شاء حظي ولا اريد ان اصفه بالحسن او السيىء ــ ان احضر عددا من (رؤوس) السنة, اذا جاز الجمع هنا, كل واحد منها اغرب من الاخر , ولكن اغربها جميعا هذه السهرة الاخيرة في جزيرة (اداموس) , وقبل ان تفتش في ذاكرتك عن مكان هذه الجزيرة, او تلجأ الى اقرب اطلس او دائرة معارف اقول لك انه لا توجد جزيرة بهذا الاسم, وانا قد سبقتك ورجعت الى الاطالس الموجودة لدي, والى دائرة معارف, فلم اجد جزيرة تسمى (اداموس) ولو وجدت لا اظنها نفس الجزيرة التي قضيت فيها سهرة هذا العام الصاخبة. ولاشك انك ياعزيزي القارىء اذا اردت ان تبدو لطيفا ستفسر الامر بأني اختطفتك الى مكان مجهول, اما اذا لم تحب ان تبدو لطيفا فستقول فورا: هذا رجل مجنون يدعي انه قضى سهرة رأس السنة في جزيرة تسمى (اداموس) ولا توجد جزيرة بهذا الاسم. وفي الحقيقة كل هذا صحيح والسبب هو هذه الانفلونزا الغريبة التي اصابتني فجعلتني اعيش اغرب واطول حالة هلوسة عرفتها في حياتي, وكم كانت قاسية حالة الهلوسة هذه وتعجبت لمن يسعون الى حبوب الهلوسة بأنواعها واية متعة يجدونها فيها. لقد دقت الابواب برفق كأنها الانفلونزا التي نعرفها, واستقبلتها باسما, فانا اعرف كيف اتخلص منها, اذ لايتطلب الامر اكثر من حبتى اسبرين وكوب من شراب ساخن! وفعلت هذا فعلا وخرجت لبعض امورى وعدت الى البيت لاجد نفسى ارتعش, وقد ارتفعت درجة حرارتي, واصابتني الالام الحادة في كل ركن في جسمي, واحسست بصداع فظيع, والابشع من هذا كله انني غرقت في حالة من التوهان لم اعد اعرف لها بداية ولا نهاية, اسمع ما يجعلني اضحك واتلفت حولي فأرى سكون الثالثة صباحا, واذهب الى الحمام فاذا بي افتح الباب الخارجي, واشاهد امام عيني اصدقائي ومعارفي من هم هنا ومن بيني وبينهم سفر ساعات. ولا ادرى كيف بدأت قصة (اداموس) فانني لا اعرف شيئا عن هذه الايام الفظيعة, وربما كانت البداية انني نمت امام التلفزيون ومع حالة الانفلونزا الغريبة هذه اصبح النوم في اي مكان شيئا عاديا, المهم انني نمت امام التلفزيون وفوجئت بموسيقى عسكرية ارتبطت في اذهان جيلي بالحروب والانقلابات العسكرية, وقال المذيع بصوت يفيض بالقوة والخشونة: نعلن لكم هذا الخبر الهام وهو اكتشاف جزيرة اداموس في البحر الابيض المتوسط, وفي حالة اللاوعي التي كنت فيها اردت ان اعترض على المذيع وان انبهه إلى ان وصف البحر المتوسط بالابيض هو وصف خاطىء جغرافيا, وكان استاذنا عبداللطيف احمد علي يسبنا على مثل هذا الخطأ, فاذا كتب الطالب عدة اخطاء (بشعة) كهذا الخطأ من وجهة نظر الاستاذ, كان يجد ان الدرجات كلها قد تسربت وانه لم يعد يملك درجة واحدة, مهما كانت اجابته ودلالتها على التحصيل. والاعتراض على اخطاء المذيعين هو احدى العادات السيئة في بيتنا, فاذا اخطأ المذيع في اللغة ارتفعت الاصوات بالتصحيح من كل ركن, واذا اشتبه احد في خطأ في المعلومات انتزع كل شخص دائرة معارف يبحث فيها عن المعلومات الصحيحة وهي عادة سيئة لانها تقضي على متعة الاستماع ببلاهة, كما انها تربي عقلا معترضا بالخير والشر, ومن اطرف الاعتراضات التي جعلتنا ننتبه الى سوء افعالنا ان المذيع كان يعلق متحدثا عن (علي الكسار) فاذا بطفل يعترض قائلا: (ليس اسمه علي الكسار.. بل علي الحجار) , وهذا ما جنيناه على هذا الطفل البريء. المهم ان الخطأ في وصف البحر المتوسط بالابيض تكرر عشرات المرات في هذا الخبر الذي امتلأت به محطات التلفزيون وبكل اللغات المتاحة. وانا اسخر دائما من كلمة (زمان) .. فأحدهم يتسربل بأعوامه الثمانين ويقول لي: ماذا حدث للزمن؟ لقد كنت اسير عشرة اميال كل يوم. واليوم أصل الى الباب فألهث! كأن الزمن هو الذي تغير. ولم يدرك صاحبي انه تغير وان من هم في السن التي يتحدث عنها يسيرون عشرة أميال وعشرين دون ان يحسوا تعبا. ورغم سخريتي هذه من اصحابنا هؤلاء الا انني اعلن بكامل عقلي ــ الا اذا كانت قد ذهبت به الانفلونزا, ان الانفلونزا قد تغيرت. ففي الزمن الغابر كانت الانفلونزا مرضا عابرا. وأول طبيب صادقته في حياتي كان يوسف ادريس, وقد تعرفت به بعد تخرجه مباشرة وبكل شهرته ككاتب قصة, وكان يقول لنا ان الراحة من الانفلونزا ترف لا يليق بامثالنا من الثوريين) فقد كنا نظن انفسنا هكذا! وكان يقول ان افضل علاج للانفلونزا هو ان تتجاهلها وظلت سياستنا هي التجاهل تيمنا بالسياسات العربية, حتى جاءت الانفلونزا الآسيوية, فإذا بهذا الميكروب الرقيق يتحول الى وحش شرس, ثم يزيد مع الايام شراسة! ولا ادري بماذا تسمى هذه الانفلونزا التي اصابتني هذا العام, وربما كان من الادق ان اطلق عليها الانفلونزا.. الاداموسية.. نسبة الى جزيرة اداموس... وربما كان من الافضل ان اسميها آدمية (نسبة الى آدم) فآدم هو اداموس! وأحاول ان اتذكر ماحدث فكل شيء متشوش! سمعت الخبر لاول مره من محطة بروكسل, اما لماذا بروكسل فهذا مالم اعرفه, واظن انني عبرت على محطة بروكسل ذات مرة, ولكنني لم اتوقف عندها ابدا, واظن انني لن استطيع التعرف عليها. المهم ان المذيع كان على غير العادة واقفا مما اوحى اليّ ان الخبر اكبر من اعلانه والمذيع جالس, وقال بعربية فصيحة: هنا بروكسل! ودققت النظر احاول من خلال الغشاوة الانفلونزية ان اتبين شكل المذيع, وخيل اليّ انه جلال معوض! وخطرت على بالي فكرة تناسخ الارواح. وان جلال معوض الموهبة الفذة اعادتها السماء الى بلجيكا. وتخيلت محنة جلال معوض في بلاد البلجيك وهو لايرى الا جمال عبدالناصر وهم غير مهتمين بالرجل الذي آمن به الى آخر لحظة في حياته. ولست بالطبع اذكر نص ما قاله المذيع سواء كان جلال معوض او شخصا آخر.. ولكنني احاول ان الخص لك ماوعته الذاكرة خلال الفترة الاولى من اعلان الخبر. بعد اعلان اذاعة بروكسل خبر اكتشاف جزيرة (اداموس) وقع الخبر على العالم كالصاعقة. فلقد انتهى عصر الاكتشافات, وابناؤنا من اجيال هذا الزمن لم يتابعوا استكشافا واحدا في حين انني تابعت في صباي المبكر اكتشاف واحة جغبوب ولقد قام بهذا الكشف احمد حسنين باشا وهو واحد من اهم السياسيين في تاريخ مصر, وانتهى الامر به رئيسا للديوان الملكي, لكنه كان اقوى نفوذا من كل السياسيين الاخرين. ولقد صحب في هذه الرحلة سيدة انجليزية, وربما كان في المسألة قصة حب عموما كان احمد حسنين شخصا فاتنا للنساء ولقد احبته عشرات النساء منهن اسمهان وأم كلثوم والملكة نازلي ام فاروق والتي قيل انه تزوجها عرفيا! وعندما عادت السيدة الانجليزية الى بلادها, وصفت كيف اكتشفت واحة جغبوب وكيف انه كان يصحبها شخص اسمه احمد حسنين! ولقد فكرت ان اعود الى احد المراجع لاكتب لك اسم هذه السيدة, ولكن الانفلونزا (الادامية) منعتني من هذا الجهد. ولا ادري ماكتبت.. فعذرا عزيزي القارىء اذا كنت قد كتبت بعض الهلوسة تحت هذه الحالة. ففي غيرها ماذا نكتب!!