يبدو ان الولوج الى عالم الصحافة هذه الأيام أصبح سهلاً ومقدورا عليه عند تجار البطاطا والفواكه والسمك (والبنجرجية) , ولا يتطلب دراسة أكاديمية تسرق سنوات العمر , أو شهادة خبرة تثبت ان الشخص المذكور حامل تلك الشهادة قد تمرس وذاق الأمرين في بلاط صاحبة الجلالة, فالطموح الذي كثيرا ما طوق رقبة الزملاء الصحافيين منذ ان كانوا على كراسي الدراسة الثانوية فالجامعية اصبح ذاك الطموح رماداً تذروه الرياح.. قد يتساءل البعض ونحن في زمن اللمسة السحرية.. لماذا؟ ـ ببساطة السؤال واعوجاج علامة الاستفهام التي تقف خلفه كشرطي مرور, نتلو الاجابة علناً وعلى رؤوس الأشهاد, فقد اتضح ان تجار سوق (الحراج) قاموا بطرق ابواب عالم الصحافة بكل ما يملكون من قوة وخبرة (حراجية) , وبالرغم من ان احدا لم يسمح لهم بالدخول من زملاء المهنة في هذا العالم المشحون المتلاطم, الا انهم اقتحموه عنوة وارتدوا عباءته وجلسوا على كرسيه وتحدثوا باسمه وباعوا واشتروا دون ان تنبس الشفاه بكلمة عتب أو لوم او حتى استنكار محموم! انظروا لسوق المجلات وراقبوا جيدا مادتها ومضمونها وأهدافها, وحتما ستستكشفون ان هؤلاء التجار الذين يملكون المادة ويملكون معها قدرات معينة حول كيفية زيادتها بمختلف الطرق, وجدوا ان خير وسيلة للتجارة والشهرة في نفس الوقت هي بيع الكلام وترويج البضاعة التي يريدونها, فظهرت الى الوجود مجلات عجيبة وغريبة واسماء لرؤساء تحرير لم نسمع عنهم حتى في الصحافة المدرسية.. والملاحظ ان هذه المجلات التي ولدت في زمن يسابق الزمن لم تستطع ان تثبت هويتها او ان تطرح منهجا يحوز رضا البعض, لأن من يديرها ويحركها يفقد الكثير من العناصر وأهمها الحس الصحفي الذي يولد لدى اشخاص معينين خلقوا ليقولوا الكلمة.. عموما لنبعد عن تلك الفوضى وذاك الضجيج الذي يتغنى به هؤلاء في ساحات اسواقهم المفتوحة, ولندخل فورا في هذه المساحة الجميلة, ودعوني بكل هدوء استدعي ذاكرة القلم, فربما يكون للحرف معنى في هذه الثرثرة الداخلية التي تعرينا احيانا أمام انفسنا. امسك بقلمه وبدأ من أول السطر محبرا... ماذا تقول عن الوسط الصحفي؟ أجاب, وأين هو هذا الوسط, ان الصحافة أصبحت وللأسف مهنة من لا يملك مهنة. وما رأيك في الوسط الثقافي والأدبي؟ ـ يبدو انه قليل أدب, نفاق وكذب وتجار شنطة! وماذا تقول في قصيدة النثر؟ ـ لا طعم ولا رائحة, نبحث عن القصيدة فلا نراها أو نحسها, ومن يتابعها يكتشف تشابه القصائد واختلاف كتابها.. لماذا تلاشى الكتاب وابتعد القراء عنه؟ ــ لأننا نعيش في زمن (الكمننا) واصبح الدش يلقف ما صنعوا, استلق على ظهرك وامسك بالريموت كونترول واستقبل العالم بالصيني والياباني والسنغالي والمليباري والاندونيسي, وحدث ولا حرج.. مئات القنوات الفضائية ترمي مليون كتاب وراء ظهرك. هل تقرأ المجلات؟ ـ كنت, أما اليوم فأصبحت المجلة كقصيدة النثر, سمك, لبن, تمر هندي! والحركة الشعرية ماذا تقول عنها؟ ـ عملوها شوربة! ماذا عن الشعراء الشباب؟ ــ مساكين راحت عليهم, فكل الأشياء أصبحت تدار بالريموت كونترول الا الشعر, واقترح ان يتجه هؤلاء الى عمل فيديو كليب شعري حتى نستطيع ان نطلق عليهم شعراء الفيديو كليب. وماذا عن الوسط الاعلامي بشكل عام؟ ـ افراده يلهثون خارج حدود المكان وبشكل أدق يحاولون ان يسابقوا ظلهم. من الكاتب الذي يعجبك وتهتم به؟ ـ بل قل من هي المذيعة التي تستهويني, وتجعلني متسمرا أمام الشاشة في زحمة الفضائيات وانظمة البث الرقمية والعادية. شباب اليوم كيف تصف تطلعاتهم؟ ــ مثيرون, أغلبهم ينظر تحت قدميه, ويسأل لماذا انهزمنا في كرة القدم؟ الحكمة التي ترددها دائما؟ ازرع جميلا ولو في غير موضعه فلا يضيع جميل أينما زرع وعالم السياسة؟ ـ أنا لا أكذب لكنني أتجمل. وأخيرا ماذا تقول؟ ــ أقول للاخوة الصحافيين الذين عانوا كثيرا ولم يجدوا تقديرا للعرق المتصبب من جباههم.. افترشوا أرض سوق السمك والخضار بالبطاطا والبصل و(الرويد) لعل وعسى ان تنالوا ما تصبون اليه بعد ان تبدلت الكراسي وأنا معكم!