اللفظ الذي اثير مؤخرا حول رسائل طه حسين واوراقه الخاصة, قضية بالغة الاهمية في حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية تتعلق بأوراق ورسائل ووثائق كبار الكتاب والمفكرين بل والسياسيين المصريين والعرب , فهذه الاوراق لاتجد غالبا من يعتني بها وعادة ما يعتبرها الورثة من ضمن الممتلكات الخاصة التي لايجب ان يراها احد غيرهم وكثيرا ما تتلف تلك الاوراق والوثائق والوقائع والحكايات كثيرة. في العام الماضي 1997 احتفلت وزارة الثقافة بمرور نصف قرن على وفاة الشيخ الاكبر مصطفى عبدالرازق الذي كان شيخا للازهر ووزيرا لعدة مرات وشقيقه علي عبدالرازق صديق طه حسين ود.هيكل لعب دورا ثقافيا وسياسيا بارزا في النصف الاول من هذا القرن, وكانت مفاجأة الاحتفال ان الشيخ ترك اوراقا ومذكرات تحدث فيها بصراحة عن احوال عصره ورموزه والكثير من القضايا التي لاتزال معلقة الى اليوم والمذكرات في بيته ولدى اسرته وقد اتيح لاحد الباحثين وهو يعد رسالة للدكتوراة عن الشيخ الاكبر ان يطلع عليها وهو د.علي عبدالفتاح المغربي الذي قال ان الاوراق بها معلومات واسرار مهمة وعرضت وزارة الثقافة من خلال امين عام المجلس الاعلى للثقافة د.جابر عصفور على الاسرة ممثلة في سالم مصطفى عبدالرازق تقديم تلك الاوراق للمجلس لكي يقوم احد الباحثين بتحقيقها على ان تنشرها وزارة الثقافة, مع حفظ كافة الحقوق المعنوية والمادية للاسرة, ورفض سالم وتعلل بأن الاوراق بها أسرار خاصة يمكن ان تسيىء للشيخ مصطفى وللاسرة فعرض د.عصفور ان تقوم الاسرة بحذف تلك الاسرار, فعاد سالم ليكرر ان تلك الاوراق ملكيتهم الخاصة ولن يطلعوا احدا عليها ولن يسمحوا بنشرها وانتهى التفاوض بين الطرفين عند هذا الحد, ومازالت اسرار واوراق الشيخ مصطفى عبدالرازق محجوبة الى اليوم! الامر يختلف بعض الشيء في حالة السيدة هدى شعراوي الملقبة (زعيمة النهضة النسائية) فهذه السيدة التي شاركت في ثورة 1919 واسست الاتحاد النسائي المصري وطالبت للمرأة بالكثير من الحقوق ولعبت ادوارا سياسية واجتماعية بارزة, وقبل وفاتها سنة 1949 كانت تملي مذكراتها على سكرتيرها الخاص عبدالحميد فهمي مرسي.. وبدأت المذكرات من لحظة ميلادها وحتى قبيل وفاتها واوصت هدى شعراوي ان تظل المذكرات في حوزة هذا السكرتير والا تؤول الى اسرتها من ضمن الميراث وفي سنة 1980 حين شعر عبد الحميد فهمي مرسي بدنو الاجل دفع بالمذكرات الى السيدة امينة السعيد رئيسة تحرير حواء لنشرها ونشرت بالفعل المذكرات حتى سنة 1932 ووقع خلاف بين عبد الحميد فهمي وامينة السعيد حول النشر, وقام الرجل بسحب المذكرات, دون ان ينشر الجزء الاخير والذي يشمل السنوات الملتهبة من هذه المذكرات حين صارت هدى شعراوي شخصية بارزة تناطح الوفد حينا والملك حينا اخر ومات السكرتير فآلت الاوراق الى ورثته وزوجته ترفض تماما ان ترى هذه المذكرات النور, لانها في النهاية (امرأة) ولايسعدها ان تشرك امرأة اخرى حتى لو كانت هدى شعراوي في زوجها, اما الرابح الاكبر فهو صاحب محل عاديات في وسط القاهرة ويعتبر تلك الاوراق من (العاديات) ومن ثم كل من يطلبها للاطلاع او للنشر يطلب منه مبلغا يليق بتلك (التحفة) التي آلت اليه اما باقي افراد اسرة هدى شعراوي فإنهم يتألمون في صمت فهم يتمنون ان تنشر المذكرات, ايا كان ماتحتويه ولكنهم لايملكون شيئا لان وصية هدى شعراوي واضحة! ولابد ان الحزن سيصيبنا وينتابنا حين نعلم ما وقع لاوراق احمد حسنين باشا. كان حسنين باشا رحالة متميزا في اوائل هذا القرن, ارتحل الى صحراء مصر الغربية والواحات واعد دراسات عنها لذلك ارتحل الى جنوب مصر ووصل الى اواسط افريقيا, ثم انتقل به الحال فيختاره الملك فؤاد الذي كان من هواة الارتحال ايضا احد المشرفين على ولده الوحيد الامير فاروق في لندن ولما صار فاروق ملكا اختار حسنين باشا رئيسا للديوان الملكي وكان سياسيا داهية تلاعب بكبار السياسيين وعشق المطربة اسمهان وعشقته الملكة نازلي والدة سيدة ومليكة وكان مثار الاحاديث في مصر كلها عاشقا ودونجوانا خطيرا فتنت به نازلي حتى تزوجها عرفيا, وسياسيا يتلاعب بقادة الاحزاب والباشوات وايضا الانجليز وباقي القصة معروف, وحدث ان قام طالب في قسم التاريخ باعداد رسالة علمية وكان هذا الطالب على صلة قرابة بأسرة حسنين, فوثقوا به واستقبلوه هو واستاذه د.رؤوف عباس وقبلوا ان يطلعوا على اوراقه في المنزل, يقول د. رؤوف (وجدت مكتبة ضخمة مرتبة جيدا وكان حسين باشا الذي رتبها, وتضم كل بطاقات الدعوة التي كانت تصله الى الحفلات العامة والخاصة, ووجدت انه يكتب على غلاف كل دعوة, انطباعات عن كل احتفال, والشخصيات التي رآها والتقاها هناك, والاحاديث التي دارت اثناءها وكان معنى هذا اننا بإزاء رجل اهتم بأن يدون كل كبيرة وصغيرة وادركت ان هناك اوراقا اخرى وكانت اسرته تتشكك في الوضع العام, فبعد وفاة حسنين في حادثة معروفة ذهب فاروق الى منزله وفتش خزانته الخاصة واخذ منها بعض الاوراق, وثيقة زواج حسنين من نازلي وغضبت عليهم مصر الملكية, وفي عصر ثورة 23 يوليو عوملوا على انهم من رموز العصر الملكي وهكذا قد تشككوا في الجميع وبعد محاولات عديدة عرفنا انهم جمعوا كل الاوراق ووضعوها في عدة جوالات واعطوها للسائق كي يحفظها في فيلا خاصة بهم بالاسكندرية فذهب رؤوف الى الاسكندرية والتقى بالسائق وفاجأه السائق بالحقيقة وهي انه وضع الجوالات بالجراج الخاص بالفيلا, ومع غسيل السيارة والجراج بالماء تقطعت الاوراق وتآكلت فاحدثت رائحة سيئة فقام بإحراقها ترى كم كانت تضم هذه الاوراق من معلومات ووثائق تاريخية بالغة الاهمية والخطورة! هناك مايخفف من كآبة تلك الصورة, وهي اوراق د. محمد حسين هيكل (باشا) رئيس حزب الاحرار الدستوريين والوزير في عدة وزارات ورئيس مجلس الشيوخ على عهد الملك فاروق ففي عام 1996 ـ شهر ديسمبر حلت الذكرى الاربعون لوفاته فكان ان ذهب بنجله المستشار احمد حسين هيكل بنفسه الى المجلس الاعلى للثقافة وسلم د.جابر عصفور جزءا كاملا من مذكرات والده لم يكن قد نشر, ويتعلق ببعثة د.هيكل وحياته في باريس, ورغم ان المذكرات تضم اشياء شديدة الخصوصية فإنه اصر على ان تنشر كاملة وبلا حذف, وبرر ذلك قائلا (والدي شخصية عامة, ومن ثم فإن اوراقه الخاصة تهم الدارسين والقراء وواجبي ان اتيحها لهم كما هي وبلا تدخل وايا كان الحكم الذي يرونه فيها, فهذا حقهم) . ولم يكتف المستشار احمد حسين هيكل بذلك ولكنه قدم الرسائل الخاصة بوالده الى مجلة (المصور) حيث نشرت بها وكذلك عدة مقالات لم تكن نشرت من قبل كتبها د.هيكل سنة 1956 قبل وفاته مباشرة! مافعله احمد هيكل كان تلقائيا... ولو لم يفعل لما علم احد بما لديه. الاوراق والرسائل الخاصة للكتاب والسياسيين بالغة الاهمية لانها كما يرى د.عبدالحميد ابراهيم الاستاذ بجامعة حلوان والذي يمتلك وثائق طه حسين تمثل نوعا من ادب الاعتراف بمعناه الحقيقي, وتقديم كبار الكتاب في حياتهم اليومية والجانب الانساني والشخصي لديهم بعكس مذكراتهم التي ينشرونها حيث يتجملون فيها, ويعلنون مايريدون له انه يعلن ويظهرون مايبغون اظهاره ويخفون ما لايحبون لاحد ان يراه ويعلمه لكن الرسائل الشخصية غير ذلك ولذا فنشرها عمل مهم. المعروف انه لايوجد في مصر قانون يلزم او يمنع احدا من نشر الاوراق الخاصة, هناك فقط قانون الوثائق الذي صدر سنة 1975 ويمنع المسؤولين السابقين من نشر وثائق رسمية حصلوا عليها فترة تواجدهم بمناصبهم. ويرى د.رؤوف عباس ان ورثة كبار الكتاب السياسيين يتخوفون من نشر الاوراق التي لديهم خشية ان تصيبهم بمكروه سياسي او غضب المسؤولين او ان يقاضيهم احد ممن تمسهم الاوراق. ويذهب د.يونان لبيب رزق ان مسألة نشر الاوراق الخاصة ترتبط بالوعي العام والانفتاح السياسي ولايمكن تنظيمها بقانون او قرار ولائحة, ففي اوروبا والولايات المتحدة لايوجد قانون ينظم هذه العملية, ولكن يمكن ان توضع بعض التقاليد المنظمة للعملية كأن يسلم الورثة الاوراق والمذكرات الى هيئة عامة كهيئة دار الكتب والوثائق القومية او المكتبة العامة بجامعة القاهرة على ان تكون هناك بعض التقاليد التي تحكم هذه العملية حيث تتوفر السرية والامانة التامة والاهم من ذلك الا تستخدم هذه الاوراق ضدهم او ضد الكاتب المتوفى. المعروف ان بعض السياسيين لجأوا في السنوات الاخيرة الى ايداع اوراقهم وتسليمها لبعض المراكز والجامعات الاجنبية خارج مصر, مثل د.بطرس غالي الذي سلم اوراقه الى احدى الجامعات بالولايات المتحدة واوصى ان تنشر بعد عشر سنوات من وفاته وقام هو بنشر مقتطفات منها في كتاب العام الماضي. القاهرة ــ البيان