انتابني, صباح اليوم, شعور مقلق بالذنب لعدم تمكني من حضور احتفال جامعة القاهرة بعيد ميلادها التسعين, فموعد الاحتفال يتوافق مع موعد اخر محاضرتين لي في الفصل الدراسي , ولا سبيل إلى الاعتذار عنهما, فكان مما لم يكن منه بد, وهو عدم الذهاب إلى احتفال الجامعة في قاعة احتفالاتها الكبرى, والتوجه يمينا صوب قاعة المحاضرات لأنهي مع الطلاب حديثنا عن النقد العربي المعاصر, ولكنني لم استطع طوال الساعتين اللتين حاضرت فيهما ان اصرف ذهني عن الاحتفال الآخر في القاعة الكبرى بالجامعة, فمن ذا الذي يعرف تاريخ جامعة القاهرة وينتسب اليه بأكثر من معنى ويبقى بعيدا عن احتفال مثل ذلك؟ غير انني عزيت نفسي عن الحضور بأن التزامي بالدرس الجامعي, وحرصي على ان اكون مع طلابي في الساعات الاخيرة من المقرر, انما هو الاحتفال المتواصل المستمر بمعنى الجامعة, سواء من حيث هي تاريخ من التقاليد العلمية الجليلة أو تاريخ من السعي المستمر من اجل اشاعة مناخ الاستنارة في الامة كلها, ومن ثم الارتقاء بها من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية, ومن وهاد التخلف إلى ذرى التقدم. وبعد ان انتهيت من المحاضرة, وخرجت مع الطلاب الذين لم يتركوني الحق بما يمكن ان يكون قد تبقى من الاحتفال, نسيت نفسي في حماسة المناقشة الحرة التي دفعوني اليها دفعا بأسئلتهم واختلافاتهم المثيرة, ولم اذكر الاحتفال الكبير الا بعد ان هدأت المناقشة, واطلق الطلاب سراحي كي اغادرهم إلى حيث اريد, ولكن لم يبق لي شيء اريده في الاحتفال الذي كان قد انتهى بالفعل, فعدت إلى مكتبي اعزى النفس بحماسة الطلاب ومبدأ التزام الاستاذ الجامعي الذي تربيت عليه بواسطة اساتذة اجلاء تعلمت منهم قيم الجامعة وتقاليدها, وما ان جلست إلى مكتبي, وتطلعت عفوا إلى النتيجة الموضوعة على سطحه الزجاجي, حتى ابتسمت لنفسي ابتسامة لم ارها الا بأعين خيالي, وتوقفت عند تاريخ اليوم, فقد كان يوم الاثنين الموافق السابع من ديسمبر, والاحتفال الاول بانشاء الجامعة لم يكن في مثل هذا اليوم تماما من الشهر نفسه منذ تسعين عاما, وإنما كان بعده بأيام وأيام, أي في الحادي والعشرين من ديسمبر سنة 1908 في قاعة مجلس شورى القوانين, بعيدا عن مقر جامعة القاهرة الحالي الذي لم يكن موجودا في ذلك الوقت, وبقدر ما حمل تذكر ذلك اليوم القديم بعض الراحة إلى نفسي, والاطمئنان على أن الذاكرة لاتزال في مأمن من مخاطر تصلب الشرايين, فانه فتح ابواب الذاكرة على مصراعيها لتسترجع سياق الاحتفال الاول الذي حدث قبل ستة وثلاثين عاما من مولدي, ولم اعرف عنه الا بمراجعته في دوريات العصر لاستكشف دلالاته التي تحدد بها معنى الجامعة في عقلي ووجداني. حدث ذلك الاحتفال بعد عامين من تاريخ البيان الذي اذاعته اللجنة المؤسسة للجامعة المصرية على ابناء الامة, وذلك بعد الفراغ من اجتماعها الاول الذي انعقد في الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الجمعة الثاني عشر من اكتوبر سنة ,1906 وكان يتولى امور هذه اللجنة في ذلك الوقت سعد باشا زغلول الذي عمل مع اقرانه ــ امثال مصطفى كامل وقاسم امين ومحمد فريد ــ على انشاء (الجامعة) بمعناها الحديث الذي يتأكد به حضور المجتمع المدني وتطلعه إلى التقدم العلمي والحضاري, وكان تشكيل هذه اللجنة نفسها الحلقة الاخيرة في المحاولات المتصلة التي قام بها ابناء الطليعة المستنيرة في مصر لاستكمال بناء التعليم المدني الذي اتسعت قاعدته بانتشار المدارس العامة المدنية التي انشأها محمد علي واسماعيل, وكانت سياسة الاستعمار البريطاني معادية لانشاء هذه الجامعة, والاقتصار على ما كان موجودا من المدارس المهنية العليا (الطب, الهندسة, الحقوق, المعلمين) التي لم تكن تهدف, في خطة كرومر المعتمد البريطاني, الا إلى تخريج مهنيين مروضين يعملون في دولاب الدولة الذي كانت تهيمن عليه مصالح الاستعمار البريطاني في ذلك الزمان, ولذلك رفض اللورد كرومر بحث اقتراح انشاء جامعة مصرية اكثر من مرة, وظل يعمل بواسطة مستشاريه من امثال دنلوب على عرقلة مساعي الدعوة إلى انشاء هذه الجامعة, حتى بعد أن أخذ الوطنيون في مصر يتحدثون عن جامعة عليجرة التي تأسست في الهند سنة ,1875 ويطالبون بجامعة تشبهها في هدف الاتساع بالتعليم العالي الملازم للتقدم. ولم تهدأ حماسة الدعوة الوطنية الى انشاء الجامعة, تلك الحماسة التي سبق ان ظهرت في كتابات وممارسات أمثال جورجي زيدان ومصطفى كامل وقاسم أمين ومحمد عبده وسعد زغلول, وهي الحماسة التي وجدت في اهتزاز سطوة كرومر واشتعال السخط الوطني مع حادثة دنشواي سنة 1906 ما استمدت منه الدافع على المضي إلى الامام, وذلك بالقدر الذي وجدت في تشجيع الخديوي عباس حلمي الثاني ما يعين على الانتقال الى مرحلة التنفيذ العملي لانشاء الجامعة. ولذلك بادر سعد زغلول وقاسم امين بأخذ زمام المبادرة, ودعا سعد زغلول (بك في ذلك الوقت) حوالي عشرين شخصية عامة الى الاجتماع بقصره في الثاني عشر من اكتوبر سنة 1906. وحضر الاجتماع محمد فريد وثلاثة آخرون من أنصار مصطفى كامل في الحزب الوطني مع ممثلين للتيارات الوطنية المختلفة, جنبا الى جنب قاسم أمين بك وأخنوخ أفندي فانوس ومحمود الشيشيني بك ومصطفى كامل الغمراوي بك, وتشكلت من المجتمعين لجنة عينت سعد زغلول ــ المستشار في محكمة الاستئناف الأهلية في ذلك الوقت ــ وكيلا للرئيس العام, وقاسم امين سكرتيرا, تاركة الرئاسة شاغرة انتظارا لرعاية ملكية, وجمع أولئك الحاضرون حوالي أربعة آلاف ونصف جنيه مصري. وفي اليوم الثاني بدأوا حملة للاكتتاب العام من أجل انشاء الجامعة, بعد ان وجهوا نداءهم التاريخي الى الامة المصرية. وقد كان تعيين سعد زغلول وزيرا للمعارف خلفا ليعقوب ارتين, فضلا عن رحيل كرومر نفسه بمثابة دعم كبير لمشروع الجامعة, وساعد على مضي عملية التنفيذ الى الامام اعتبارات اهمها ــ فضلا عن تبني الخديوي عباس حلمي للمشروع ــ دعمه المالي للجامعة بخمسة آلاف جنيه سنويا من أموال الاوقاف التي كان يشرف عليها شخصيا, فضلا عن اختياره عمه الامير فؤاد (الملك فيما بعد) لرئاسة اللجنة, الامر الذي ادى الى تشجيع الامراء وسراة الامة على الدعم المالي للمشروع, في مراحل التنفيذ. وكان من نتيجة ذلك تشكيل مجلس تنفيذي للجامعة يحل محل اللجنة التحضيرية, وينتقل من المرحلة الاولى التحضيرية الى المرحلة الاكثر صعوبة المرتبطة بالتأسيس الفعلي والانحياز العملي. وكان تشكيل المجلس التنفيذي ــ أو ما عرف باسم مجلس ادارة الجامعة ــ في مايو سنة 1908 قبل اشهر معدودة من الافتتاح الرسمي. وتولى الامير فؤاد رئاسة ذلك المجلس الذي ضم احمد زكي بك (باشا فيما بعد) رجل القصر بوصفه سكرتير المجلس, الى جانب علوي باشا الطبيب الخاص للأميرة فاطمة اسماعيل شقيقة فؤاد, ويوسف صديق بك من حزب الاصلاح التابع للخديوي, وحسين رشدي باشا وابراهيم نجيب باشا وعبدالخالق وثروت باشا ويعقوب ارتين باشا, فضلا عن بقايا اللجنة التحضيرية القديمة, وسرعان ما لحق بهم احمد شفيق باشا رئيس الديوان الخديوي الذي اصبح نائب المدير فيما بعد. وأتصور ان اهم ما قام به هذا المجلس التنفيذي, قبل افتتاح الجامعة, هو وضع المبادىء والأسس التي قامت عليها الجامعة من ناحية ثانية, وذلك كي تصبح الجامعة مستعدة لعملها فكريا وعمليا. ولم ينتظر المجلس بداية عمل الجامعة وتخرج الطلاب منها كي يبعثهم الى أوروبا, وانما قام بذلك قبل فتح الجامعة نفسها, فأوفد على الفور جماعة من شباب مصر الى اقطار أوروبا لتحصيل العلم العالي والتزود به ليعودوا أساتذة في الجامعة, ولم ينتظر المجلس عودة المبعوثين من الخارج, فقام بتكليف بعض العلماء بتدريس بعض العلوم التي لم تكن قد نالت في مصر حظا وافرا من العناية. وأضاف المجلس الى ذلك التعاقد مع بعض الاجانب لتدريس (علوم الأدبيات) عند الفرنسيين والانجليز بوصفهما (الأمتين الكبيرتين اللتين انتشرت لغتهما بين المصريين انتشارا كبيرا) . ورأى المجلس بالاضافة الى ذلك ان من اول الواجبات عليه ان يكون في مقدمة ما يدرس في جامعة مصرية تاريخ الحضارة القديمة في مصر والشرق وتاريخ الحضارة الاسلامية (التي لا يزال اهل الفضل من كل الامم الراقية يذكرونها مقرونة بالاعجاب والاحترام) . وبعد ان عمل مجلس ادارة الجامعة كل ما في وسعه لاستكمال المبادىء والاسس الجامعية, وتوفير الاساتذة الى جانب قبول الطلاب وتهيئة اماكن المحاضرات, أعلن عن الافتتاح الذي وقع بالفعل في حفل مهيب حضره الخديوي عباس حلمي الثاني مع كبار رجال الدولة وأعضاء مجلس الادارة في قاعة مجلس شورى القوانين في الحادي والعشرين من ديسمبر سنة 1908. وكان الحفل المهيب للافتتاح تتويجا لحلم طليعة الأمة العربية, وتحقيقا لتطلعها الى النهضة التي تأصلت بانشاء الجامعة (العربية) الأولى في القاهرة. صحيح ان المجلس التنفيذي للجامعة الجديدة (أو مجلس الادارة) أصبحت الأغلبية فيه من رجال القصر, لكن التوجه الفكري لهذه الأغلبية كان في مجمله نتيجة لاتجاه الاستنارة الذي أشاعه رواد النهضة من طليعة الأمة. ولذلك فعندما نسترجع تاريخ الجامعات العربية من هذا المنظور. خصوصا من حيث علاقتها بالمسعى التنويري للطليعة المثقفة من رواد النهضة, نجد أن التجسد الفعلي لولادة الجامعة اقترن بوصول طليعة الاستنارة في مصر الى درجة من القوة التي فرضت حضورها على المجتمع, وأشاعت دعوتها الى التحديث والحداثة في دوائر واسعة لم تكف عن التزايد. حقا عرفت هذه الطليعة فكرة الجامعة الحديثة في أوروبا وأفادت منها, خصوصا بعد أن تعلم الكثير من أبنائها في الجامعات الأوروبية, ولكن هذه الطليعة أعادت إنتاج مفهوم الجامعة بما يتفاعل وتراثها العلمي والثقافي من ناحية, ويتناسب مع مطامحها وأمانيها الوطنية والقومية من ناحية مقابلة. وكانت النتيجة ان اصبح مفهوم الجامعة الوليدة تطويرا لميراث الماضي العربي المتقدم في عصور ازدهاره العلمي والأدبي والفني والفكري, وابرازا لأحلام النهضة العربية في الحاضر وبحثها عن سبل الوصول الى ما وصل اليه الغرب المتقدم. وفي الوقت نفسه, تجسيد رغبة التحرر من قيود التخلف على كل مستوياتها, ومن ثم وصل مفهوم الجامعة بمعنى من معاني استقلال الفرد والأمة, والإسهام في اشعال وقدة روح التحرر حتى عن أوروبا التي نقلت عنها الطليعة مفهوم الجامعة الحديثة. هكذا, كانت الأجيال الأولى من موجات الطليعة التي تعلمت في أوروبا. ورأت نموذج الجامعة الأوروبية وعايشته معايشة انتهت الى التأثر والافادة والنقل الذي كان نوعا من إعادة انتاج المفهوم, هي نفسها الأجيال التي أسهمت في إيقاظ الوعي الوطني والقومي العام, وعملت على تخليص الأماني الوطنية ــ والقومية ــ من عراقيل وأحاييل نقائضها, وذلك على النحو الذي جعل من معنى الوطنية الوجه الآخر من معنى التقدم العلمي للوطن بواسطة الجامعة المفتوحة لكل أبناء الوطن. وكان تجاوب المعنى الوطني والعلمي هو الأصل في التوجه العام الذي حدد حركة اللجنة المؤسسة للجامعة ومجلس ادارتها التنفيذي الاول. وقد سيطر هذا التوجه على المناخ العام للحفل الذي حضره الخديوي, وألقى فيه كلمة أعقبتها كلمات الأمير فؤاد رئيس المجلس وأحمد زكي سكرتير المجلس وعبد الخالق ثروت عضو المجلس. وكان مناخ الحفل في مجمله استجابة لمشاعر الفرحة التي عمت طوائف الأمة بتأسيس صرح أساسي من صروح التقدم, ولذلك لم تتخلف طائفة عن الاسهام فيما قويت به دعائم هذا الصرح الذي كانت النواة الأولى لنشأة الجامعات العربية على امتداد الوطن العربي كله فيما بعد. ولم يتحدث أحد في حماسة الطليعة من هذه الطوائف عن أي شكل من أشكال التمييز الديني أو العرقي او الطائفي او الاجتماعي, بل أسهم المسيحي والمسلم, المعمم والمطربش, من يملك الكثير ومن يملك القليل, في جهود الطليعة التي سعت الى انشاء جامعة تفتح أبوابها لجميع أبناء الأمة دون تمييز بينهم في الدين او الجنس او الطائفة او المكانة الاجتماعية. وما لفت انتباهي بوجه خاص, وأنا أتتبع جذور نشأة الجامعة المصرية, وتفاصيل التدافع الوطني الى معاونة الجامعة الوليدة, هو إسهام الطليعة المستنيرة من رجال الدين, أبناء الأزهر الذين تفتح وعيهم على احلام عصر جديد, فتمردوا على التقاليد الجامدة وبادروا الى دعم كل ما يؤسس واقع النهضة الواعدة, ولذلك كان الشيخ رفاعة الطهطاوي واضع اللبنة الاولى في حلم الجامعة المدنية, عندما أنشأ سنة ,1836 في عهد محمد علي باشا وبمباركته, مدرسة الألسن التي كانت بذرة عفية من بذور التعليم العالي الحديث. ولولا ذلك ما أكمل تلميذه علي مبارك المسار, حيث أضاف الى مدرسة الألسن (دار العلوم) التي نقل فكرتها عن فرنسا, فكانت مدرسة ــ ثم كلية ــ دار العلوم التي استهلت دورها سنة 1871 بوصفها خطوة أخرى على طريق الجامعة, جنبا الى جنب مدرستي الحقوق والمعلمين اللتين لحقتا بالقافلة في عهد اسماعيل. وجاء بعد ذلك شيخ آخر هو الإمام محمد عبده الذي ضاق بجمود الأزهر وحلم بتأسيس جامعة جديدة بجهود الأغنياء الذين نعى عليهم بخلهم. وحاول تحقيق حلمه ولكن الموت كان أسبق اليه, فترك الحلم لمن جاء بعده من الذين حافظوا على جذوته. الى أن تشكلت اللجنة التي تولت التأسيس الفعلي للجامعة المصرية برئاسة سعد زغلول الأزهري القديم الذي وجه نداء اللجنة المؤسسة للجامعة الى الأمة المصرية مبشرا إياها بولادة الجامعة المدنية. ويعني ذلك أن البعد المدني في مفهوم الجامعة الحديثة لم يؤرق المستنيرين من رجال الدين, ولم يجدوا فيه سوى ما يفضي الى نهضة الأمة وتحقيق نهضتها العلمية, فانحاز هؤلاء المستنيرون من رجال الأزهر الى حلم الجامعة المدنية, يستوي في ذلك الذين ظلوا على زيهم بحكم موقعهم في المؤسسات الدينية مثل محمد عبده أو الذين هجروا زي المشايخ الى زي الافندية بحكم وظائفهم المدنية مثل سعد زغلول الذي هجر التعليم الازهري الى التعليم المدني في مدرسة الحقوق. وكانت حماسة هؤلاء بمثابة العدوى التي انتقلت الى غيرهم من رجال الأمة ونسائها.