دوي هائل احدثته مذكرات نجيب محفوظ في اوساط النخبة الثقافية والسياسية ... ومنذ صدورها فقد وقعت هذه المذكرات على اوساط النخبة مثل صخرة عظيمة القيت فجأة في بركة آسنة . وهكذا فقد تفجرت معارك حادة حول ما تضمنته من آراء ومواقف في الفكر والسياسة والثقافة والحياة .. المذكرات اعدها الناقد رجاء النقاش واصدرتها مؤسسة الاهرام في كتاب عنوانه (نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته واضواء جديدة على ادبه وحياته) لكن اطرف المعارك التي دارت حول الكتاب خاضتها عائلة نجيب محفوظ نفسه, فقد رفع المهندس محمود الكردي (70 سنة) ابن شقيقته نيابة عن العائلة دعوى قضائية امام محكمة الازبكية ضد كل من : رجاء النقاش معد الكتاب, ومؤسسة الاهرام ناشرته ... تطالب الدعوى بجمع الكتاب من جميع المكتبات والباعة وبحظر طبعه وبيعه وتوزيعه وترجمته نظرا لما تضمنه من سب وقذف في العائلة .. وآخر ماتم في هذه الدعوى هو وصول انذار رسمي على يد محضر الى رجاء النقاش ورئيس مجلس ادارة الاهرام لجمع الكتاب وحظر بيعه حتى لايضطر المنذر الى استكمال الاجراءات القانونية واستصدار حكم بمصادرة الكتاب. هذا ماقاله لنا محمود الكردي ابن شقيقة نجيب محفوظ وهو مهندس معماري على المعاش ووفدي قديم ... وقال (ان الانذار تضمن الوقائع والعبارات والمعاني التي لو صحت لاوجبت احتقار المسندة اليه تلك الافعال من اهل وطنه ونذكر منها ماورد في صفحة 16 وصفحة 20) . ملحوظة (1) في صفحة 16 من الكتاب يقول نجيب محفوظ (وعندما ماتت والدتي حدثت في بيتنا سرقة اهلية, حيث جاء اولاد اختي واخذوا كثيرا من الاوراق والاشياء الشخصية, ومن بينها صور خاصة. بي اخذها ابن اختي محمود الكردي وهو على المعاش حاليا. وقال لي انه اخذ الصور لعمل متحف مصور لي في بيته, وطلب مني بعد ان حصلت على جائزة نوبل ان يسافر بدلا مني لتسلم الجائزة في السويد ولكنني رفضت ) وفي صفحة 21 يقول نجيب محفوظ في سياق الحديث عن ازواج شقيقاته (الوحيد الذي كان فيه ملامح سي السيد هو زوج شقيقتي زينب فقد كان صعيديا من اصل كردي. وكان فظيعا ومع ذلك كانت عندما يفيض بها الكيل تقف في وجهه بشراسة) . ملحوظة (2) في كل الاحاديث التي ادلى بها نجيب محفوظ منذ صدور الكتاب في يوليو الماضي, كان عندما يسأل حول مسألة خلافية مثل قوله (ان حرب الاستنزاف كانت كلاما فارغا) او قوله انه كان ضيفا دائما على بيوت الدعارة السرية والعلنية او حديثه عن اباحة المخدرات كان نجيب محفوظ يسأل محاوره اين قلت انا مثل هذا الكلام فيجيب المحاور بانه في صفحة كذا ثم يقرؤها عليه فيكتفي محفوظ بهز رأسه ويصمت ... لكنه حين واجه سؤالا عن اتهام ابناء شقيقته بالسرقة نفى ذلك في جريدة الاهرام بتاريخ 10/9 وقال انه لم يراجع الكتاب. ملحوظة (3) في احاديث نجيب محفوظ قال انه قد املى كتابه على رجاء النقاش في بداية عام 1990 ولمدة شهرين لكن رجاء النقاش قال في الكتاب انه حاور محفوظ بخصوص هذه المذكرات في الفترة من اول اغسطس 1990 حتى اواخر 1991 ولم تخرج الى النور الا بعد سبع سنوات من تسجيلها!! في الوقت ذاته فإن نجيب محفوظ (87 سنة) اصبح مثقلا بامراض عديدة خصوصا بعد تعرضه لحادث ارهابي عام 1994 وهو يعاني عجزا شديدا في السمع والبصر والكلام ولا يقرأ شيئا على الاطلاق. يسيء للعائلة ..! نعود الى محمود الكردي الذي يؤكد تماما انه ليس في خصومة مع خاله ويقول (ان نجيب محفوظ الاديب العالمي الذي حصل على جائزة نوبل رجل عف اللسان الى ابعد الحدود ولايمكن ان يخرج منه العيب ابدا, نحن في خصومة مع رجاء النقاش الذي اورد كلاما يسىء للعائلة ... ونحن ايضا في خصومة مع المؤسسة التي نشرت ووزعت كتابا يتضمن كلاما قبيحا يسيء الى نجيب محفوظ نفسه قبل ان يسىء الينا, انا لايمكن ان اصدق ان نجيب محفوظ يتهمني بالسرقة. هل سبق ان اتهمك بمثل هذه التهمة او شكك في نزاهتك في اي وقت من الاوقات؟ - لم يحدث شيء من هذا على الاطلاق فهو الذي وضع مكتبته كاملة عندي كأمانه وانا خصصت لها غرفة في مكتبي وحفظتها ليستردها في اي وقت, وبعد حصوله على جائزة نوبل قال في حديث تلفزيوني ان مكتبتي عند محمود الكردي ابن شقيقتي وانا لا اخاف عليها لانها في أيد أمينة. هل طلبت منه بعد حصوله على جائزة نوبل ان تذهب الى السويد لاستلامها بدلا عنه؟ - حدث هذا على سبيل المزاح ونحن جالسين في مقهى (ريش) فضحك واشار الى اذنه قائلا انا وانت من ضعاف السمع, بمعنى اننا لانصلح للسفر الى السويد او استلام الجائزة وضحكنا. هل تعتقد ان نجيب محفوظ وصف والدك بانه كان رجلا فظيعا وكان دائم الشجار والاعتداء على والدتك؟ لايمكن ان اصدق ان نجيب محفوظ يقول مثل هذا الكلام الخالي من اللياقة, فوالدتي هي اخته الكبرى وكان يعتبرها بمثابة والدته, وعندما تزوجت في حي الحسين وكان نجيب محفوظ مازال طفلا في بيت والده كان يبكي قائلا: (ودوني لامي الثانية) يقصد والدتي .. فضلا عن ان مثل هذه الشجارات والاعتداءات لم تكن تحدث بين والدي ووالدتي ولم نسمع عنها الا من كتاب رجاء النقاش ... والذي لايعرفه احد ان نجيب محفوظ عندما كبر واصبحت القراءة من اهم هواياته كانت والدتي تذهب الى باعة الكتب وتشتري له كتب الادب والتراث وغيرها. هل هناك معلومات اخرى غير صحيحة عن الاسرة ذكرها الكتاب؟ - جاء على لسان نجيب محفوظ ان احد ابناء اخته واسمه محمد قد استشهد في حرب 1967 وأن نجيب محفوظ مشى في جنازته. والحقيقة أنه لا يوجد أحد بهذا الاسم ولم يستشهد لنا أحد. وذكر أن حازم النهري ابن خالتي وابن شقيقة نجيب محفوظ خريج مدرسة التجارة والحقيقة انه خريج جامعة فؤاد وكان يعمل رئيسا لمجلس ادارة شركة الصوتيات والمرئيات. اذا كان نجيب محفوظ قد قال في (الاهرام) انه لم يراجع الكتاب. وأنه لا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام. واذا كنت أنت مقتنعا بأنه لا يمكن ان يقول ذلك فلماذا لم تتنازل عن القضية؟ ــ أنا كنت أريد أن أتنازل عنها بعد أن أوضح هو الصورة, لكن العائلة كلها أجمعت على الاستمرار في القضية, أولا: لأنها ليست مرفوعة ضد نجيب محفوظ, ثانيا لان الكتاب يتضمن اساءات فاضحة لنجيب محفوظ نفسه ولنا بالتبعية, نحن نريد أن يجمع الكتاب. واذا صدرت منه طبعات جديدة تصدر محذوفا منها العبارات التي تمسنا. ما هي الاساءات الفاضحة التي تتحدث عنها؟ ــ مثل قوله أنه كان يدخل بيوت الدعارة السرية والعلنية وهذا الكلام اثار موجة من السخط بين أبناء شقيقاته وأحفاده فكيف يمكن ان ينشر كلام مثل هذا عن أديب عالمي حاصل على جائزة نوبل. والمفروض انه قدوة للشباب والاجيال الصغيرة, أنا فوجئت بهذا الكلام, واذا كان نجيب محفوظ قد ردد شيئا من هذا فهو رجل كبير السن, ولا غبار عليه اذا أخطأ وكان يجب الا ينشره رجاء النقاش, كان عليه ان يحذف هذا الكلام بدلا من فضح أديب عالمي يعيش في مجتمع عربي محافظ له قيمه وتقاليده. ملحوظه (4) في صفحة 106 من مذكرات نجيب محفوظ يقول (في الفترة التي سبقت زواجي عشت حياة عربدة كاملة كنت من رواد دور البغاء الرسمي والسري, ومن رواد الصالات والكباريهات. ومن يراني في ذلك الوقت لا يمكن ان يتصور أبدا ان شخصا يعيش مثل هذه الحياة المضطربة, يمكن ان يعرف الحب أو الزواج, كانت نظرتي للمرأة في ذلك الحين, ليس فيها أي دور للعواطف أو المشاعر, وان كان يشوبها أحيانا شيء من الاحترام ثم تطورت هذه النظرة وأخذت في الاعتدال بعدما فكرت في الزواج والاستقرار. ماذا فعلت عندما علمت بوقوع الحادث الارهابي على نجيب محفوظ؟ ــ كانت مفاجأة رهيبة عندما اتصل بي أحد اصدقائي يقول لي: خالك قتل, ذهبت مسرعا الى مستشفى الشرطة الذي نقل اليه بعد الحادث. وعندما رأيته شعرت باهتزاز غريب في اليدين والقدمين ونقلوني الى المستشفى مصابا بأزمة قلبية. هل أنت متابع لأدب نجيب محفوظ؟ ــ أنا متابع بدقة لكل ما يكتبه وقرأت كل رواياته ومنذ كتب (رادوبيس) و(كفاح طيبة) وكنت طالبا تأثرت جدا بأدبه وتابعته أولا بأول, ومن اكثر الروايات التي تأثرت بها رواية (اولاد حارتنا) وهي فلسفة عليا لكن الجهال ارادوا تأويلها تأويلا منحرفا. هل هناك شخصيات في عائلتكم استخدمها نجيب محفوظ كشخصيات لرواياته.؟ ــ في رواية (خان الخليلي) بطل القصة الحقيقي هو ابن خالتي واسمه شكري وهو ابن أخت نجيب محفوظ وكان اكبر منه ومات مريضا وقصتها كاملة نقلها محفوظ في روايته. أما في الثلاثية: (بين القصرين) و(السكرية) و(قصر الشوق) فهي قصة عائلية فيها تصويره لوالده على أنه (سي السيد) .. وهو جدي وكان رجلا جميلا عظيما له هيبة كبرى وكان مديرا لمدرسة في الحسينية في منطقة الجمالية وكان يجلس مع بعض الأدباء الكبار وبعض التجار ثم ترك عمله مختارا من الحكومة ولم يخرج على المعاش كما جاء في كتاب رجاء النقاش بعد ذلك عمل مع أحد أصدقائه في التجارة. وماذا عن جدتك والدة نجيب محفوظ؟ ــ كانت بنت شيخ أزهر اسمه مصطفى قشيشة ورغم انها لا تقرأ ولا تكتب إلا إنها كانت تعلم كل شيء.. كانت واسعة الأفق ولم يدخل أحد من العائلة متاحف الآثار إلا معها. وكانت تشرح له كل شيء. وهي التي وضعت البذرة الاولى للقصص عند نجيب محفوظ, فكانت تحكي له قصصا كثيرة قبل أن ينام وبعد فترة كان هو يخترع القصص ويحكيها لها. ما هو أطرف موقف حدث لك مع خالك؟ ــ عندما كنت طالبا (زوغت) من المدرسة وذهبت الى مقهى (الفيشاوي) اتناول الشيشة كما يتناولها خالي وبعد فترة فوجئت به يأتي الى المقهى فارتبكت وألقيت طرف الشيشة جانبا, كنت مرتبكا جدا لكنه لاحظ ارتباكي وخوفي الشديد فقال لي أكمل شيشتك ولا تخاف ودفع لي الحساب. القاهرة ــ فتحي عامر