باذن الله من الفائزين المشترين وان اختنق الايقاع فهي للاسف عملة زائفة, براني يردها اليك وفي عينيه نظرة متوجسة تكاد تتهمك بأنك قد صنعتها في دار سك للنقود تابعة لقطاعكم البيتي الخاص. ولأن التعامل, معدنيا كان أو ورقيا في عطايا العيد كان له سقفه المالي المحدود كما اسلفنا فلا يتعدى ورقة العشرة قروش, واحيانا ورقة ربع الجنيه هذا في حالة ان شرف البيت العامر زائر من النوع الاستثنائي الممتاز, فقد ظل الجنيه بجلالة قدره موضع احترام بالغ ومكانة محفوظة يشار اليها بكل توقير وما من طفل في ذلك الزمان استطاع ان يحقق ذلك الحلم الرائع, او الرقم القياسي فيحتكم طيلة ايام العيد على الجنيه تلك الورقة الساحرة الخضراء التي كنا نلمحها في أيادي ابائنا بين حين وحين ونحاول ان نقرأ ونفهم العبارة التي كانت تزين صفحتها: (اتعهد بدفع مبلغ مائة قرش لا غير لحامل هذا السند) التوقيع محافظ البنك الاهلي فلان الفلاني.. الخ. لاعجب ان كان للجنيه شأن أي شأن في حياة اهلنا في مصر.. فقد كان يشتري كميات لا بأس بها من السلع والخدمات.. وكم راعني وانا اقرأ حياة الشاعر حافظ ابراهيم ان (حافظ بيك) طلب تسوية حالته الوظيفية وكان ذلك في العقد الاول من هذا القرن وكان له ما أراد: احالوه الى التقاعد ورتبوا له معاشا شهريا بمبلغ اربعة جنيهات حتة واحدة, حيث كل جنيه منها ينطح الجنيه الآخر ليعيش عليها شاعر كبير طيلة ايام الشهر الثلاثين. ولا عجب ايضا ان تشهد السينما المصرية فيلما روائيا بعنوان (الجنيه المصري) او يقدم الممثل القديم المطبوع علي الكسار فيلما ما أعذب سذاجته وطرافته وخفة دمه, واتصور انه مازال صالحا للعرض في التلفزيون ـ وعنوان الفيلم هو سلفني ثلاثة جنيه) طبعا بكل ما يحفل به الفيلم من مغامرات وصراعات ومواعظ وكلها تدور حول قرض مهول بحجم ثلاثة جنيهات. صحيح ان الجنيه في مصر مازال أساس العملة الورقية المتداولة التي يمكن ان تشتري بها شيئا مذكورا, ولو كانت جريدة يومية أو اثنين من سندويتشات الفول او الفلافل من المحلات المعقولة وليس من بوتيكات الطعمية المعاصرة, لكن المشكلة هي تلك التحذيرات التي ما يفتأ يصدرها الاطباء المرشدون الصحيون في مصر بالذات من ان العملات الورقية المتداولة بين ايادي الناس باتت تشكل خطورة لأنها حاملة ميكروبات لتنقلها من يد الى يد مما يجدر معه غسل الايدي وتطهيرها بين حين وحين خلال عمليات الدفع والقبض وفيما بينها. وثمة تحذير آخر في غاية الخطورة والطرافة ايضا نشرته مؤخرا في اوسع الصحف الامريكية سيدة حاذقة لبيبة اسمها مسز (ايرا جلاسر) وقد شنعت الاسم بلقبها الوظيفي الفخيم الذي يصف المذكورة بانها المدير التنفيذي لاتحاد الحريات المدنية في الولايات المتحدة. ويبدأ الاعلان التحذيري بسؤال يقول: ــ هل تعرف ــ يا محترم ــ ان هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة بأن تصادر الحكومة النقود التي تحملها في جيبك وتكون المصادرة قانونية مشروعة وعال العال؟ ثم تتبرع المديرة التنفيذية بالاجابة قائلة: ــ لأن 75 في المائة من النقود الامريكية ملوثة بعقار الكوكايين (قاتله الله) ! والحاصل ان هناك من الدراسات ما اثبت ان اوراق النقد الامريكية المطروحة للتداول بين ايدي المواطنين تعلق بها آثار الكوكايين وبقاياه, حيث سبق ان تداولتها على نطاقات واسعة ايادي الجلابين والمهربين وتجار (الصنف) والموزعين والمتعاطين والمدمنين, ناهيك عن محترفي غسل الاموال من خلال طرحها للتداول في فترات السوق الشرعية الى ان تصل الى ايادي الناس الطيبين الابرياء مثلي ومثل جنابك فاذا بها وقد علقت بصفحتها بقايا الكوكايين وهو ما امكن اثباته وتجريمه في مختبرات الحكومات الفيدرالية والمحلية على السواء. ونقول تجريمه لأن الكونجرس اصدر قانوناً في عام 1984 اعطى بموجبه الحق للشرطة الامريكية في ان تصادر اي (اصول مالية لها علاقة بالمخدرات) على ان يظل للشرطة حق الاحتفاظ بها بل وانفاقها على مرافقها وخدماتها ولا بأس ان ينال رجال الشرطة فضل رذاذ عملا بحكاية السم وطباخيه. ثم تواصل السيدة الامريكية الحديث فتقول: ــ على هذا الاساس شمرت الشرطة الامريكية عن ساعديها ومضت لا تلوي على شيء فاستولت على سيارات وبيوت ومطاعم واموال سائلة بأحجام غير مسبوقة لانها بدعوى انها اصول مالية لها علاقة بالمخدرات ثم اودعت الاموال لحساب الشرطة في (صندوق المصادرات) الذي اصبح الآن يضم ــ وسبحان العاطي ــ مبلغ 7.2 مليار دولار وبعض هذه الاموال كان عبارة عن اوراق نقدية تداولها ابرياء بغير سوابق وبصفحات بيضاء ولم يسبق لهم التعامل مع الشرطة ولا خرقوا القوانين. وقد بلغ امر هذه المصادرات التي لم تخضع لمساءلة المحاكم الى حد ان قال واحد من كبار المؤرخين ــ والعهدة على السيدة الامريكية في اعلانها المنشور ــ ان المسألة اضحت اشبه بمنح الحكومة الامريكية (تصريحا بالسرقة) من جيوب مواطنيها. ولا احد يعترض على مطاردة مهربي المخدرات ولكن هل كتب على المواطن الامريكي ان يحمل معه (ميكروسكوب) ويخضع كل مائة دولار تدخل حافظته لبحث مجهري فيتأكد من انها نظيفة ليشتري منها في السوبرماركت هذا والا خضعت للمصادرة على يد الشرطة الامريكية, الموقرة, فإن احتج صاحبها قالوا له: ــ احمد ربنا .. ان لم يقبض عليك بتهمة تهريب المخدرات عالقة آثارها بأوراق البنكنوت.