بول ثيرو أستاذ أدب الروايات بالحقائق المطموسة قد ألف كتابا جديدا مثيرا الى درجة انه يقضم قطعا من المؤلف نفسه . انه على كل حال ليس غريبا عن الضجيج ففي كتابه (جزر الايقيانوس السعيدة) عن رحلاته في جنوب الباسيفيك قدم صورة عن حاكمة نيوزيلندا السيدة كاث تيزارد قائلا انها تدفع الطعام على الشوكة بإبهامها. وأحدث ذلك أكبر ضجة في نيوزيلندا منذ ان أقدم عملاء فرنسيون على إغراق سفينة غرين بيس (راينبو وايير) في مرفأ أوكلاند في يوليو 1985. وهذه المرة لا يتسكع في جزيرة تونغا أو موسكيتو كوست, بل يمخر في نفسية في.اس. نابيول المقدسة عند أنصار الكاتب الترينيدادي ــ الانجليزي الذي كان ذات وقت صديق ثيرو. في الكتاب الجديد (ظل السير فيديا) يحكي ثيرو عن ذكاء وسرعة خاطر, وقد تحول الكتاب الى أرض خصبة لكتاب أعمدة الثرثرة الاجتماعية الذين يصفونه بدورهم بالاديب البريطاني الحقود. والتعليقات حول كتاب ثيرو متراوحة ولكنها تدور كلها حول مسألة ما اذا كان ينبغي ان يؤلف كتابا من هذا النوع اصلا, خاصة ان مادة الكتاب تأتي من صداقته الشخصية وقرابة طيلة 31 عاما من زميله المتنسك. ويقول ثيرو ان ما يزعجه هو ان الناس ينتقدونه ويصفونه بالخائن حتى قبل ان يقرأوا الكتاب, وانه (ليس من الانصاف ان تقول ان الطعام سيء والطاهي فاشل قبل ان تتذوق الطعام في مطعم حديث الافتتاح) , اما اذا قرأت الكتاب ستجد فيه معاملة كاشفة ورقيقة لكتاب عظيم, والحقيقة ان تصوير ثيرو غير المأذون للكاتب يحتمي على كل ما ذكرت مجلة (نيوزويك) ان فقرة من الكتاب: (لقد اعطت سنوات الشك فيديا قناع ريبة ثابتة ـ فم محمض ومنقار ديناصور وعيني محبطتين, لا احد يتمنى ان يطالعه وجه كهذا) . ولكن ثيرو, عبر (كتاب ظل السير فيديا) يشدد على اول نصيحة أسداها نايبول عندما اصبح تلميذا له في اوغندا سنة ,1966 ثم كررها طيلة صداقتها التي دامت أكثر من 30 سنة, وهي: (قل الحقيقة دائما) . ويقول ثيرو ـ في منزله في هاواي: (انه مجنون مثل كل الكتاب. انه ليس انسانا شريرا او مغرضا, يجب ان يفهم الناس مدى جنون الكتاب. انه حاد الطباع ومعقد ومتوحد, هل تعتقد اننا نجلس معا (لنكتب رسائل فالنتاين؟ اننا لا نعمل في تجارة بطاقات المعايدة, وهذا الكتاب منزه عن الهوى. يتيح للقارئ القاء نظرة على ما يجول في ذهن كاتبين) . وتبقى حقيقة ان نايبول قد لا يريد ان يؤلف كتابا, من نوع (ظل السير فيديا) عن ثيرو, انما الكتاب هو يتضمن السيرة الذاتية لثيرو اكثر مما يرد في كتابيه السابقين (تاريخي السري) , وحياتي الاخرى الذين يمزج فيهما الحقيقة بالخيال, لعله خيالي كله, ولكنه يبدو مقتبسا من حياة ثيرو الحقيقية الى حد ان القارىء يحار ويضيع بين الحقيقة والخيال. وفي مقال كتبه مؤخرا لمجلة (نيويوركر) تحدث ثيرو عن سيدة متسلطة في منهاتن وهي صاحبة قلب ذهبي في الوقت نفسه. ولم تنشر المجلة المقال الا بعد التأكد من وجودها عن طريق مصور كان يعرفها, ويقول ثيرو انه عندما تكتب شيئا خياليا ينبغي ان يكون مقنعا بالمقدار الكافي ليصدقه الناس. واذا كتبت ما هو غير خيالي ايضا فقط تسبب إرباكا للقراء. ولذلك حرص على تحري الدقة والحقيقة في كل تفاصيل كتابه عن نايبول, وقد التقى الاثنان عندما كان نايبول, وهو في الرابعة والثلاثين من عمره, استاذا محاضرا في جامعة مكاريري في كامبالا في أوغندا. وكان ثيرو معلما للغة الانجليزية ويسعى الى نشر كتبه فصادق نايبول. وكما يذكر الكتاب ان نايبول كان صائد فرص نخبوي ايضا وكان يكره الموسيقى والثقافة والمرح الافريقي ويعتبر زملاءه الانجليز اقل منه شأنا. وأصبح ثيرو مرشدا له وسائقا ومهرجا فكافأه نايبول بتشجيعه أديبا, ولاحقا عندما عاد الى لندن عرف ثيرو على الاوساط الصحيحة, ويقول ثيرو في كتابه (انه عندما كان نايبول يراجع كتاباته) كنت اسمع طقطقة الدوائر في دماغه ومديحه قائلا (تابع عملك الممتاز) , وبعد ذلك نشأت بين الاثنين صداقة صادقة وطويلة كما يشهد على ذلك أكوام الرسائل الخاصة التي كانا يتبادلانها من مختلف أطراف العالم. كان ثيرو صديقا أيضا لزوجة نايبول الأولى باتريشيا. وقد ذكر في كتابه انها كانت تحرص على زوجها حرصا شديدا وترعاه في مراحل اكتئابه وغضبه التي تفصل بين لحظات سعادتهما. وشاءت الصدف بعد ذلك ان يلتقي ثيرو ونايبول في شارع جلوستر في لندن, حيث رفض نايبول ان يتحدث معه. ولما سأله ثيرو: (وماذا نفعل الآن؟) قال له تابع سيرك. هذا الى جانب ثيرو من القصة. أما موقف نايبول فلا يزال غامضا. ولم يعلق لا هو ولا زوجته الجديدة على الكتاب الجديد. وفي اتصال هاتفي أطلقت زوجة نايبول ضحكة قصيرة عندما عرفت موضوع الكتاب, وقالت: (لا أعتقد ان لدى نايبول شيئا يقوله) . ــ وأنت ماذا تفعلين؟ ــ (لا تعليق) . في نهاية كتابه يقول ثيرو عن نايبول: باختياره لي جعلني ملكا له. ورفضه لن يعني انني أصبحت طليقا وخرجت من الظل. لقد حررني وفتح عيناي وأعطاني موضوعي. وفي الفقرات التالية يتخذ ثيرو موقفا دفاعيا وهجوميا في آن واحد, فيقول انه علم ان كتابه نزل للسوق لأن زوجة نايبول فتشت بين أغراض زوجها وخلصت الى ان ثيرو, شأنه شأن نايبول, لا يتوانى عن انتقاد الاشخاص الذين يكتب عنهم دون طلاء لإخفاء الجوانب السيئة. ولكن ذلك ــ كما يقول الاثنان ــ هو جزء من طريقة سرد الواقع كما هو. نايبول, الذي يعتبر شخصية ادبية أعظم ويتردد اسمه احيانا كمرشح لجائزة نوبل, كتب بعض أفضل رواياته في مراحل مبكرة, مثل (منزل باسويرس) ولكنه لم يحقق مكاسب مالية تذكر الا في السنوات الأخيرة, ومع انه اختار لنفسه حياة العزلة فإن رسائله تنم عن اسفه لعزلته الاجتماعية. وقد استقر مؤخرا في لندن مع بلوغه الخامسة والستين, وأخذ يفكر ببناء المنزل الذي كان يتمناه على الدوام. ويعتقد البعض ان الحسد قد يكون له دور في صيت نايبول (كالبريطاني الحقود) . الا ان اقوالا منشورة لأصدقاء نايبول تشير الى ان فتوره نحو ثيرو منذ بعض الوقت كان لاعتقاده ــ كما يقول احدهم ــ ان ثيرو صادقه على سبيل الضحك. ويضيف هؤلاء ان ثيرو على مدى السنوات, بدأ يحس بالغيرة, وانه مع هذا التحول بدأ يخلط بين دور التلميذ ودور الاستاذ. ثيرو يقول لا. أما نايبول فيمتنع عن قول أي شيء. مجلة (الناشرون) الاسبوعية تطرح السؤال الحتمي: (هل الكتاب منصف بحق فيديا؟ مستحيل ان نعرف بالتأكيد, الا انه دراسة آسرة لموضوع نادر ما يعالج, وهو موضوع الصداقة الأدبية الشائكة) . مساتشوستس ــ مورت روزنيلوم