على مدى اكثر من عامين, ظل د. صلاح القصب, يعمل باتجاه اخراج مسرحية تشيكوف: (الشقيقات الثلاث) برؤية جديدة . ومع ان وثيق الصلة بمسرح تشيكوف, حيث قدم له من قبل ثلاث مسرحيات هي: (بستان الكرز) و(طائر البحر) و(الخال فانيا) , فأنه في العمل الرابع لتشيكوف يبدو أكثر أناة ومراجعة ومحاولة حيّة في السعي الى الاكتشاف. ومع ان (الشقيات الثلاث) قد تم عرضها اكثر من مرة, آخرها من اخراج: مهند طابور (في معهد الفنون الجميلة) بغداد 1986, الا ان د. القصب يقبل على هذا النص بأناة معهودة فيه, متأصلة به. كذلك يجد (القصب في المسرح التشيكوفي موقعا اثيرا لتجاربه في رسم الحركة المسرحية المصورة التي عرف بها واخلص بها وباتت تشكل نهجا متميزا في مسيرة المسرح العراقي سواء إتفقنا أو اختلفنا معه في هذا الاتجاه, المهم في الامر هو ان صلاح القصب استطاع ان يشق لنفسه طريقا لم يسبقه اليه احد من الرواد والمجابلين له وان كان هذا الاتجاه الصوري في المسرح العالمي موجود وله ملامحه الخاصة وقيمه وأسسه وعوالمه التي ينطلق ويعبر عنها. والقصب يجد في نص تشيكوف ضالته أو نشيده. ضالته في التيه الغريب الذي يعصف بالحياة وفهم المسرح معا, ونشيده في الخروج من مأزق كون مأزوم, مدمر ومشحون بالتمزقات والانكسارات فلا يجد المبدع من سبيل سوى تقديم صرخة نحس بوجعها وأساها الجاد من خلال ثلاث شقيقات تمزقهن الوحدة والحزن والضغوط التي تخنق اصواتهن وتهمد وجودهن. ومع ادراكنا ان مسرح تشيكوف يقدم فعلا دراميا تقليديا ولا بطولات فردية ولا يصور واقعا خارجيا, انما يسعى لتقديم البؤرة الداخلية لعدة شخصيات, لها وجودها مع سواها, الى جانب اشكالاتها مع ذواتها.. فأننا الى جانب ذلك نتبين طبيعة السعي الحثيث الذي يتقدم به تشيكوف وهو يقدم دواخل كل شخصية ضمن صلتها بالآخرين. وصلاح القصب اذ يفهم طبيعة المجسات التي يعمل عليها مسرح تشيكوف فانه تعمد عن عمد وضمن افق مفتوح لتقديم حضور بيئي (مكاني, من شأنه ان يسهم مساهمة فعالة في تحقيق انعكاساته على حياة وطبيعة تفكير الآخرين, الشقيقات الثلاث, وإذا كان تشيكوف قد اختار (البهو) مكانا لتقديم شخصيات مسرحيته, فأن القصب اختار الصحراء لتقديم تلك الشخصيات. ويبدو لنا هذا الاختيار سليما وموفقا, بدليل انعكاسات جفاف الصحراء على جفاف الشخصيات وعلاقاتها مع ذاتها ومع سواها ومع العالم كله. أفق الصحراء, أفق مفتوح.. لكنه مفتوح على جفاف وسراب وظمأ لا يرتوي أبدا, على قسوة وعزلة, على حياة منطفئة.. لذلك يجيء النداء الصارم: (لماذا نعيش, لماذا نتعذب, لو استطعنا ان نعرف؟) نداء منطقيا مأزوما ضمن ظرف قاس يحيط بالشخصيات.. لذلك تجمع اصواتها المتسائلة والحائرة والنابهة.. والتي يشكل تجمعها تأثيرا مباشرا على المتفرج وتنبهه وتستنطقه كذلك. وضمن هذه الحياة القاسية, ثمة (ديكورات) تزين هذه القسوة. كأن تكون هناك أجهزة اطفاء.. او مكواة ملابس, او احذية مطاطية طويلة.. مما يعبر عن لا معقولية الحياة المعاشة, ولا منطقية وجودنا فيها من هنا نبين ان كافة المعدات الموجودة في الفضاء المسرحي. ليست الا عبثا قصديا, لا عبثا خلوا من النظام والاجتهاد والدراية. كما ان الخلفية التي يمكن ان ننظر اليها كشاشة تعكس دواخل الشخصيات.. تشكل بمجموعها قوة تعبيرية جديدة, تحتاج من المتفرج الى ايقاظ ذهنية كسولة اعتاد عليها ضمن مشاهدته لكثرة من العروض الكسولة المسترخية التي تحيط به وتحدد أفقه وتعتم عليه مهمة ان يفكر بأفق متسع. ان الكون الذي عبر عنه صلاح القصب في (الشقيقات الثلاث) . كون لا حدود له.. مثل الصحراء التي تخرج من خارطة الازمنة والامكنة لتصبح كلا محاصرا وكلا ميتا.. كلا يسعى للخلاص من الحصار والموت الذي يحيط بنا من كل جانب. وإذا كان القصب قد جاء بلغة فرنسية كنائسية.. تبدو غريبة وغير معروفة لدى المتفرج العراقي, فانما يريد ان يقول بغربة هذه الطقوس وهذه اللغة الخطابية عن مجتمع يشهد حالة التدمير والخواء والجفاف, مجتمع يشهد عزلته وموته وسكون روحه.. ومن ثم ضمور الحياة عنده ان د. صلاح القصب عندما اختار الصحراء مكانا لتحريك شخصياته, استطاع الى جانب ذلك ان يقنعها بطبيعة التفكير الذي يشغل شخصياته.. فهي الى جانب ما يواجهه من قساوة الظروف المحيطة بها, فانها تواجه قوة تعمد الى كتم انفاس حية عن طريق منع حواسها, ثم الزامها بنمط محدد من التفكير / القراءة! ليذكرنا بأعمال الفنان التشكيلي العربي سامي محمد. هنا يكون اللامعقول معقولا في زمن صحراوي, وهنا يثقل الهم ليتحول الى موت كلي هو آخر معالم القتامة والسوداوية التي تنهي كل الاحياء لتحيا الصحراء وتظل مصيرها الموت! وفي اختيار المخرج للفنانة هنادي في تمكن من التنبيه الى موهبة متألقة احترمنا حضورها وقوتها التعبيرية التي تؤشر على إمكانات متينة ومتقنة.. الى فنانة معدة لمستقبل مشرق, نتفاءل لمسيرته المخلصة التي لم تنزلق حتى الان باتجاه المسرح الكسول والردىء. كذلك نشير الى مواهب طيبة امتلكتها عناصر موفقه من بينها: استبرق عزاوي, كواكب كاظم, باسل علي, احمد محمد علي, حمزة العلي, كذلك يحسن ان نشير الى سينوغرافيا: د. عباس علي جعفر فقد تلاءمت مع الخطة الاخراجية... واضفت عليها حسا من الألق المعبر, وجاءت اضاءة: زياد تركي ضمن الامكانات المتوفرة مؤدية لمتطلبات عرض موح .. عرض مجتهد. ان ما تقوله مسرحية الشقيقات الثلاث) في نصها التشيكوفي شيء ــ متوفر وقابل للقراءة, اما قراءة د. صلاح القصب لذلك النص, فشيء مختلف في الحذف والاضافة والرؤية.. وهو حق في استقبال النص لا في اعداده ــ لما يزعم البعض ــ ذلك ان المخرج الذي يمتلك رؤية جديدة, يمتلك الى جانبها حقه المشروع في تقديم قراءة ثانية ينجزها عبر الاخراج... عبر المنطق والحجة والرؤية التي يريد ايصالها الى الآخرين.. اما منطوق تشيكوف فقد قاله في نص يمكن الرجوع اليه.. وقراءة القصب تأليف في التأليف ذاته, حفر في شعابه المختلفة وصولا الى منطوق جديد. د. صلاح القصب وهو يقدم (الشقيقات الثلاث) يحقق ركائز وينشىء معالم لمسرح جمالي متألق يتفرد به... بجذره ويتواصل معه بكل اخلاص ونقاء ودراية ونباهة. بغداد ــ حسب الله يحيى