في يونيو الماضي عرضت مجموعة نادرة من الصور لمكة والمدينة التقطت في القرن الثامن عشر, ودخلت مجموعة الصور التي تضم 18 البوما مزادا بلندن . اشترى هذه المجموعة شخصية من الشرق الاوسط لم يفصح عن اسمها, بمبلغ يزيد على عشرة اضعاف المبلغ المتوقع فبيعت بـ 2.1 مليون دولار امريكي لم يعرف مصير هذه المجموعة النادرة, ولم ينشر من المجموعة الا بعض اللقطات قبل المزاد. من يتأمل الصور المنشورة ويقارنها بالحاضر, يشعر بعظمة الانجاز الذي قدمته المملكة السعودية لخدمة البيت الحرام وضيوف الله الذين لا ينقطعون عن زيارة بيته لحظة محققين معجزة لا تتكرر ابدا, الا يخلو هذا البيت ليلا او شتاء يوما او ثانية واحدة من زائر قادم له من شرق الارض او جنوبها. مرت عمليات اعمار المنطقة المحيطة بالكعبة, وخدمة الحجاج والمعتمرين بعدة مراحل, تمثل مدى الازدهار واهتمام الخلفاء والممالك الاسلامية التي حكمت هذا العالم بهذا البيت. يذكر المرحوم احمد السباعي في كتابه (تاريخ مكة) ان مساكن الاهالي في عهد جرهم كانت عبارة عن مضارب من الشعر, تبنى بعيدا عن البيت الحرام في سفوح الجبال والاودية, وفي حكم قريش حلت البيوت المبنية بالحجر والطين, وظلت كذلك بعيدا عن الكعبة وكانوا لايضعون الابواب لبيوتهم, يتركونها مفتوحة يجعلون امامها العرصات لينزل الحجاج والمعتمرون. قصي بن كلاب عندما ولي امر مكة, سمح بالبناء حول مدار الكعبة من الجهات الاربع بعد ان حدد مساحة للبيت تقدر بصحن المسجد اليوم, وامرهم ان يجعلوا بين بيوتهم مسالك يصلون منها الى ساحة الكعبة. الطواف حول البيت يحدث اليوم على مدار الساعة, لكن في الازمنة الماضية كانت العملية صعبة, فأمر الطواف سهل مع وجود شمس النهار, لكنه يتعذر في ظلام الليل, الخليفة عبدالملك بن مروان امر عامله على مكة باضاءة مابين الصفا والمروة,. واتخذ مصباحا كبيرا مقابل الركن الاسود وهو اول مصباح اتخذ في المسجد, قبل ذلك كان جيران المسجد يضعون على بيوتهم مصابيح لينتفع الناس بضوئها في المسجد. ودخلت الكهرباء لاول مرة الكعبة, عندما استورد الحسين بن علي ماكينة كهربائية, اضاءت المطاف وكان قد ادخل الاضاءة بالنور الابيض بالمصابيح الغازية التي كانت تسمى في الحجاز (الاتاريك) وذلك في سنة 1335 هــ. وقد اهدى بعض الملوك المسلمين الى المسجد الحرام في اوائل القرن التاسع الهجري بعض الخيام ليستظل بها المصلون من الشمس يوم الجمعة, وقد امر امير مكة انذاك حسن ابن عجلان باقامة هذه الخيام, فنصبت, ثم عدل منها عندما لاحظ أن بعض المصلين يتعثرون في حبالها. في الشتاء, عندما تتساقط الامطار تكون زيارة البيت شاقة, يذكر (تاريخ مكة) انه في 22 ذي الحجة من العام 1081 هــ سال وادي ابراهيم بمكة على اثر مطر عظيم واقتحم السيل المسجد حتى انتهى الى ما يوازي نصف الكعبة وازاح بعض الاعمدة عن امكنتها, ومن غريب الاتفاق ان السيل حمل احد الجمال حتى استقر به فوق المنبر, فلما انكشف الماء في الصباح, وجدوا الجمل في مكانه من اعلى المنبر. وراح ضحية هذا السيل عدد كبير من الحجاج وخربت بسببه بيوت كثيرة. وفي اوائل القرن التاسع الهجري تراكمت طبقات من التراب في المسجد, فاستعان المسؤولون بالثيران لجرف هذا التراب, ووضعوا مكانه بطحاء نظيفة مغربلة. وفي امر التفريق بين النساء والرجال في الطواف يذكر احمد السباعي انه يعود الى خالد القسري والي مكة لعبد الملك بن مروان, فهو الذي امر بالتفريق واجلس عند كل ركن حرسا معهم السياط, وذلك على اثر ما نقل اليه من قول بعض الشعراء. يا حبذا الموسم من موفد وحبذا الكعبة من مشهد وحبذا اللاتي يزاحمننا عند استلام الحجر الاسود فأمر بالتفريق, وقال ردا على هذا الشاعر: الا انهن لا يزاحمنك بعد هذا.