هذا الصباح وبينما كنت في طريقي الى مكتبي, تناهى الى مسمعي صوت شجي, طالما عشقته وأعجبت به, ولون من الغناء طالما تقت اليه, كان مصدر الصوت الفيروزي (صوت الموسيقى) وكانت فيروز تترنم بـ: (يا من يحن اليك فؤادي/ هل تذكرين زمان الوداد/ هل تذكرين نهار التقينا/ طاف الجمال على كل وادي) . انفكوا يتذكرون أيام تلك السنين, المتسمة بالبساطة والألفة, ايام كان (عظيم لواح) اللعبة التي نمارسها تحت ضوء القمر الساحر, وخاصة في ليالي الشهر الكريم شهر رمضان, حيث كنا نغني ونحن في غمرة الانبساط) عظيم لواح/ سرى سرى/ بط الجيمي واصعرا) , أيام كنا نتسابق مع الأحلام, ونجري مع الاماني الكبيرة, تحدونا الآمال العريضة بمستقبل مشرق وغد واعد. أيام كنا وكان الروض يجمعنا جمع الأزاهير في باحات بستان صوت الموسيقى انه صوت الذاكرة التي تدق في عالم النسيان, لتفتح عيون الغافين على حقيقة الحاضر المعاش بعلله وعلاته وماديته المقيتة, فتعيدهم الى أمسهم الدارس, حيث الأنس والدعة في ظل الألفة والوئام, قبل ان تستفحل ظاهرة السطحية, وتتمكن من النفوس علة الابتذال والتكلف, كل ذلك عبر أنغام وألحان متناهية الانسياب, بعيدة عن النشاز, لا تمل الاذن سماعها, تتسلل شفافيتها الى الوجدان, وتدخل في أعماق القلوب والأرواح, بعيدا عن ترهات النباح والعواء, سمة الحاضر, هذه السمة النشاز والتي أخذت تتحكم وتستحكم, لتشوه الذوق في عرض المجتمع العربي وطوله, بعد ان شوهته ألاعيب مصالح الكبار المغرورين بقوتهم. فيا ليت كل ايامنا (صوت الموسيقى), لأننا من خلاله سندرك مواطن الجمال, ونقف على أسرار الحسن, ونتحسس معنى الحياة الحقيقية, لا العبث الذي نعيشه, حيث اخفقنا في المشاركة الفاعلة في حضارة العصر, وحيث سبقتنا شعوب لم تحفل بها الحياة كما حفلت بنا في يوم من الأيام. (يامن يحن اليك فؤادي), أجل ان فؤادي وأفئدة الكثيرين من الطامحين ما برحت عطشى الى الخلاص من عتمة التهميش في حياة الموضوعية, الى حياة يسود فيها الرضا والاعتراف بأن العبثية تنتج الخراب والتدمير, أما الجد والموضوعية فانهما يؤديان حتما الى النتائج الباهرة, والعواقب المستحبة التي يتوق اليها الذهن المعافى, ويصبو اليها الفكر المستنير. فتحية حارة مصدرها الخافق لكل القائمين على هذا الصوت الشجي, الصوت الأصيل, وتحية أحر لمن أوحى بفكرتها وسبق اليها. قلت: ما هذا, اجابت: انه صوت الموسيقى

نغم سال على القلب شجيا ورقيقا

مذ بدا صار لأهل الذوق والحسن رفيقا

ياله من مؤنس ضيعه اليوم طريقا..!

رائع الحسن لطيف اللون كالنور المذاب

يتمناه الألى مالت بهم حمر الرضاب

حيث راحوا يسألون العمر عن سر الشباب

عن سويعات الهنا.. ولت كطيف من سراب

آه يا صوت الموسيقى كم من الآهات فينا

تتحدانا حياة تنشر اليأس علينا

قد تفادتنا كيانا وتناستنا يقينا

فبقينا في متاهات واهواء بقينا..!

نحن يا صوت الموسيقى لم نعد نهوى الجمالا

لم نعد نعشق.. حتى صار ماضينا خيالا

غربت أنواره والليل بالتعتيم طالا

فتوارينا حياء من سنا الشمس ظلالا

واكتفينا بالاساطير هموما مستحيلة

وتلهينا الى ان ضل حادينا سبيله

في يباب حيث لا مأوى ولا ظل حميله

أيها الهاتف بي روحا وحسا

بيدي خذ, حيث آمالي على الأفق تأسى

هي رؤيا لنهار فائق البهجة شمسا

قد دعاني فتخليت عن الحاضر رمسا

جئت من عمق تليدي تحمل الحلم العتيدا

تنشر البشر لحونا وتغنيه نشيدا

تزدهي الحيران حتى يتلقاك سعيدا

لابسا ثوب رجاء حافلا باليوم عيدا