القلوب أوعية تغدو لها, والنفوس ازاهير جمعتها روضة نيسانية, هكذا عندما تهب نسيماتها مكللة بندى العذوبة وعطر الشفافية, حاملة الاصل والاصالة , هي من قلب الشروق الساحر تهب, وهي في عين الاصيل الساهم ترحل وتستقر, اخذة معها احلاما روحانية, ما انفكت تصبو الى ينابيع الحياة الخصبة ومعينها الروي, بعد ان عانت من جدب السطحية وظمأ التهميش. عندما تخطر على مسمعي تتحرك مشاعر الانس, وتنشط خلايا الانبساط, وترن اوتار الخيال شجية, فيتحول كل شيء في داخلي الى حركة دؤوب, تتفاعل في كل بعد لتأخذ محلها الصحيح في كيان الذات, حيث تستقر على ارائك السكينة والسكون, عندها اغادر مرارة اليوم المعاش الى عالم يتراقص فيه الذوق السليم, سرب حسان ومحاسن, وتتقافز فيه الانغام أخيلة رشيقة لا وصب يشوبها, لا اسفاف يخالطها, ولا ابتذال يلم بها. صوت الموسيقى, صوت من الروح واليها, انسجمت نبراته وتناغمت مقاماته, لا وعورة ولا تعقير, بعيد كل البعد عن سطحية الشكل الضاربة بأطنابها في كل مكان في هذا الزمن المحبط. لقد تآكلت الاعصاب بفعل الاكتئاب, بل اشرفت على الاهتراء فالذوبان, لان الهم اصبح اكبر من ان يحتمل, والظروف المحيطة امست اثقل من اي شيء حتى الدين, فأخذت النفوس تتحرك في كل اتجاه, باحثة عن الظل الظليل الذي سيأويها من هذا الهجير القاسي, ان الاخفاقات المتتالية التي تتعرض لها ذات بعينها, تدفع في مسار واحد لا مناص منه, انه اليأس, طالما ان بوارق الامل لم يعد لها وجود في افق حياتنا, فالقوى الفاعلة تبددت والافكار الخلاقة عزت, كذلك الابداعات المرموقة في كل مجال, وعليه عمت الفوضى, وخيم الشطط, واستفحلت الصفاقة, كل ذلك بفعل هذا الكم الهائل من المدعين, فنانون ولا فن, علماء ولا علم, كل شيء تحول من مكانه الى غير مكانه, فاختلت التركيبة الاساسية, وكانت النتيجة هي ما نرى ونسمع, الفشل ولا شيء غير الفشل, الكسل ولا شيء غير الكسل, الاتكال ولا شيء غير الاتكال, في مساريه المادي والمعنوي, فلا عجب اذا ما فسدت الاذواق, وصار القبيح هو الحسن, والجمال هو القبح, والهراء هو الشعر, والبلادة هي الكياسة. ويبقى صوت الموسيقى, هو الوميض الوحيد في هذه العتمة الضاربة, الوميض الذي ربما بشر بنهار صبيح المحيا ويوم فسيح الرؤى, لان في هذا الوميض ما يحمل على القول ان هذا الجسد المسجى مازال فيه شيء من النبض, الذي قد يتحول الى حركة عنيفة, تعصف بالقائم من الموازين التي لاتتفق وتطلعاتنا, ولاتنسجم وطموحات اجيالنا. نسيمات الأصيل من الأصيل أتت شوقا الى القلب العليل أتت ينساب رقراقا صداها تناجى كل ذي ذوق جميل وتفرح كل مهموم كئيب ينوء اليوم بالهم الثقيل تلوذ بها النفوس وقد احاطت بها من قبل افات الخمول فتسكرها بصهباء سباها أخو فهم تمرس في الفصول هي الاحساس رق فسال لحنا يحث المقعدين على الرحيل الى أفق الطموح, الى حياة زهت حسنا على أمل جليل