أعشق هذه اللحظات .. والكون يكاد يسبح في بحر من النور والرحمة. أنزل إلى الشارع قبلها, أحاول أن اتنسم عطر اللحظة خارج جدران المنزل, زمان كنت أهرب إلى البحر في بلدتي. الله على لحظات ما قبل الغروب ولا شيء يمنعك من معانقة السماء والبحر والهواء الطازج, وصوت الشيخ رفعت كأنه يفتح لك أبواب جنة ليس فيها إلا المحبة والخشوع والرحمة والمغفرة . بعدنا الآن عن البحر وضاقت بنا المدن الكبيرة, لم تعد عيوننا تعانق النجوم في كل ليلة ولا تبحث عن القمر, ولم تعد تستطيع ان تقتنص لحظة تتوحد فيها بالكون وتدوس فيها على القلق وتخلق من الأحلام واقعا جديدا. ومع ذلك فما زلت أتشبث بالأمل وأبحث عن المعجزة. أهرب في نفس الساعة. أبحث عن مكان هادئ أرى فيه رحيل الشمس.ابتعد عن الميكروفونات الصاخبة التي أصبحت تلوث السمع والقلب معا. أضع (الترانزستور) الصغير على أذني فأنا لا أحب استخدام السماعات, أترك نفسي لصوت الشيخ رفعت وأبحر معه إلى حيث يقودني. أتلكأ في العودة حتى الأذان. تخلو الشوارع وتعم السكينة وتصبح المدينة غير المدينة. في الصبا, كنت ألجأ إلى أحد (الأسبلة) التي تصادفنا في الطريق. ما أجمل قطرات الماء في حلق الصائم. ما زلت أذكر طعام الماء المعطر بـ (الماورد) من (القلل) الجميلة التي يتم رصها على رفوف السبيل وقد برع الفنان الشعبي في تزيينها بالرسوم الزاهية الساذجة الجميلة. وبجوارها أطباق البلح (نكسر) بها الصيام كما يقولون, ثم نسرع إلى الافطار الحقيقي في المنزل, كان البعض أكثر كرما يضعون بجوار الماء بعض الخروب والعرقسوس والتمر هندي.. خاصة حين نكون في الصيف ويومه الطويل الحار. تغيرت الدنيا وتغير الناس. اختفت (الأسبلة) وظهرت موائد الرحمن, والفكرة جميلة, ولكننا كالعادة لا نحترم الأفكار الجميلة ولا نحافظ عليها. وليس في الأمر جديد كما يعتقد البعض, ففي الريف كانت كل عائلة تمد في بيت كبيرها مائدة يجتمع حولها رجال العائلة وتتسع للضيوف والعابرين. والعائلات هناك كبيرة العدد وكان كل منزل يرسل شيئا مما أعده للافطار, فتكون المائدة عامرة وأجمل ما فيها انها تجمع الجميع.. رجال العائلة الكبار والصغار.. أولاد العم والخال والأقارب والضيوف, لا فرق بين الغني والفقير, فكلهم ضيوف على الرحمن, ولم يكن في ذلك أي ادعاء.. فهذا ما تفعله العائلات في كل المناسبات, والتراحم هناك سلوك فطري, والتكافل هو السائد, وكبير العائلة ليس أكثرها غنى, يكفيه الستر مع الحكمة والعقل. المدينة غير الريف, لا تعرف الفطرة ولا تحب البساطة. انتقلت الموائد الجماعية في الريف لتصبح موائد الرحمن في المدينة. في البداية كان الأمر معقولا, ومع ذلك رفض امام الجامع المجاور لنا أن يقيمها. كان عالما فاضلا وأستاذا بالأزهر وواحدا من أفضل المجتهدين في العلم. قال ببساطة ان الأمر هنا يختلف وسوف يتحول إلى غير ما أراده الله, طلب ان تجمع التبرعات وأن يتم توزيعها على من يحتاجها حقيقة في منازلهم, وكان له ما أراد. مع تغير الأحوال انتشرت (موائد الرحمن) وكأنها جزء من النظام العالمي الجديد! لم يعد الأمر كله لوجه الله ولا ابتغاء مرضاته, نافست مائدة شريهان مائدة فيفي عبده, وتدخل رجال الفتوى ليقرروا هل الافطار عند راقصة أو ممثلة حلال أم حرام, واختلف العلماء كالعادة.. وما زالوا على خلافهم حتى الآن, وما زالت الموائد تقام, والفقراء يتزاحمون عليها! لكن المنافسة لم تتوقف عند هذه المحطة الفنية, فقد دخل رجال الأعمال على الخط, ومع التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة وبروز طبقة الأثرياء الجدد, امتد الصراع بينهم إلى رمضان وموائد الرحمن. وكان الغريب أن هؤلاء ينصبون موائدهم في الأحياء الراقية حيث يقيمون, وعلى الفقراء من الأحياء المجاورة ان يزحفوا إلى هناك من أحيائهم الفقيرة. واحدى سمات القاهرة ان الأحياء الفقيرة تجاور أحياء الأثرياء, فالزمالك لا يفصله عن بولاق إلا الكوبري الشهير الذي أحيل للمعاش أخيرا, ومصر الجديدة تلاصق عين شمس, وعزبة النخل وجاردن سيتي لا يفصلهما إلا شارع عن المنيرة.. الأحياء في القاهرة متداخلة وانتقال الطبقات من هنا إلى هناك وبالعكس وارد في كل الأحوال. في العام الماضي كنت أزاول هوايتي في استنشاق عبير اللحظة الجميلة.. لحظة الغروب خارج البيت. ما زلت أستطيع النجاة من الزحام والدخان والضجيج إلى حيث بعض الهدوء ونعمة العناق مع الطبيعة. ألمح عند العودة حركة دائبة لاعداد مائدة كبيرة للافطار كانت تتسع يوما بعد يوم. أحب ان أراقب حركة العاملين في الاعداد, البعض يؤدي مهمته في ميكانيكية, ولكن الكثيرين يتحركون بشعور يكاد يشع منهم أنهم يتقربون إلى الله بخدمة عباده, ويبتغون مرضاته بالتفاني في عملهم. يوما بعد يوم, كنت أراقب اتساع المائدة بعد ان عرفها سائقو الأوتوبيس الذين يمرون بالشارع فأصبحت مكانهم المفضل للافطار معا. تتوقف حركة الأوتوبيس في المنطقة قبيل الموعد, ويتدافع السائقون والمحصلون وربما بعض الركاب.. تعلو أصواتهم بالضحك الخجول وهم يثرثرون بأي كلام يدفعون به ما يشعرون به من حرج داخلي. وينطلق المدفع فيسود الصمت إلا من حركة تناول الطعام التي تنتهي في دقائق يسرعون بعدها إلى الأوتوبيسات التي ظلت موتوراتها دائرة في انتظار السائقين. طوال الشهر الكريم والأمور تسير بشكل روتيني. قد أعود يوما مبكرا فأرى من (يسلي) صيامه بمساعدة القائمين على اعداد المائدة. وقد أعود متأخرا فتمنعني أصوات موتورات السيارات الدائرة عن سماع دعاء الشيخ النقشبندي في الراديو. ثم كان اليوم الأخير في الشهر الكريم, أمر على الموقع فأحس بحركة غير عادية. اقترب ــ بحكم المهنة ــ لاستكشف ما يجري, يفاجئني المنظر: الناس جالسون على الموائد الفقيرة وأمامهم الطعام, والكل ينتظر مدفع الافطار , وفرحة العيد المنتظر تظلل المنطقة كلها. أمام المائدة كان جمع آخر, وعدد من الرجال يمسكون بثلاث أو أربع كاميرات لتصوير الفيديو, وآخرون يساعدون في مد الأسلاك الكهربائية وضبط الأنوار, ورجل منفوش مثل الديك الرومي وسط الدائرة يتكلم: ــ مش عاوز يفوتنا شيء يا رجالة. الكاميرا إللي مع مصطفى حتمشي مع (الباشا) من أول ما ينزل, وتفوت معاه على المنظر كله. من عاوز أي شيء يفوتنا فقد لاتوجد فرصة أخرى للتصوير إذا كان العيد غدا. ويمضي الديك الرومي في حديثه: ــ الكاميرا الثانية تأخذ المنظر من فوق, والكاميرا الثالثة تأخذ التفاصيل وتمشي ببطء على الترابيزات. والمهم (الباشا) يا مصطفى خليك معاه خطوة خطوة. الغثيان هو الشعور الذي غمرني, لو كان في جوفي شيء لأفرغته على الفور. الاحساس بأن الكون حولك كله نور ورحمة يغادرني, لماذا يفسد القبح كل شيء جميل في حياتنا, أكاد أصرخ من الأعماق (آه يا أولاد الـ ... ) لكن الكلمة لا تخرج, بل أهمس بهدوء (اللهم إني صائم) . أعود إلى البيت. صوت الشيخ رفعت يملأ الجو خشوعا جميلا.أجلس على المائدة فلا أتناول شيئا. أغلق باب غرفتي عليّ محاولا أن أغفو فلا أستطيع. تنهال تليفونات الأقارب والأصدقاء بعد قليل تهنئ بمقدم العيد, تشتاق الروح لسماع تكبيرة صلاة العيد بعد ساعات لعلها تمسح بعد ما في النفس من أحزان.