الذي لا شك فيه ان معظم الاعمال المسرحية للكاتب ابوب العلا السلاموني , منبعها التاريخ, والتراث, الشعبي والاسطورة, فمسرحية( الثأر ورحلة العذاب) تحكي مأساة الملك والشاعر الصعلوك امرىء القيس, اما (رجل في القلعه) فهى مكرسه لفترة حكم محمد علي, ومأساة الزعيم الشعبي عمر مكرم, الذي نفاه محمد علي عندما واجه استبداده, وعن ( الحملة الفرنسية في مصر) كتب السلاموني مسرحية (مآذن المحروسة) , واستلهم اسطورة (ليلة القدر) في مسرحية بنفس الاسم, كما تحتفي مسرحيتة (الحريق) بطقس شعبي في مدينة بورسعيد, حيث يقوم الناس يوم شم النسيم بحرق دمية تشبه الجنرال (اللينبى) احد قادة الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956, وهناك مسرحيات اخرى مثل (خالد بن الوليد) و (امير الحشاشين) و(ديوان البقر) وغيرها, فقد بلغت الاعمال المسرحية لابي العلا السلاموني 15 مسرحية, وقدمت معظمها في مصر, والكثير من الدول العربية.. ويحتفي مسرحه بالتراجيديا والاسقاط السياسي, فهو يلبس التراث الشعبي او التاريخي قضايا الواقع المعاصر, ويسقطه على الواقع, ومعظم ابطال السلاموني ابطال تراجيديون يسعون الى حتفهم, ويموتون نتيجة السقطه التراجيدية.. وفي هذا الحوار يضىء جوانب هامة من مسيرته المسرحية وقناعاته التى اختارها وعبر عنها في مسرحه. من خلال مسيرتك ككاتب مسرحى ومن خلال متابعتك لمسيرة المسرح العربى, هل تعتقد ان المسرح اصبح متأصلاً ومؤثراً في حياتنا؟. هذا السؤال يقتضي ان نعود الى البداية: فالادب المسرحي والمسرح عموماً ليس اصيلاً في تراثنا, ولا في ادبنا, ولا في ثقافتنا, وهناك دراسات كثيرة بحثت في اسباب غياب الفن المسرحي والتراجيديا بالذات في تراثنا الثقافي, وفي اعتقادى ان قضية تخلفنا كشرقيين, وكذلك التخلف المتأصل في حياتنا المعاصرة هو نتيجة طبيعية لاسباب عديدة من بينها عدم وجود مسرح في تراثنا, وهذا أدى الى تأصيل الاستبداد في المنطقة العربية التى لم تعرف المسرح, وبالتالى لم تعرف الحوار, والقضية التى تقابلها قضية, اخرى, ويحدث بينهما جدل على قدم المساواه, فالمسرح يعني الحوار وغياب المسرح يعنى تأجيل الرأى الواحد, وتأجيل الاستبداد فعصرنا كله قائم على الاحادية, وهيمنة الفكر الواحد, والرأى الواحد, الحاكم المستبد. من الواضح في معظم مسرحياتك انك تتوسل بالتراجيديا في زمن تتراجع فيه التراجيديا؟. التراجيديا لا يمكن ان تتراجع لا في المسرح ولا في الحياة, الشكل فقط هو الذي يتراجع, وهل تنكر ان حادثة ديانا والفايد حادثة تراجيدية؟ العالم كله كان يتابع هذه الحادثة, وكأنه يتابع عرضاً تراجيدياً اذن فالعالم ينظر الى التراجيديا وكأنها شىء له قيمة. قلت ان الذى تراجع في التراجيديا هو الشكل, ماذا تقصد؟. اقصد ان الشكل القديم للتراجيديا الاغريقية التى كتبها سوفوكليس لم يعد معقولاً, اى لم تعد التراجيديا القائمة فقط على صراع الاقدار معقولة في عصرنا (آرثر ميلر) على سبيل المثال لم يقدم التراجيديا بشكلها التقليدي, وانما قدمها في شكل حديث في مسرحية (موت بائع متجول) والسينما العالمية قدمت التراجيديا باشكال متعدده, ففيلم (تيتانيك) هو تراجيديا معاصرة, فيها صراع الاقدار ولكن بشكل معاصر جديد, وانا لا استطيع ان احدد شكلاً بعينه للتراجيديا المعاصرة, فهناك اشكال عديدة واذا اخذت على سبيل (اوبرا عايده) فهي عمل تراجيدي بدرجة سامية من المأساة, حيث يموت البطل والبطله, ومع ذلك فالعالم كله حتى الآن يقبل عليها, ويحتفى بها كتراجيديا. لماذا تلجأ الى مسرح الاسقاط السياسي الآن؟ هناك مسرحيات كثيرة لك مثل (الثأر ورحلة العذاب) عالجت فيها احداثاً تاريخية وشخصيات تاريخية مثل امرىء القيس بهدف الاسقاط على قضايا الحاضر؟. لا اريد ان اقول ان هذا قناع, وعندما كتبت مأساة إمرىء القيس في ( الثأر ورحلة العذاب) لم اكن اقصد ان اعطي قناعاً, ولماذا القناع؟ فقضية الصراع التى طرحت في المسرحية بين الفرس والروم كانت تدلك على الصراع بين روسيا وامريكا في وقتها, وكان الملك الصعلوك امرىء القيس يمثل مأساة الامة العربية في صراعها بين القوى الكبرى,فالقضية الفلسطينيه التي عاشتها الامة العربية في صراعها المرير بين القوى الكبرى, هى نفس المأساة التى حدثت لامرىء القيس في صراعة المرير بين الفرس والروم, وكانت المأساة انه لم يأخذ زمام المبادرة بيده ولجأ الى قوى كبرى, فترك المبادرة للآخرين من تتحكم في مصيره, ومأساة الامة العربية التى وضعت مقاديرها في ايدى الآخرين والمسرحية تقول اننا لسنا مرغمين على هذا الوضع, فنحن الذين سلمنا مقاديرنا للقوى الكبرى, وهذا ما يحدث الآن, وكوني قد وجدت لهذه القضية معادلاً موضوعيا في التاريخ فهذا ليس عيباً, بل هو اسلوب من اسالىب الفن المشروعة. لماذا يموت معظم ابطال مسرحياتك ميتة مأساوية؟. لانهم متخاذلون, لم يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم, الى جانب ان هناك قصورا في رؤيتهم, وهذا القصور هو سبب مأساتهم, فامرىء القيس في (الثأر ورحلة العذاب) نظرته القاصرة الى القضية جعلته يستعين بقوى اكبر منه رغم انه كان باستطاعته الاستعانه بالامكانيات الذاتية المتوفرة لديه, وكذلك عمر مكرم في مسرحيه ( رجل في القلعة) ومأساة (رجل في القلعة) هي مأساة الديمقراطية التى لم نمارسها بشكلها الطبيعى, والمحاولة التى استطاع بها عمر مكرم ان يحقق الديمقراطية باختيار محمد علي والىا على مصر, هذه التجربة لم تستمر, اقصر تجربة اختبار حاكم وفرض شروط الشعب عليه وجعله يسير على دستور محدد, وفشلت لان اصحاب القضية تخاذلوا عن نصرة عمر مكرم في مواجهة محمد علي عندما خرج على الدستور وعلى شروط الشعب, فكانت مأساة عمر مكرم الذي تم نفيه, وكانت ايضاً مأساة محمد علي الذي عزل نفسه عن القوى الشعبية, التي صعدته, ونصبته حاكما على مصر, فحينما واجه القوى الكبرى لم يجد القوى الشعبية الى جانبه, فكانت المأساة ورضخ محمد على للقوى الكبرى, لتفرض شروطها عليه وتحكمه. لماذا تلجأ للتوسل بالتراث الشعبى في مسرحك؟. لان وجدان الشعب المصري او العربي لم يتعود على المسرح الجاد, ولكنه تعود على الظواهر المسرحية البسيطة والمتواضعة لظروف تاريخية, وهو لم يتعود ان يجلس ليشاهد عرضا يناقش قضيه,ولكنه تعود ان يجلس ليسمع راوي الربابة وهو يحكي السيرة الهلالىة, او سيرة عنتره, وكذلك تعود الذكر والسامر الشعبي, ومادام المسرح وافداً جديداً على هذا الوجدان فلا بد من الوصول الىه من خلال هذه الظواهر التي تعود عليها سواء في السير الشعبية, او الاحتفالىات او المواد او حفلات السامر الشعبي. انت تعرف ان التراث ملىء بالعناصر الايجابية والعناصر السلبية, هل يفترض من الكاتب الذي يستلهم التراث ان يأخذه على علاته؟ لا بل يفترض في الكاتب ان يكون على قدر واسع من الثقافة بمعناها الشامل, مستوعباً لكل الافكار والنظريات الفكرية والفنية والفلسفية, حتى يكون رؤيته الخاصة حينما يستعد للكتابة, وحينما يتناول عملاً من اعمال تراث خصوصاً وان التراث ملىء بالشوائب والخرافات والافكار المتخلفة, فاذا لم يكن الكاتب على قدر من الثقافة الفائقة, فإنه يقع في اسار هذا التراث المتخلف. كيف تعاملت انت مع التراث؟. انا افرق بين نوعين من التراث: التراث الوجداني, والتراث الفكري, اما التراث الوجداني فلاغبار عليه, ولا خوف من تقديمه واستخدامه بأشكاله, حتى وان كانت اشكالاً بدائية, لكن التراث الفكري هو الذي يحتاج الى اعادة نظر, والى نقد وتمحيص وتفنيد, واستخلاص المفيد وترك ما لا جدوى منه, ولذلك اجدنى اهتم بالتراث الوجدانى لانه تراث يقرب المسافات بين الكاتب والجمهور: فلا مانع لدى من استخدام اشكال السير الشعبية, وفن المحبظاتيه (فنون الفرحة الشعبية) والاحتفالات والموالد, وهذه كلها اشكال وجدانية لاغبار عليها, اما الافكار, فلا استطيع ان استخدم افكاراً من العصور الوسطى واقدمها في العصر الحديث بحجة انها من التراث, ولا يجب ان استخدمها الا اذا كانت لها علاقة بالتقدم, فالتراث العقلاني لا مانع من استخدامه اما التراث الذي يوحي بالتخلف فلا معنى له. حوار ــ فتحي عامر