أحلى وأغلى ما يملكه المرء هو خزانة ذكرياته, انها الكنز العظيم الذي لا تستطيع اية قوة كانت ان تنتزعه منك او تحرمك منه. فهي معك اينما ذهبت, راجلا او مقيما , في صحوك وفي منامك, فاذا ما تكاثرت عليك هموم الحاضر, ومخاوف الغد, ووجدت هذه وتلك تبرز مخالبها وتكشر عن انيابها وتحشد جحافلها وكأنها حشود ثعلب الصحراء لتنهش قلبك, وكبدك وضلوعك, وتغتال حتى احلامك , يمكنك ان تهرب مسافرا الى خزانة ذكرياتك .. لتنعم ولو للحظة بالامن والجمال . وانني في هذا السفر لست بحاجة الى مركبة او طائرة او حتى الى صاروخ يكفي ان تغمض عينيك وتهمس لنفسك (افتح ياسمسم) حتى تنفتح ابواب مغارة علي بابا على آلاف بل ملايين الاحداث والاشخاص والمواقف والحكايات جواهر من ماس وياقوت وذهب ولآليء ومرجان, وربما احيانا من صفيح ولكن لكل جوهرة عطرها الخاص يمر على خاطرك مر السحاب, فيرسم على شفتيك ابتسامة حالمة, او يخطف من عينيك دمعة هاربة. وما اجمل الذكريات عندما تكون مشتركة مع حبيب او صديق اعرف زوجين صديقين مضى على زواجهما نصف قرن, او يزيد , يقولان ان اسعد اوقاتهما الآن هي تلك التي يقضيانها في تذكر ايامهما الخوالي, فيعيشانها كأنما يستعيدان شبابهما من جديد .. وكيف كان حال كل منهما عند اول لقاء ومتى خفق قلبه لها, ومتى احست هي بخفقان قلبه. وكم كان يرتجف وهو ذاهب ليطلب يدها من ابيها وكيف كانت هي تسترق السمع من وراء الباب المغلق, وكل كلمة تقال من الاب والخطيب تدور في مسامعها كأنها طبلة المسحراتي ... ثم يوم العرس وشهر العسل وطرائف حماتها وحماته وفرحة اول طفل و ... و ... وكنوز ليس لها نهاية من لحظات سعيدة معجونة بصبوة الشباب. وانا اليوم مسافر مع قافلة الذكريات افتح خزانتها مشتاقا الى الوجوه النضرة التي اضاءت سنوات التكوين وفتحت لي وللجيل الذي انتمي اليه ابواب الوعي والمعرفة. لقد كان من حظي وانا القي بنفسي في بحر مهنة المتاعب ان اقترب من اهم رواد الفكر والادب في جيل المعلمين والذين مازالت بصماتهم الى اليوم منارات ساطعة في حياتنا الثقافية. وما ان يفتح باب الخزانة حتى يلقاني على عتبتها سلامة موسى رائد المفكرين العرب في القرن العشرين ... الرجل الذي ادخل الى لغتنا كلمات الثقافة, والاشتراكية والتنوير ... لتصبح ملكا مشاعا بكل الكتاب المحدثين, لا يكاد يخلو منها الآن مقال او كتاب. وعندما تعرفت على شخصه بعد سنوات من معرفتي به من خلال مؤلفاته كان يعمل باحدى الصحف اليومية القاهرية, وتوثقت علاقتنا بسرعة, حتى أصبح من عاداتنا اليومية ان أمر به في مسكنه بحي الفجالة كل صباح, لاصحبه على طول الطريق من هناك حتى دار الصحيفة التي يعمل بها مشيا على الاقدام. كانت الرحلة اليومية لاتزيد عن نصف ساعة ولكنها بالنسبة لي كانت متعة ثقافية وعلمية تساوى العمر كله. ومع انه كان يكبرني باكثر من اربعين عاما الا انه كرمني بان اعتبرني صديقا واحسب انه كان فرحا بي كتلميذ مثلما كنت مجنونا به كاستاذ .. وكل شاردة وواردة لديه كانت موضوعا يدرس وقصة لها بداية ونهاية, وهو يتحدث ويعلم وانا استمع وانهل واحس بعقلي ينمو ويتسع ويكتسب كل يوم مزيدا من المعرفة والعلم. واراني وإياه وانا اودعه على باب دار صحيفته وهو ممسك بيدي كأنما لايريد ان يتركني قائلا وعيناه نديتان كأنما تغالبان الدموع, , تذهب انت لحال سبيلك, اما انا فادخل الثلاجة. وانظر اليه متسائلا, كيف ان هذا الرجل الذي ملأ حياتنا دفئا يجد ان مكان عمله ثلاجة, فيقول - منذ بدأت عملي هنا من ثلاثة اعوام لم اكتب حرفا .. انهم يدفعون لي مائتي جنيه, في الشهر كي لا اكتب. سألت بجدية وما الذي يبقيك لماذا لا تفسخ العقد وتنجو بقلمك؟ ويزداد الندى في عينيه وهو يقول لقد وقعت معهم عقدا لم انتبه لمصيبته الا بعد فوات الاوان. ففيه بندان الاول الا انشر في اي مكان آخر حتى ولو كان النشر على شكل حديث صحفي, والثاني شرط جزائي يلزم من يفسخ العقد من جانبه بسداد مبلغ مائة الف جنيه للطرف الثاني ومازلت اذكر الالم المرسوم في عينيه وشفتيه وهو يهز رأسه في شبه نواح. من اين اجيء بمائة الف جنيه !! تصور كم كنت ساذجا وانا اوقع العقد, ظنا مني ان هذا الشرط الجزائي لصالحي. ***** وبعد ان توثقت علاقتنا اهداني سلامة موسى مجموعة مؤلفاته وعلى صدر كل كتاب كلمة اهداء كانت بالنسبة لي فيما سبق تفوق في قيمتها جميع جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية ولكنها للاسف ضاعت نتيجة بعض هجمات التتار الذين يطرقون الابواب قبيل الفجر ليخطفوا صاحبها, ويخطفوا معه كل كلمة مكتوبة. غير اني مازلت اذكر اهداءه على كتاب (نظرية النشوء والارتقاء) والذي قال فيه بسخرية لاتخلو من الأسى, ان هذا الكتاب اصدر فيه الناشر 25 طبعة .. ولم يتناول في مقابله سوى عشرين جنيها عن الطبعة الاولى, و10 نسخ مع كل طبعة تالية!! وعندما قامت ثورة 23 يوليو فرح بها سلامة موسى كثيرا. وكنت بصحبته ساعة أعلن جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس فاذا به يقفز راقصا كالمجنون ناسيا عمره الذي دخل في السبعين حتى اذا ماهدأ قال كمن يستطلع الغيب. لن يتركونا حتما سوف يحاربوننا اقصد الانجليز والفرنسيين وربما استعانوا باسرائيل ... ولكنهم حتما سينهزمون. وصدقت نبوءة سلامة موسى. وكانت فرحته بالانتصار على العدوان الثلاثي اشبه بفرحة طفل صغير باجمل الاعياد... وفي ايام المقاومة صمم على تسجيل اسمه ضمن الكتائب الشعبية المسلحة وتسلم بالفعل بندقية تشيكية كان شديد الاعتزاز بها مع ان الظروف لم تسمح له باطلاق طلقة واحدة لان الاعداء كانوا اذكى من ان يقتربوا من القاهرة. ولكن العمر لم يطل به كثيرا بعد انحسار العدوان .. وفي آخر لقاء لي معه, وكان ذلك في المستشفى القبطي بعد انتصار 1956 ببضعة شهور, حيث دخل ليعالج من علة بالامعاء .. قال لي وهو يحاورني. لا اعتقد اني ساخرج من هذا المكان حيا ... هذه أول مرة في حياتي ادخل فيها مستشفى ومع ذلك فقد كان لدي دائما خاطر عجيب يقول انني ساعيش حتى ابلغ المائة ... ولكني على اية حال غير اسف, وغير خائف .. بالعكس هل تعرف ما الذي افكر فيه الآن وانا اتوقع الموت ؟ انني اخيرا سأكتشف ذلك المجهول الذي لايعرفه الاحياء!! ويصمت لحظات قبل ان يضيف ربما كان الشيء الوحيد الذي آسف له اني لن استطيع ان اكتب للناس عما سأكتشفه!! وكانت آخر كلماته لي. - الموت ليس نهاية وانما هو حالة انتقال , من هذا العالم الذي نعرفه الى عالم آخر مختلف تماما ... ان الدود تتحول الى فراشة هل تعلم الديدان شيئا عن حياة الفراشات؟ وهل يخطر ببال الفراشة الجميلة وهي تختال بزينتها وألوانها انها كانت ذات يوم دودة حياتها كلها في الطين؟ ان هذا الجسد الذي نعرفه باسم سلامة موسى ليس سوى مجرد اطار. وهذا الاطار هو الذي سيموت اما ما بداخل هذا الاطار, سلامة موسى الحقيقي فهو لايموت. ربما يتغير. او يدخل في اطار آخر, ومن يدري؟ لعله سيسكن في زهرة تنبت فوق جبل. او في طائر صداح مثل طائر المتنبي او في طفل يولد بعد الف عام في غابات الامازون او في ثلاجات الاسكيمو. هذا مالا اعرفه حتى الآن ولكن سأعرفه بعد قليل. وتهجم اسراب الواقع المر لتسد باب خزانة الذكريات , ولكن الى حين, وينغلق الباب, ولكن صورة سلامة موسى وصوته مازالا ماثلين كأنما كان ذلك بالامس القريب.