في مطلع اكتوبر سنة 1961 بدأت رحلتي اليومية الى جامعة القاهرة, من حيث كنت اقيم بالقرب من ميدان الجيزة , عبر طريق الجامعة الذي لا يزال يمر بمباني كلية الزراعة, ثم المدرسة السعيدية, ثم السور الخلفي لحديقة الحيوان, الى البوابة الحديدية الضخمة التي لا تزال مشرعة كالوعد منذ ذلك الزمان, في مواجهة النصب التذكاري لشهداء طلاب الجامعة من رموز النضال الوطني ضد القصر والاستعمار, وقد تعودنا المرور كل يوم تحت هذه البوابة, كما لو كنا ننتقل من عالم الى عالم, لنتوجه صوب اليمين الى مبنى كلية الآداب التي لم افارقها الى اليوم. وكنت اقطع الرحلة الصباحية اليومية سيراً على الاقدام من الجيزة الى الجامعة, ومن الجامعة الى الجيزة حسب موعد انتهاء المحاضرات, وظللت محافظاً على تقاليد هذه الرحلة الرياضية التي كان مبعثها ضيق ذات اليد, في البداية, الى ان تخرجت من الجامعة واصبحت معيداً بالكلية التي حلمت ان اكون استاذاً بها من قبل ان اعرف مكانها. ولم تنقطع هذه الرحلة الصباحية الا بعد ان فتح الله علي بالتخرج والعمل والزواج المبكر, ومن ثم ضرورة الانتقال من الحجرة الصغيرة التي كنت اسكنها بمنزل عتيق, في احدى حواري الجيزة, الى منطقة الهرم النائية التي كانت لا تزال تغري الباحثين عن الهدوء بالسكن المعقول لمحدودي الدخل من امثالي في ذلك الحين. وكانت فرحتي بكوني طالباً في كلية الآداب لا يعادلها سوى فخري بتاريخ هذه الكلية التي انتسب اليها, والتي تتصدر الحرم الجامعي في مواجهة زميلتها كلية الحقوق, كما لو كانت الكليتان معاً أسدي كوبري قصر النيل الرابضين على مدخل الكوبري كأنهما علامة العبور وبشارته وشارته, ولا غرابة في التشبيه, فتاريخ الجامعة المصرية هو تاريخ يبدأ بهاتين الكليتين بأكثر من معنى, ومن يتحدث عن تاريخ كلية الحقوق التي سبقت الآداب, في الوجود والتأثير معاً, يتحدث عن مؤسسي الجامعة والدعاة الأوائل الى انشائها, من امثال مصطفى كامل وقاسم امين وسعد زغلول واحمد لطفي السيد الذين تخرجوا من مدرسة الحقوق العالية, وظلوا يعملون بلا كلل او ملل, الى ان حققوا الحلم وتأسست الجامعة التي بدأت عملها في نهاية ديسمبر من سنة 1908 بعد وفاة كل من مصطفى كامل وقاسم أمين بأشهر معدودة, واذا كانت مدرسة الحقوق العالية التي سبقت الجامعة في الانشاء قد اخرجت من ابنائها من سعوا بحلم الجامعة الى التحقيق, وكانوا رواد الحلم ورواد التأسيس معاً, فإن كلية الآداب كانت الكلية الأولى الجديدة التي تأسست مع الجامعة, والتي ارتبطت بالجامعة الجديدة, واصبحت علامة عليها, كما ارتبطت بها الجامعة الجديدة التي جعلت من حضورها الواعد رمزاً, ومن خريجيها طليعة التجديد في الأدب والثقافة بوجه عام, ولذلك لم تنقض اشهر قليل على عمل كلية الآداب إلا وكانت دروسها موضع اهتمام الرأي العام. ولم تنقض سنوات معدودة الا وكانت هذه الكلية تمنح درجة الدكتوراه الأولى في الآداب للشيخ الذي سرعان ما اصبح افندياً, اعني طه حسين الذي كان طليعة خريجي الآداب في التصدي للتقاليد الجامدة وتأسيس مشروع المستقبل للثقافة في مصر والأمة العربية. ولم يكن زهونا بكلية الآداب يرجع الى انها الكلية الجامعية الأولى فحسب, بل كنا نضيف الى ذلك انها الكلية التي اسهمت اسهاماً جذرياً في حركة تحرير المرأة, وذلك منذ ان فتحت ابوابها للمرأة كي تتعلم بشكل غير رسمي في البداية, ودعت المحاضرات لالقاء الدروس العامة, وقاومت العناصر الرجعية في المجتمع الى ان فتحت ابوابها لتعليم البنات بشكل رسمي, فاتحة الباب لنصف المجتمع كي ينال حقه في التعليم المدني الذي لا يمايز بين ابناء الوطن وبناته, وكما منحت الكلية درجة الدكتوراه الأولى في الآداب لطه حسين الذي تخرج من قسم اللغة العربية, وكان بداية حركة التجديد الأدبي الجذري, منحت الكلية درجة الدكتوراه الأولى في الآداب لسهير القلماوي التي كانت المرأة العربية الأولى التي تحصل على هذه الدرجة من جامعة القاهرة. ولذلك لم نكن نستغرب الدور الذي قامت به كلية الآداب في الحياة الثقافية والاجتماعية سواء من حيث كونها طليعة الحداثة الفكرية او الحداثة الادبية, وكنا نفخر انها الكلية التي ارتبطت بأعنف الازمات السياسية التي حدثت بسبب حرية الفكر بالجامعة, وذلك منذ ان هبت العاصفة الاولى على طه حسين بعد نشره اطروحته للدكتوراه عن (تجديد ذكرى ابي العلاء) سنة ,1915 بعد عام واحد من اجازة الاطروحة, وهي العاصفة التي تكررت بأشكال متباينة, سواء مع رسالة منصور فهمي, عن (المرأة في الاسلام) التي جاء بها من السوربون, او مع كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي) سنة 1926 الذي كان اكبر اختبار للجامعة في تاريخها الغض, والصدام الذي شمل البرلمان والصحافة والرأي العام, وكاد يطيح بالجامعة الفتية لولا صلابة عود القائمين عليها, وايمان رجال من امثال احمد لطفي السيد وعبدالخالق ثروت وعدلي يكن وسعد زغلول وعلي الشمس باستقلال الجامعة, ولولا رئيس نيابة مستنير اسمه محمد نور آمن بحرية الفكر وكرامة العلماء. وبقدر ما كانت كلية الحقوق كلية اعداد كبار المحامين والقضاة والوزراء ورؤساء الوزراء, باختصار كلية الحكام, كانت كلية الآداب كلية الفكر والفنون التي تقود الحياة الثقافية والابداعية, بعيدا عن سطوة الحكم وغواية السلطة, وبواسطة القلم الذي كانت تغوينا تقاليده في الكتابة, وتدفعنا الى ان نمضي في الطريق نفسه الذي مضى فيه طه حسين واحمد امين وعثمان امين وزكي نجيب محمود وسهير القلماوي وعائشة عبدالرحمن (بنت الشاطىء) وامينة السعيد ومحمود امين العالم ومصطفى سويف وشوقي ضيف ولويس عوض ومحمد مندور وشكري عياد, ناهيك عن نجيب محفوظ وصلاح عبدالصبور وأمثالهما من المبدعين, ولذلك عرف أمثالي كلية الآداب الرمز والمعنى قبل ان يعرفوا الطريق اليها, فقد كنا نقرأ لاساتذتها في (الشعب) و(الجمهورية) وهما الجريدتان اللتان انشأتهما الثورة, وسرعان ما توقفت الأولى وبقيت الثانية تتصدرها مقالات طه حسين ولويس عوض وسهير القلماوي وعبدالحميد يونس وغيرهم, مقابل (الاخبار) التي كان يتصدرها العقاد بجوار سلامة موسى, في موازاة (الاهرام) التي اخذت تجذبنا بعد ان انتقل اليها لويس عوض وأخذ ينشر في الملحق الادبي الذي يشرف عليه روايات نجيب محفوظ وقصائد صلاح عبدالصبور وغيرهما من الذين كنا نزهو بوصفهم ابناء كليتنا. ويبدو ان زهونا كان يغيظ غيرنا من طلاب الكليات الاخرى, وبخاصة طلاب كلية الحقوق التي كان لها (كافتيريا) تشبه (الكافتيريا) الموجودة في دائرة كليتنا, فكانوا يتنابذون وايانا حول اهمية كليتهم وأهمية كليتنا, كما كان نناجزهم بالكلمات والمنظومات (الحلمنتيشية طبعاً) في فضائل كليتنا ومفاخرها التي نزهو بها عليهم في حماسة الشباب الباكر الذي يخلط الجد بالهزل, وكانت ساحة المناجزة والمنابذة هي (كافتيريا) كليتنا نحن التي كان يأتيها الطلاب من كل كلية, وكانت تقع وراء مكتبة الجامعة التي عرفت منها طريق (الكافتيريا) اذ كنت اتردد على الكافتيريا كلما شعرت بالجوع او الارهاق من كثرة القراءة, او المذاكرة, فأترك الكتب مكانها على منضدة قاعة الدراسات الشرقية التي كانت تطل على الكافتيريا مباشرة, وتصلها اصواتها العالية, واجلس مع اقراني من مختلف الاقطار العربية, نهزل ونجد, نأكل ونتناقش, ونتعارك حول قضايا كثيرة كانت ــ ولا تزال ــ تشغلنا وتؤرقنا, مطلقين العنان لأحلامنا في زمن قومي واعد بتحقيق كل الأماني والرغبات. وكانت كافتيريا الآداب جامعة حرة مفتوحة موازية للجامعة الرسمية التي انتسب اليها, تجمع بين طلاب الآداب الانجليزية والفرنسية والعربية واللغات الشرقية والاوروبية القديمة, وطلاب الفلسفة والاجتماع والتاريخ والمكتبات والجغرافيا, وتضم الى هؤلاء خليطا يأتي اليها من الكليات الاخرى, الحقوق والعلوم والتجارة ودار العلوم والزراعة, ناهيك عن الخريجين الذين لم يبعد بهم العهد فظلوا على علاقتهم بزملائهم وزميلاتهم يأتون الينا مزودين بأخبار الحياة العلمية, والثقافية, ويلقون على أسماعنا بما كنا لا نعرفه من أخبار الحياة السياسية وصراعاتها, ويتطلعون الى اوجه الفتيات في لهفة باحثين عن زوجة للمستقبل. ولم يكن المزيج الغريب غير المتجانس من اصواتنا العالية يكشف عن تلهب افئدتنا وتوقد مشاعرنا فحسب, بل كان يكشف بالقدر نفسه عن تنوع لهجاتنا العربية وأصولنا القطرية وانتماءاتنا الفكرية, فالنبرة السودانية موجودة في موازاة اللهجة العراقية والسورية والفلسطينية والاردنية والخليجية والمغربية والتونسية والليبية, ولأن المشاعر القومية كانت متوهجة في ذلك الزمان, خصوصاً بعد سلسلة من الانتصارات القومية التي وصلت ذروتها في حرب السويس, وظلت واعدة بأحلام الوحدة والحرية والاشتراكية, كانت الحوارات تجمع ما بين البعثيين والناصريين والاشتراكيين والديمقراطيين والماركسيين في نقاشات صاخبة, تبعث عليها الاحداث القومية المتسارعة كل يوم, فقد كنا نحيا ايامها زمن الوعود التي بدت على وشك التحقق. ولكن لم يكن النقاش سياسياً طوال الوقت, فقد كانت السياسة تختلط بالثقافة, والطموحات العلمية الكبيرة تتداخل مع احلام الحب والزواج وأذكر اننا كنا ندخل في الهزل من باب معايرتنا من ابناء الكليات الاخرى بأننا أبناء (كلية فاطمة) وأننا لذلك ابناء الكلية التي تضم البنات الجميلات اللائي يأتي اليهن الطلاب من كل كلية اخرى ليتمتعوا بقربهن والحديث اليهن, وربما الصداقة فالخطبة فالزواج. وكنا نحن, ابناء كلية الآداب الجدد, نتلفت حولنا, فإذا بطلاب الكليات الاخرى يزاحموننا فعلاً في الكافتيريا الخاصة بنا, ويسعون الى الحديث مع بنات كليتنا اللاتي تصورنا انفسنا اوصياء عليهن, وما اكثر المشاجرات والاشتباكات الكلامية التي كانت تحدث بسبب ذلك, وكنا ننتصر احياناً, وننهزم احياناً اخرى, لكن ظلت مسألة (كلية فاطمة) هذه تؤرقنا الى ان عرفنا من هي (فاطمة) التي اصبح اسمها ــ بعد ان عرفناه ــ موضع فخر آخر بكليتنا العزيزة التي اصبحنا نفخر بأنها كلية فاطمة.