عند دخولك أي مسجد من تلك التي شيدها المسلمون الأوائل اثناء الفترة المزدهرة لحضارتهم, تصيبك الدهشة من رؤية هذه النوافذ الزجاجية الملونة التي تعلو الجدران, والتي تمنح أي رجل دخل بيت الله شعاعا من السكنية والسلام مع النفس, والمصالحة مع الكون . لم يكن الزجاج اذن غريبا على المصريين, حيث يوجد ما يؤكد انهم اول من صنعوه وعرفوه, فيما قبل الميلاد بحوالي اربعة الاف عام!! وهناك بعض انواع من الخرز والتعاويذ الزجاجية مؤرخة بهذه الفترة, ومازال الكثير منها محفوظا في المتاحف ودور الاثار بجميع انحاء العالم, ومن الأمثلة الفنية الدقيقة التي برع فيها المصريون هي صناعة العيون الزجاجية التي تستعمل في ترصيع الأقنعة والتماثيل والتوابيت. اما النوافذ الزجاجية المعشقة بالجص (تسمى احيانا القمريات والشمسيات) فهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعمارة الاسلامية, حيث تمكن الفنان الاسلامي ببراعة من ايجاد علاقة تجمع بين القيمة الجمالية والنفعية, فاحدى وظائفها منع الحشرات التي تتسلل من خارج المبنى الى داخله, وهي بهذا تحقق مبدأ امنيا يتعلق بحياة الانسان, كما انها ترشد كمية الضوء الداخل الى المكان وتمنع الاتربة وفوضى الرياح والعواصف على مدار العام. وهي تخفف الاحمال على الاعمدة الحاملة للعقود, ومن هنا يتضح ان لها قيمة وظيفية اساسية نفعية الى جانب القيمة الجمالية التي تتصل بالانشاء من ناحية, وبالتصميم الداخلي للمكان من ناحية اخرى غير مغفلة للجوانب الروحية بما تعطيه من سكينة وروحانية للمكان, كما تعطي الفتحات المنفذة من الزجاج المؤلف بالجص وظيفة اجتماعية بتحديد العلاقات بين افراد الاسرة وبين المجتمع الخارجي, بحيث يستوجب احاطة المرأة باطار من الخصوصية والعزلة عن عالم الرجال اثناء تأدية الصلاة او اثناء ممارسة نشاط حياتها اليومي الخاص بها. ويؤكد الباحثون وعلماء الاثار ان مصر من اكثر البلاد الاسلامية استخداما لهذه النوعية من الفن (الزجاج الجصي) في المساجد والقصور والمنازل, حيث تميزت هذه الفتحات بتنوعها واختلاف طرق الزخرفة والتلوين طبقا لطبيعة العصر ونوع الزخرفة السائدة فيه وطبيعة المكان. والجدير بالذكر ان القاهرة وحدها تضم ما يقرب من مائة اثر اسلامي تحتوي على نوافذ زجاج معشقة بالجص يعود تاريخها الى عصور مختلفة. ويعد جامع احمد بن طولون اقدم مساجد مصر التي تحتوي على اربع نوافذ زجاجية موجودة فوق كل دعامة من الدعائم التي تحمل العقود الكبيرة, واذا انتقلنا الى العصر الفاطمي نجد امثلة باهرة للشبابيك الجصية المفرغة كتلك التي في مسجد الحاكم بأمر الله (990: 1012م) , والتي استخدمت في تصميمها الزخارف النباتية والخطوط العربية والكوفية. لا جدال في ان هذا الفن شهد تطورا ملحوظا في العصر الفاطمي, حيث اخذ طابعا جديدا واسلوبا مبتكرا, اذ ظهرت العناصر الزخرفية اقرب الى الواقعية, كما أخذت الارضية بين تلك العناصر تزداد غورا وتفريغا, وتمتلئ ظلا وقتامة, حيث امتدت هذه الزخارف الى مساحات كبرى شملت الافاريز والشرائط, وبدأت تظهر في ملء فراغ الشبابيك بألوان رائعة من الزجاج المؤلف بالجص. اما اشهر الاماكن التي تعود الى العصر الايوبي, فهو ضريح الصالح نجم الدين ايوب الذي شيدته امرأته شجرة الدر عام 1249م ويقع في شارع المعز لدين الله, ويتميز هذا الضريح بوفرة شبابيك الزجاج الملون المعشق بالجص والذي يعد بداية الطراز الايوبي في هذا الفن, كذلك توجد قبة الامام الشافعي المنشأة عام 1211م, وما بها من فتحات نوافذ جصية, ومنها ذلك الشباك المحفوظ في متحف الفن الاسلامي بالقاهرة والذي تتوسطه زخارف نباتية يحيط بها اطار كتب فيه بالخط الكوفي (ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم) . واذا تجولنا في بدائع الاثار المملوكية, نجد ان مسجد الظاهر بيبرس (1268م) قد احتوى اهم واقدم الزخارف الجصية المملوكية الباقية حتى الآن, ومن بينها نوافذ من الزجاج المعشق بالجص المفرغ لها اطار من التوريق والكتابة الكوفية, وفي بعضها اشكال هندسية متداخلة مكونة من خطوط هندسية تتشابك لتكون اشكالا نجمية متجاورة, ومن الاثار المملوكية الهامة التي تحوي شبابيك جصية مفرغة مجموعة السلطان قلاوون (1284م) في منتصف شارع المعز والتي تتكون من مدرسة وقبة وبيمارستان, وتظهر روعة استخدام الزجاج المؤلف بالجص في هذه المجموعة داخل القبة الضريحية والتي حوت ما يقرب من 22 شباكا. كذلك احتوت مدرسة جوهر القنقبائي في العصر المملوكي (1408م) على شباك لافت للنظر موجود في ايوان القبلة, قوام الزخرفة فيه عبارة عن اطار خارجي اشبه بسلسلة ذات حلقات مستديرة, اما من الداخل, فالمساحة العلوية استخدم لها شكل وريدات حمراء داخل جامات على ارضية خضراء, اسفل ذلك شريط مستطيل عليه عبارة (لا اله الا الله) . وتشهد البنايات التي تم انشاؤها في العصر العثماني احتفاء الفنادق والمصمم بالفتحات واساليب تغطيتها بالجص المؤلف بالزجاج, حيث انتشرت هذه الفتحات في العمائر الدينية مثل مساجد المحمودية ,1567 البرديني ,1616 الملكة صفية ,1610 او القصور والمنازل الخاصة بالامراء واثرياء القوم مثل منازل السحيمي, زينب خاتون الهواري, وقصر المسافر فرخانة الذي احترق مؤخرا لسوء الحظ!! واذا تقدمنا في العصور نجد ان متحف سراي النيل بالمنيل, والذي يرجع انشاؤه الى عام 1902 على يد البرنس محمد علي قد حوى فيه مختلف فنون الشرق والعالم الاسلامي في جميع المجالات تقريبا, ومنها مجموعة رائعة من الفتحات المنفذة بالزجاج المعشق بالجص. والآن, يسعى مركز الحرف الفنية في وكالة الغوري لاستعادة الكرامة المهدورة لهذا الفن البديع الذي برع فيه المسلمون الاوائل, لكن الزمن والهوس بالتغريب اطاح بهذا الفن... ولم يبق منه الا الامل في ان تستطيع هذه المراكز الفنية احياءه من جديد... وكلها قناعة بأن المصريين الجدد لن يكونوا اقل شأنا ومهارة من الاسلاف!! القاهرة ـ مكتب (البيان) ناصر عراق