يوسف القعيد من اغزر ادباء الستينات في مصر ... له حتى الآن 16 رواية و 10 مجموعات قصصية , ويعبر انتاجه الادبي في مجملة , عن التحولات الجارفة التي حدثت في مصر, منذ وفاة عبد الناصر, وانقلاب السادات على مبادىء ثورة يوليو, وتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي والصلح مع العدو الصهيوني بعد اجهاض نتائج نصر اكتوبر بتقديم تنازلات مجحفة, كل هذه التحولات وما احدثته من انقلابات اجتماعية وطبقية وانهيارات في سلم القيم وتمزيق لروح الانسان الذي آثر الهجرة لاول مرة في تاريخه بحثا عن فرص للرزق فاغترب وعاد الى وطنه مليئا بالشروخ. عبرت عنها روايات القعيد مثل : (الحداد) و (اخبار عزبة المنيسي) , و (الحرب في بر مصر) وثلاثية (شكاوى المصري الفصيح) .. وغيرها, ولذلك مجموعاته القصصية مثل (ايام الجفاف) و (في الاسبوع سبعة ايام) , و (تجفيف الدموع) , و (حكايات الزمن الغريب) , الخ . والقعيد شارك في حرب الاستنزاف وحرب اكتوبر جنديا في جبهة القتال. وهو من مواليد محافظة البحيرة عام ,1944 وله اعمال روائية تحولت الى التلفزيون والسينما مثل : فيلم (العسكري مصري) اخراج صلاح ابو سيف. كما ترجمت العديد من رواياته الى الانجليزية والفرنسية والالمانية وقدم باحثون رسائل ماجستير ودكتوراه في اعماله, آخرها رسالة بعنوان (محاولة لتحليل رواية يحدث في مصر الآن) . حصلت بها الباحثة بديعة الطاهري على درجة الدكتوراه من جامعة السربون. قلت للقعيد: لماذا لم يعد للادباء تأثير في الرأي العام؟ - فقال: ومتى كان للادباء تأثير في صناعة الرأي العام نجيب محفوظ قبل حصوله على جائزة نوبل لم يكن مهما عند الرأي العام, احسان عبد القدوس لولا ملكيته لروز اليوسف لما كان له تأثير يذكر في الرأى العام .. نحن لم نعرف ادباء مؤثرين في الرأى العام بعد طه حسين والعقاد ... وحتى هؤلاء لولا تقلبهم بين الاحزاب لما كان لهم نفس التأثير .. اضف الى ذلك اننا كأدباء نأتي من قرانا الفقيرة ثم تأتي لنا الثقافة بالثروة فتغير مواقعنا الطبقية وتفسدنا تماما, وانا واحد من هؤلاء . كيف تفسد الثروة الاديب؟ - عندما يخضع لها, ويضع موهبته في خدمتها, فمن المفروض ان يكون الاديب مع ما يعتقد انه الصواب, وما يعتقد انه حقيقي. ومن المفروض ان لا يسير مع الموجة السائدة, بحثا عن المنافع فمثلا عندما تكون الموجة السائدة هي (الخصخصة) وانا مبدئيا مع القطاع العام فاذا وضعت قلمي مع الخصخصة اكون قد حدت عن الحق. وليس معنى ذلك انني اريد ان يعيش الادباء في فقر, فكلما عاشوا بشكل جيد كلما قلت تنازلاتهم وابدعوا بشكل جيد. يمكن ان يقال ايضا: انهم كلما قدموا تنازلات, كلما كسبوا اكثر, وعاشوا بشكل جيد بينما الثبات على المبدأ قد يجلب الفقر؟ - الحقيقة ان كل كتاب العالم الثالث علاقتهم شديدة التعقيد بامرين اساسيين هما: السلطة والمال ... فمن ناحية السلطة: تبدو مشكلتنا كأدباء اننا لانستند الى رأى عام يقف وراءنا. ولانستند الى جماهير واسعة تحمينا, الاخطر من هذا ان الشارع نفسه ضدنا اذا اعتبرنا الشارع يحكمه المتطرفون , من هذا المنظور فنحن بحاجة الى السلطة لحمايتنا من المتطرفين, اي اننا بحاجة الى السلطة التي يفترض اننا ضدها حتى لو اصابت, علينا ان نطالبها بصواب اكثر, ونحن بحاجة للهجوم على السلطة لنكتسب شرعيتنا من الناس, اذن فعلاقتنا بالسلطة علاقة يخجل منها الطرفان, اما الموقف من المال فنحن بحاجة اليه حتى تتوفر لنا ظروف انسانية نستطيع ان نبدع فيها, ولان الاديب بطبعه لايتمتع بقدرات عملية وتجارية تدر عليه مالا, لذلك نخجل ان نقول اننا نريد فلوسا ونحاول ان نبدو متعففين حتى لانقدم تنازلات من اجلها. هل هذا التعفف حقيقي؟ - هو غير حقيقي نحن نتظاهر فقط لكنه تظاهر كاذب! ماهو الحل؟ - الحل ان يجعل الاديب مطالبه عند حدها الادنى ويعود نفسه على ذلك, فيسكن في ارخص سكن ممكن ويركب ارخص سيارة او ارخص وسيلة مواصلات. والا يصبح جزءا من الطبقة الاجتماعية الجديدة, ويتحفظ كثيرا على دعواتها حتى لايصبح جزءا منها او معبرا عن استغلالها. يقال اننا في زمن الرواية .. فهل ترى ان الرواية العربية مزدهرة حقا؟ - الثقافة بشكل عام متراجعة من حياة الامة العربية كلها. والكلمة المكتوبة في اسوأ حالاتها وهي محاصرة من الامام بزمن الاعلام ومن الخلف بثنائي الامية والتطرف. والرواية مزدهرة بمعنى انها افضل من الشعر, واحسن حالا من القصة القصيرة والمسرح, والنقد الادبي, فهي افضل الحالات السيئة, لكنها ليست مزدهرة بمعنى اقبال القراء عليها. بدليل ان نجيب محفوظ صاحب اول وآخر نوبل في العالم العربي لايزال يطبع من أعماله 3 آلاف نسخة لامة تجاوزت الـ 200 مليون وهذه الـ 3 آلاف نسخة ينتهي توزيعهم في 5 سنوات, وبمعنى ايضا ان نجيب محفوظ بعد ان حصل على نوبل لاتوجد رواية واحدة له وقفت امامها الامة العربية بسبب اهميتها, الرواية الوحيدة التي جرى الاهتمام بها وهي ( اولاد حارتنا) وكانت بسبب مصادرتها والاستمرار في مصادرتها ولكي اشرح ما اقصده بالضبط, فالحرب الاهلية الامريكية قامت بسبب رواية هي رواية (كوخ العم توم) وقوانين الهجرة بين الولايات الامريكية المختلفة صدرت بسبب رواية هي (عناقيد الغضب) حتى ان جيش الدفاع الاسرائيلي لعنه الله عندما اراد ان يختار اسما لعملية على لبنان اختار اسم (عناقيد الغضب) وهو اسم رواية . لماذا قلت ان نجيب محفوظ هو صاحب اول وآخر نوبل في العالم العربي؟ - لانني اعتقد انه لن يأخذها من بعده عربي او مصري او مسلم, لان الغرب ابرأ ذمته, واعطاها لعربي, ومصري, ومسلم, وليس في حاجة لتكرار هذا. ما الفرق بين حصول نجيب محفوظ على نوبل 1988 وحصول ماركيز عليها عام 1984؟ - نوبل ماركيز تحولت الى نوبل لادب امريكا اللاتينية كله بمعنى اننا عرفنا كل ما يكتب بالاسبانية بعد حصول ماركيز على نوبل فقرأنا بورخيس واركتافيوباث, وجورج امادو وايزابيلا الليندي وروكي دالتون وغيرهم, ولم نكن نعرف من الادب الاسباني المكتوب غير لوركا, بعد حصول نجيب محفوظ على نوبل ماذا حدث, اولا نحن ترجمنا قبل ان يحصل عليها فروايتي (الحرب في بر مصر) مترجمة الى الانجليزية والفرنسية والروسية قبل حصوله على الجائزة, ولكن ماذا حدث بعد نوبل؟ حدثت حالة فوران في اعوام ,88 ,89 90 ثم توقف كل شيء والحصاد: انك لاتجد الادب العربي في مكتبات العالم بكثافة الادب الاسباني: ما السبب في ذلك؟ - السبب ان الحضارة الاسبانية جزء من الحضارة الاوروبية اما الحضارة العربية الاسلامية فهي الآخر. ماهو معيار الترجمة عندك وهل هناك ترجمات شعبية لادبنا بعد نوبل؟ - مقياس الترجمة عندي هو ان يصل الكتاب المترجم الى القارىء العادي في اوروبا وليس من اجل اقسام الترجمة في الجامعات , مقياس الترجمة هو الطبعة التي تصل الى مليونين اي الطبعة الشعبية وانا لم ار في الغرب اطلاقا طبعة شعبية لرواية من روايات نجيب محفوظ , ما ترجم له كله طبعات فخمة اكاديمية محدودة العدد, وحتى في الصحافة الغربية فباستثناء هيكل وادوارد سعيد وفؤاد عجمي لاتنشر لاي كاتب في هذه المنطقة مقالات. هل هناك شروط للغرب في الاعمال الادبية التي ينتقيها المترجم ... وماهو انعكاس هذا الوضع على كتابنا؟ - قلت ان الكتابة التقليدية المستقرة حصلت على نوبل بحصول نجيب محفوظ عليها وهذه اكبر ضربة لمغامرة التجديد التي قام بها جيلي ... الآن بعض الكتاب عينه على الورق وعينه الاخرى على اوروبا اثناء الكتابة, خذ عندك مثلا : كتابات المرأة , الكتابة عن الاقباط واضطهادهم, الكتابة عن النوبيين واضطهادهم, كتابات الحداثة الجديدة التي لاتخرج عن الكتابة الشيئية التي تضخم الاشياء في النص على حساب الانسان. كتابات التطبيع مع الصهاينة, كل هذه الكتابات الهدف منها الغرب اولا وثانيا وثالثا واخيرا, وربما كنت انا الوحيد الذي اقول ان نوبل لن تعود مرة ثانية الينا, اول هذا واؤكده لان مجانين نوبل في العالم العربي اكثر من ان يحصيهم العد. القاهرة - فتحي عامر