هذا اليوم قررت الاستراحة من عناء الشغل, وكيما أهرب بذاتي بعيدا عن هموم الحياة الذهنية منها والمادية, اتخذت لي زاوية في المنزل, ومنعت أطفالي من الدنو الي والابتعاد بضوضائهم عني حتى ساعة الافطار, قبعت في تلك الزاوية أطالع في رواية قرأتها منذ زمان بعيد , وتوهمت أنني بذلك نأيت بنفسي عن الهموم, ولكن الواقع بخل علي بما أردت, حيث وجدت نفسي وبلا مقدمات مرغما أمخر الأحداث الجسام التي تمر بها الأمة, وفي الحال تذكرت المتنبي حيث يقول: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم وتذكرت أيضا صاحب الأطلال حيث يقول: صار طعم العيش مرا في فمي بعد أن أصبحت بالدنيا عليما آه من يأخذ علمي كله ويعيد الطفل والجهل القديما وفي غمرة الأفكار والهواجس أجهشت بالتالي كلما حدقت في وجه الظلام أسأل الأطياف عن عهد الغرام عن سعاد عن رباب عن سلوى عن هيامي عن تباريحي ووجدي عن قعودي عن قيامي أجد الأطياف خرساء .. كأشلاء أمامي عندها أسترجع الذكرى .. حنينا وشجونا أستعيد العمر أعواما .. تقضت وقرونا حاملا كل أمانيّ التي باتت توافيني أنينا! يا صدى الأيام يا سر رجائي أنا إذ أدعوك لا أبصر إلاك ورائي أنت, لا زلت الهوى لي في بكائي وغنائي (ذهب الأمس) ولم تذهب كما الأمس المرائي! غادرتني ــ ويحها ــ هند وقد أحسست أني بعدها غادرني السعد وأشقاني ظني ألف عام بيننا صار محيطا من خيالات توالى وتباريح تجني نسيتني هند لا أدري لماذا وتمادت في تعاطيها الهوى محض تمني يا ندامى الراح كم من قدح عب الندامى كم ليالي سهروا كم نجمة عدوا, ومنهم من ترامى بين أحضان الهوى العاتي مع الأهواء هاما! سألتني عن مدى الآمال عمرا طلبتني دون أن تشعر بالاحراج نكرا لطموحاتي لآهاتي وكانت ــ ويك ــ أدري بمقامي حيثما سرت, وحيث العمر أسرى بي في كل اتجاه, خلته من خالق الأكوان أمرا فتجاهلت سؤالا رغم علمي بالحقيقة رغم ادراكي لذاتي, وأماني العتيقة رغم ما أحمل من همٍ, ومن شوقٍ, فؤادي لا يطيقه رغم عمق الجرح يا هند وآلامي العميقة! أنا بعد اليوم لن أسأل عن حب تولى عن وداد يا فؤادي عن معانيه تخلى لا . ولن أبقى كما كنت زمان الحب ظلا فأنا بعد الذي صار سأطويك سجلا سوف أرميه على قارعة التاريخ للأجيال آيه لا ترى فيها سوى المين, سوى التلفيق غايه إنه تاريخنا يا هند تاريخ الغوايه فشل طال, فطال الذل, طال الذل من دون نهاية؟!