لا شك ان المسؤولين عن التلفزيونات العربية عاشوا أياما عصيبة قبل رمضان حيث كان عليهم ان يتابعوا الاحداث المأساوية في العراق, وفي نفس الوقت لا يعرفون ماذا سيفعلون في برامج الشهر الكريم.صحيح ان السيد كلينتون كان قد وعد بإنهاء الضربة الموجهة للعراق قبل رمضان احتراما لمشاعر المسلمين كما قال , ولكن ذلك كان لا يعني في الواقع شيئا, فالرئيس الامريكي ليس من التقى والورع بحيث يراعي الشهر الكريم, ثم كيف يمكن تصديق رجل يحاكم رسميا الآن بتهمة الكذب على مواطنيه وعلى العدالة الامريكية. وبالفعل استمر ضرب العراق مع مقدم رمضان ولولا المعارضة العالمية ومشاعر الشارع العربي لما توقفت الضربة, ولما تنفس المسؤولون عن التلفزيونات الصعداء وهم يخرجون خرائط البرامج المعدة من مكاتبهم, لنجد انفسنا محاصرين بفيضان من المسلسلات والبرامج ولتسكت حرب الصواريخ لتبدأ حرب الفوازير بين التلفزيونات العربية. وحرب الفوازير لا تبدأ فجأة مع ثبوت هلال رمضان, وانما تسبقها شهور طويلة من المناورات والتكتيكات والاجتماعات على أعلى المستويات, والقتال بين النجمات لكسب المعركة والحصول على بطولة الفوازير التي ترصد لها كل الامكانيات وتوضع تحت امرها كل الكفاءات, وتوضع على الشاشة الصغيرة في احسن اوقات المشاهدة وتدخل كل بيت في الوطن العربي. وقد بدأت حكاية فوازير رمضان قبل ما يقرب من اربعين عاما حين كتب الشاعر العظيم بيرم التونسي فوازير بسيطة للاذاعة المصرية كانت تلقيها الاذاعية آمال فهمي التي مازالت تقدم الفوازير للاذاعة في كل عام حتى الآن فقد رحل التونسي فكتبها الشاعر الجميل صلاح جاهين وبعدها كتبها ومازال بعض انصاف الشعراء وارباع الموهوبين. لكن ظهور التلفزيون احدث انقلابا في الفوازير التي ظهرت على الشاشة الصغيرة كمادة فكاهية في البداية وكان اول نجوم الفوازير في التلفزيون هم ثلاثي اضواء المسرح الذي بقي منه على المسرح حتى الآن الكوميدي سمير غانم بينما رحل زميله الضيف احمد وهو في عز شبابه ويرقد العضو الثالث جورج سيدهم في المستشفى مشلولا, وقدم الثلاثي الفوازير لسنوات عديدة وبعضها كان خفيف الظل للغاية رغم قلة الامكانيات. ثم كان الانقلاب مع دخول التلفزيون الملون, فتحولت الفوازير لتصبح استعراضية ولتصبح انتاجا ضخما تنفق عليه الملايين وتصبح النجمة الاستعراضية هي بطلة الفوازير وانتهى الامر بانقسام الامة الى حزبين رئيسيين... حزب نيللي وحزب شريهان! وكعادتنا في كل نزاع صغير او كبير فشلت كل جهود المصالحة بين الحزبين حتى اعتزلت نيللي بحكم السن واعتزلت شريهان بحكم الشبع المالي والعاطفي بعد ان ورثت وتزوجت وانجبت وتفرغت للاحاديث الصحفية. وبعد ان فشلت محاولات الاحلال والاستبدال... من لوسي الى سمير صبري جاءت الصغيرة نادين لتحل المشكلة او هكذا قيل وان كان الحكم ما زال مبكرا, فالناس تتفرج هذا العام وفي الجو غيم ــ على رأي عبدالوهاب ــ وفيه صواريخ وطائرات ومدن تتهدم وضحايا اعزاء يسقطون. واذا كانت (الفوازير) قد عجزت حتى الآن عن تبديد هذه الحالة فإن المسلسلات قد زادت الجميع اكتئابا فالمط والتطويل والرغي بلا مبرر هو السمة الاساسية وحكاية (الطرابيش) التي سيطرت على الشاشة الصغيرة في العام الماضي مازالت تسيطر, فمعظم المسلسلات تجري في الثلاثينات والاربعينات والممثلون هم الممثلون... يطالعونك في كل المسلسلات واحتار المتفرج كيف يتابع هذا الكم من المسلسلات وكيف يفرق بينها وارتفع شعار (كله على كله) ليكون هو طابع الدراما ــ اذا كانت هذه هي الدراما ــ في رمضان. ورحم الله ايام (الشهد والدموع) و(ليالي الحلمية) و(الهجان) وغيرها من الروائع التي حبست المشاهدين في بيوتهم بعد الافطار. لكن ذلك كله يهون امام سيل البرامج التافهة التي تحاصرك في الاذاعة وفي التلفزيون بكل محطاته الارضية والفضائية, والغريب انهم يعتبرونها برامج ترفيهية... دون ان نعرف اي ترفيه في ان نعرف فلانا يحب الملوخية او ان الفنانة اللهلوبة تعترف لاول مرة باخطائها التي تقولها بعد طول تمنع لتعرف ان هذه (الاخطاء) هي... طيبة القلب وعدم الاساءة الى احد وقول الصدق في كل زمان ومكان! وليست المشكلة هنا في المذيعين والمذيعات من اصحاب هذه البرامج, ولكن المشكلة في الضيوف الذين يقبلون الظهور في هذه البرامج, ويجيبون على مثل هذه الاسئلة, ويشاركون في هذه المهزلة كل عام دون ان يتعظوا ودون ان يخجلوا! ومنذ ايام فقط شاهدت على التلفزيون فتحا جديدا مذيعة شهيرة تقدم برنامجا من هذه البرامج تستضيف بعض الاسماء المعروفة في الفن والادب والعلم والطب امسكت بالميكروفون وتقدمت الى احد الضيوف وهو شخصية عامة معروفة وضيف دائم في برامج التلفزيون ــ لتقول له: وما دمت معانا الليلة دي... ايه الموضوع اللي تحب تتكلم فيه؟ ولم يرتبك الرجل او يتلعثم بل كان جاهزا فبدأ الحديث على الفور وبخبرة عشرين عاما في الظهور في مثل هذه البرامج, ولم يتوقف الا عندما اوقفته المذيعة التي اشك كثيرا انها سمعت ما قاله, او اذا سمعت فإنها بالتأكيد لم تفهمه, ومع ذلك اوقفت الرجل قائلة: صقفة كبيرة للدكتور على المعلومات الجميلة التي قالها لنا. ومر الامر بهدوء رغم انه فتح جديد في التلفزيون العربي, ليس بسب ان المذيعة لم تكن تعرف موضوعا تتحدث فيه... فهذا اصبح عاديا وانما لاننا للمرة الاولى نجد الضيف يسأل نفسه ويجيب. وقد تعودنا على العكس حيث المذيع يسأل ولا يترك الضيف يجيب بل يتولى المهمة كاملة... على طريقة: ما رأي سيادتك في المشاريع العظيمة التي تقوم بها الحكومة؟ اظن انها ترسم مستقبلا جديدا وتجعلنا ندخل القرن الواحد والعشرين ونحن مستعدون تماما ولا ايه رأي سيادتك؟ ويسرع الضيف قائلا: طبعا... طبعا, لكن ما أريد ان اقوله... وقبل ان يكمل الجملة يحس المذيع بالخطر فيعاجله على الفور: نحن نشكر سيادتك على آرائك الرائعة وتقييمك الموضوعي وتحب سيادتك تسمع اغنية ايه؟ ويرد الرجل مستسلما: اسمع (بالاحضان) لعبدالحليم حافظ. وينفعل المذيع: هايل يا افندم. فهذا هو الشعور الذي يجب ان يسود الجميع... شعور المحبة ونحن نبني الوطن. ودلوقت سنستمع للاغنية الجميلة. وبدلا من ان تأتيك الاغنية الجميلة, تفاجأ بمطرب آخر يصيح في وجهك, افرض مثلا... مثلا يعني اني خاصمتك يوم !! الآن, لدينا اسلوب جديد يسأل فيه الضيف نفسه ثم يجيب. وهو امر نرجو ان يستمر حتى يتم الاستغناء عن معظم المذيعين والمذيعات وحتى يمتد من برامج التفاهة الى البرامج الجادة... ولو حدث هذا لكان نصرا ــ لو تعلمون ــ عظيماً. والى ان يتم ذلك علينا ان نتحمل كل هذا الكم من البرامج والمسلسلات والفوازير التي اصبحت تحاصرنا في كل رمضان حتى الصباح... باعتبار ان العمل مفسدة للصيام, وان الجدية مكروهة ان لم تكن حراما, وان التسالي هي الشيء الوحيد المباح في التلفزيون!! وكل عام وانتم بخير رغم الفوازير التي تداهمنا على التلفزيون بمختلف قنواته, والفوازير الاصعب التي تداهمنا خارج التلفزيون, وما اكثر الفوازير في حياتنا العربية, وما اعجزنا عن حلها!!